النبوَّة والرسالة؛ إذ لا يُنالُ هذا العلمُ إلا من جهة الرسل، فكيف يقولون: ما أنزل اللهُ على بشرٍ من شيء؟! وهذا مِن فضل العلم وشرفه، أنه دليلٌ على صحة النبوَّة والرسالة، والله الموفِّق للرشاد.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤]، يعني: وبَعَثَ في آخرين منهم لمَّا يلحقوا بهم.
وقد اختُلِفَ في هذا اللَّحاق المنفيِّ؛ فقيل: هو اللَّحاقُ في الزمان، أي: يتأخَّر زمانهم عنهم. وقيل: هو اللَّحاقُ في الفضل والسَّبق.
وعلى التقديرين، فامتنَّ عليهم سبحانه بأنْ علَّمهم بعد الجهل، وهداهم بعد الضلالة، ويا لها من منَّةٍ عظيمةٍ فاتت المِنَن، وجلَّت أن يقدرَ العبادُ لها على ثمن.
الوجه الثامن والثلاثون: أنَّ أول سورةٍ أنزلها الله في كتابه سورة القلم (^١)؛ فذكر فيها ما مَنَّ به على الإنسان من تعليمه ما لم يعلم، فذكر فيها
_________________
(١) كذا في الأصول. وهو من أسماء سورة العلق. انظر: «زاد المسير» (٩/ ١٧٥)، و«الدر المصون» (١١/ ٥٤).
[ ١ / ١٥٦ ]
فضلَه بتعليمه، وتفضيلَه الإنسانَ بما علَّمه إياه، وذلك يدلُّ على شرف التعليم والعلم.
فقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥].
فافتتحَ السورة بالأمر بالقراءة الناشئة عن العلم.
وذَكَر خلقَه خصوصًا وعمومًا، فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وخصَّ الإنسان من بين المخلوقات؛ لِمَا أودعه من عجائبه وآياته الدَّالَّة على ربوبيَّته وقدرته وعلمه وحكمته وكمال رحمته، وأنه لا إله غيره ولا ربَّ سواه. وذكر هنا مبدأ خلقه من علقٍ لكون العلقة مبدأ الأطوار التي انتقلت إليها النُّطفة، فهي مبدأ تعلُّق التخليق (^١).
ثمَّ أعادَ الأمرَ بالقراءة، مخبرًا عن نفسه بأنه الأكرم، وهو الأفعل (^٢) من الكرم، وهو كثرةُ الخير، ولا أحد أولى بذلك منه سبحانه؛ فإنَّ الخيرَ كلَّه بيديه، والخيرُ كلُّه منه، والنِّعمُ كلُّها فهو وليُّها، والكمالُ كلُّه والمجدُ كلُّه له؛ فهو الأكرمُ حقًّا.
ثمَّ ذكر تعليمَه عمومًا وخصوصًا، فقال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾، فهذا يدخلُ فيه تعليم الملائكة والناس.
ثمَّ ذكر تعليمَ الإنسان خصوصًا، فقال: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
_________________
(١) (د، ت، ق): «تعليق الخلق». وانظر: «تهذيب السنن» (١٢/ ٣١٣).
(٢) أي أن «الأكرم» على صيغة «أفعل»، التي هي من صيغ المبالغة.
[ ١ / ١٥٧ ]