الوجه السابع والأربعون: ما رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء ﵁ قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من سلكَ طريقًا يبتغي فيه علمًا سلكَ اللهُ به طريقًا إلى الجنة، وإنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتَها رضًا لطالب العلم، وإنَّ العالِم ليستغفرُ له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء، وفضلُ العالِم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء، إنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم؛ فمن أخذه أخذَ بحظٍّ وافر» (^١).
وقد رواه الوليدُ بن مسلم، عن خالد بن يزيد، عن عثمان بن أيمن، عن أبي الدرداء، قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من غدا لعلمٍ يتعلَّمُه فتح الله له به طريقًا إلى الجنة، وفرشت له الملائكةُ أكنافَها، وصلَّت عليه ملائكةُ السماء وحيتانُ البحر، وللعالم من الفضل على العابد كفضل القمر ليلةَ البدر على سائر الكواكب، والعلماءُ ورثةُ الأنبياء، إنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم؛ فمن أخذَ بالعلم أخذَ بحظٍّ وافر، وموتُ العالم مصيبةٌ لا تُجْبَر، وثُلمةٌ لا تُسَدُّ، ونجمٌ طُمِس، وموتُ قبيلةٍ أيسرُ من موت
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)، وابن ماجه (٢٢٣)، وأحمد (٥/ ١٩٦)، وغيرهم. وفي إسناده اضطرابٌ، وجهالة. ورُوِيَ من أوجهٍ أخر غير محفوظة. انظر: «العلل» للدارقطني (٦/ ٢١٦)، و«جامع الترمذي» (٥/ ٤٨) عقب الحديث، و«جامع بيان العلم» (١/ ١٦٢)، و«تحفة الأشراف» (٨/ ٢٣٠)، و«الميزان» (٢/ ٤). وصححه ابن حبان (٨٨)، وقال ابن حجر في «الفتح» (١/ ١٩٣): «له شواهد يتقوى بها».
[ ١ / ١٧٠ ]
عالِم»، وهذا حديثٌ حسن (^١).
والطريقُ التي يسلُكها إلى الجنة جزاءٌ على سلوكه في الدنيا طريقَ العلم الموصلة إلى رضا ربِّه.
ووَضعُ الملائكة أجنحتها له تواضعًا وتوقيرًا وإكرامًا لما يحملُه من ميراث النبوَّة ويطلبُه، وهو يدلُّ على المحبة والتعظيم، فمن محبة الملائكة له وتعظيمه تضعُ أجنحتها له؛ لأنه طالبٌ لما به حياةُ العالَم ونجاتُه، ففيه شبهٌ من الملائكة، وبينه وبينهم تناسُب، فإنَّ الملائكةَ أنصحُ خلق الله وأنفعُهم لبني آدم، وعلى أيديهم حصلَ لهم كلُّ سعادةٍ وعلمٍ وهدى.
ومِنْ نفعهم لبني آدم ونُصْحِهم أنهم يستغفرون لمسيئهم، ويُثَبِّتون (^٢) مؤمنيهم، ويعينونهم على أعدائهم من الشياطين، ويحرصون على مصالح العبد أضعافَ حرصه على مصلحة نفسه، بل يريدون له من خير الدنيا والآخرة ما لا يريدُ العبدُ ولا يخطرُ له ببال؛ كما قال بعض التابعين: «وجدنا
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده الكبير»، كما في «المطالب العالية» (٣/ ٣٣٢)، و«إتحاف الخيرة» (١/ ٢١٠)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٣٣١)، ومن طريقه الرافعي في «التدوين» (٣/ ٤٦١). وخالد بن يزيد ضعيف، واتهمه بعضهم. انظر: «التهذيب» (٣/ ١٢٧). وعثمانُ بن أيمن لم أر من وثقه، وترجمه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٨/ ٣١٨) وخرَّج له هذا الحديث، ولم يَحْكِ فيه جرحًا ولا تعديلًا. وانظر: «مجمع الزوائد» (١/ ٢٠٢). والوليدُ مشهورٌ بالتدليس ولم يصرِّح بالتحديث. ولعل المصنف أراد بتحسين الحديث حُسْنَ معناه وسياقته.
(٢) (ق): «ويثنون على».
[ ١ / ١٧١ ]
الملائكةَ أنصحَ خلق الله لعباده، ووجدنا الشياطين أغشَّ الخلق للعباد» (^١).
وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩].
فأيُّ نصحٍ للعباد مثلُ هذا إلا نصح الأنبياء!
فإذا طلبَ العبدُ العلمَ فقد سعى في أعظم ما ينصحُ به عبادَ الله؛ فلذلك تحبُّه الملائكة وتعظِّمُه، حتى تضعَ أجنحتَها له رضًا ومحبةً وتعظيمًا.
وقال أبو حاتم الرازي: سمعتُ ابن أبي أويس يقول: سمعتُ مالك بن أنس يقول: معنى قول رسول الله - ﷺ -: «تضعُ أجنحتها» يعني: تبسُطها بالدُّعاء لطالب العلم، بدلًا من الأيدي (^٢).
وقال أحمدُ بن مروان المالكي في كتاب «المجالسة» له: حدثنا زكريا بن عبد الرحمن البصري، قال: سمعتُ أحمد بن شعيب يقول: كنَّا عند بعض المحدِّثين بالبصرة، فحدَّثنا بحديث النبي - ﷺ -: «إنَّ الملائكة لتضعُ أجنحتَها لطالب العلم»، وفي المجلس معنا رجلٌ من المعتزلة، فجعل
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (٢/ ١٧٨)، والطبري (٢١/ ٣٥٧)، وغيرهما عن مطرف بن عبد الله بن الشخير.
(٢) انظر: «التمهيد» (١٩/ ٤٣).
[ ١ / ١٧٢ ]
يستهزاءُ بالحديث، فقال: والله لأقْطُرَنَّ غدًا نعلي (^١)، فأطأُ بها أجنحةَ الملائكة. ففعَل، ومشى في النَّعلين؛ فجفَّت رجلاه جميعًا، ووقعَت في رِجْلَيْه الآكِلَة» (^٢).
وقال الطبراني: سمعتُ أبا يحيى زكريا بن يحيى السَّاجي قال: كنَّا نمشي في بعض أزقَّة البصرة إلى باب بعض المحدِّثين، فأسرعنا المشي، وكان معنا رجلٌ ماجنٌ متَّهمٌ في دينه، فقال: «ارفعوا أرجلَكم عن أجنحة الملائكة، لا تكسروها»، كالمستهزاء؛ فما زال من موضعه حتى جفَّت رجلاه وسَقَط (^٣).
وفي «السنن» و«المسانيد» من حديث صفوان بن عسَّال، قال: قلت: يا رسول الله ــ - ﷺ - ــ، إني جئتُ أطلبُ العلم، قال: «مرحبًا بطالب العلم؛ إنَّ طالبَ العلم لتَحُفُّ به الملائكةُ وتُظِلُّه بأجنحتها، فيركبُ بعضُها بعضًا حتى تبلغَ السماء الدنيا، مِنْ حبِّهم لما يطلب»، وذكر حديثَ المسح على
_________________
(١) كذا في الأصول، و«المجالسة». لعله مِن: قَطَرْت البعيرَ، إذا طَلَيته بالقَطِران. «الصحاح» (قطر). وفي (ح): «لأقطرن نعلي بمسامير»، وفي طُرَّتها إشارةٌ إلى أن في نسخة: «لأطرقن»، ووردت بمعناها في بعض المصادر.
(٢) «المجالسة» (٢١٥٤). والخبر في «الطيوريات» (١٩٨)، و«بستان العارفين» للنووي (١١٢)، و«مشيخة ابن الحطاب الرازي» (٩)، وفي حاشية الأخير مزيد تخريج.
(٣) أخرجه الطبراني في كتاب «السُّنَّة»، كما ذكر شيخ الإسلام في «الفتاوى» (٤/ ٥٣٩)، ومن طريقه الخطيب في «الرحلة» (٨)، والهروي في «ذم الكلام» (٤/ ٣٦٩)، والنووي في «بستان العارفين» (١١١). وقال الحافظ عبد القادر الرهاوي: «إسناد هذه الحكاية كالأخذ باليدين، أو كرأي العين؛ لأن رواتها أعلام، وراويها إمام». انظر: «فيض القدير» (٢/ ٣٩٣).
[ ١ / ١٧٣ ]
الخفَّين (^١).
قال أبو عبد الله الحاكم: إسناده صحيح. وقال ابن عبد البر: هو حديثٌ صحيحٌ حسنٌ ثابتٌ محفوظٌ مرفوع، ومثلُه لا يقالُ بالرأي.
ففي هذا الحديث حَفُّ الملائكة له بأجنحتها إلى السماء، وفي الأول وضعُها أجنحتَها له؛ فالوضعُ تواضعٌ وتوقيرٌ وتبجيل، والحَفُّ بالأجنحة حفظٌ وحمايةٌ وصيانة. فتضمَّنَ الحديثان تعظيمَ الملائكة له، وحبَّها إياه، وحياطتَه وحفظَه؛ فلو لم يكن لطالب العلم إلا هذا الحظُّ الجزيلُ لكفى به شرفًا وفضلًا.
وقولُه - ﷺ -: «إنَّ العالم ليستغفرُ له من في السموات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء»؛ فإنه لمَّا كان العالِمُ سببًا في حصول العلم الذي به نجاةُ النفوس من أنواع الهَلَكات، وكان سعيُه مقصورًا على هذا، وكانت نجاةُ العباد على يديه= جُوزِيَ من جنس عمله، وجُعِل من في السموات والأرض ساعيًا في نجاته من أسباب الهَلَكات، باستغفارهم له؛ وإذا كانت الملائكةُ تستغفرُ للمؤمنين، فكيف لا تستغفرُ لخاصَّتهم وخُلاصتهم؟!
وقد قيل: إنَّ «من في السموات ومن في الأرض» المستغفرين للعالِم
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٥٣٥، ٣٥٣٦)، والنسائي (١٥٨)، وابن ماجه (٢٢٦)، وأحمد (٤/ ٢٣٩)، والطيالسي (١٢٦٢)، وغيرهم. قال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وصححه ابن خزيمة (١٧، ١٩٣)، وابن حبان (٨٥، ١١٠٠، ١٣١٩)، والحاكم (١/ ١٠١)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ١٥٩) ــ ونقل المصنفُ عبارته ــ، وخرَّجه الضياء في «المختارة» (٢٣، ٣٠).
[ ١ / ١٧٤ ]
عامٌّ في الحيوانات، ناطقِها وبهيمِها، طيرِها وغيره. ويؤكِّدُ هذا قولُه: «حتى الحيتان في الماء، وحتى النملةُ في جُحْرها».
فقيل: سببُ هذا الاستغفار أنَّ العالِمَ يعلِّمُ الخلقَ مراعاةَ هذه الحيوانات، ويعرِّفُهم ما يحلُّ منها وما يحرُم، ويعرِّفُهم كيفيةَ تناولها، واستخدامها، وركوبها، والانتفاع بها، وكيفيةَ ذبحها على أحسن الوجوه وأرفقها بالحيوان، والعالِمُ أشفقُ الناس على الحيوان، وأقومُهم ببيان ما خُلِقَ له (^١).
وبالجملة؛ فالرحمةُ والإحسانُ التي خُلِقَ بهما ولهما الحيوان، وكُتِبَ لهما حظُّهما منه، إنما يُعْرَفُ بالعلم، فالعالِمُ مُعرِّفٌ لذلك؛ فاستحقَّ أن تستغفر له البهائم، والله أعلم.
وقولُه: «وفضلُ العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب» تشبيهٌ مُطابِقٌ لحال القمر والكواكب؛ فإنَّ القمرَ يضيءُ الآفاق، ويمتدُّ نورُه في أقطارِ العالَم (^٢)، وهذه حالُ العالِم. وأما الكوكبُ فنورُه لا يجاوزُ نفسَه، أو ما قَرُبَ منه، وهذه حالُ العابد الذي يضيءُ نورُ عبادته عليه دون غيره، وإن جاوز نورُ عبادته غيرَه فإنما يجاوزُه غير بعيد، كما يجاوزُ ضوءُ الكوكب له مجاوزةً يسيرة.
ومن هذا الأثرُ المرويُّ: «إذا كان يومُ القيامة يقولُ الله للعابد: ادخل الجنة، فإنما كانت منفعتُك لنفسك، ويقالُ للعالِم: اشفَع تُشَفَّع، فإنما كانت
_________________
(١) انظر: «الكاشف عن حقائق السنن» للطِّيبي (١/ ٣٧٢)، و«الميسَّر» للتوربشتي (١/ ١٠٤)، و«تذكرة السامع والمتكلم» لابن جماعة (٣١).
(٢) (ت، ح): «في العالم».
[ ١ / ١٧٥ ]
منفعتُك للناس» (^١).
وروى ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄: «إذا كان يومُ القيامة يؤتى بالعابد والفقيه، فيقال للعابد: ادخُل الجنة، ويقال للفقيه: اشفَع» (^٢).
وفي التشبيه المذكور لطيفةٌ أخرى: وهو أنَّ الجهلَ كالليل في ظلمته وحِنْدِسِه، والعلماءُ والعُبَّادُ بمنزلة القمر والكواكب الطَّالعة في تلك الظُّلمة، وفضلُ نور العالِم فيها على نور العابد كفضل نور القمر على الكواكب.
وأيضًا؛ فالدِّينُ قِوامُه وزينتُه وأمَنَتُه بعلمائه وعُبَّاده؛ فإذا ذهبَ علماؤه وعُبَّاده ذهب الدِّين، كما أنَّ السماءَ أمَنَتُها وزينتُها بقمرها وكواكبها؛ فإذا خَسَفَ قمرُها وانتثرت كواكبُها أتاها ما تُوعَد، وفضلُ علماء الدِّين على العُبَّاد كفضل ما بين القمر والكواكب.
فإن قيل: فكيف وقعَ تشبيهُ العالم بالقمر دون الشمس، وهي أعظمُ نورًا؟
_________________
(١) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١١١) من حديث أنسٍ مرفوعًا بإسنادٍ شديد الضعف. وبنحوه أخرجه ابنُ عدي في «الكامل» (٢/ ٤١٢، ٦/ ٤٣٨)، والبيهقي في «الشعب» (٤/ ٣٤٦)، وابن عبد البر في «الجامع» (١/ ١٠٨) عن جابرٍ مرفوعًا بإسنادين شديدَي الضعف.
(٢) أخرجه الخطيب في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١١٢) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا. وأخرجه أبو القاسم التيمي في «الترغيب والترهيب» (٢١٥٧) من حديث أبي أمامة مرفوعًا بإسنادٍ ضعيف.
[ ١ / ١٧٦ ]
قيل: فيه فائدتان (^١):
إحداهما: أنَّ نور القمر لما كان مستفادًا من غيره كان تشبيهُ العالِم الذي نورُه مستفادٌ من شمس الرسالة بالقمر أولى من تشبيهه بالشمس.
الثانية: أنَّ الشمسَ لا يختلفُ حالها في نورها، ولا يلحقُها محاقٌ (^٢) ولا تفاوتٌ في الإضاءة، وأمَّا القمرُ فإنه يقلُّ نوره ويكثُر ويمتلاءُ وينقصُ؛ كما أنَّ العلماءَ في العلم على مراتبهم من كثرته وقلَّته، فيفضَّلُ كلٌّ منهم في علمه بحسب كثرته وقلَّته، وظهوره وخفائه، كما يكونُ القمرُ كذلك، فعالِمٌ كالبدر ليلة تِمِّه (^٣)، وآخرُ دونه بليلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ وما بعدها إلى آخر مراتبه، وهم درجاتٌ عند الله.
فإن قيل: تشبيهُ العلماء بالنجوم أمرٌ معلوم، كقوله - ﷺ -: «أصحابي كالنجوم» (^٤)، ولهذا هي في تعبير الرؤيا عبارةٌ عن العلماء (^٥)، فكيف وقعَ
_________________
(١) انظر: «الذخيرة» للقرافي (١/ ٤٣).
(٢) مثلَّثة الميم. أي: نقصانُ ضوء. والمحاق: آخرُ الشهر إذا انمحقَ الهلالُ فلم يُرَ، سُمِّي بذلك لأنه طلع مع الشمس فمَحَقَته. «اللسان» (محق).
(٣) أي: اكتماله وتمامه. وهذا التركيب كثيرُ الورود في الشِّعر.
(٤) جاء من حديث جماعةٍ من الصحابة بألفاظٍ مختلفة. ولا يصحُّ منها شيء. وقد حكم بردِّه الإمام أحمد، والبزار، وغيرُ واحدٍ من المتأخرين. انظر: «المنتخب من العلل للخلال» (١٤٣)، و«جامع بيان العلم وفضله» (٢/ ٩٢٣)، و«تحفة الطالب» لابن كثير (١٦٦)، و«موافقة الخُبْر الخَبر» (١/ ١٤٥)، و«التلخيص الحبير» (٤/ ١٩٠)، و«السلسلة الضعيفة» (٥٨).
(٥) انظر: «تعبير الرؤيا» لابن قتيبة (١١٢)، و«البدر المنير» للشهاب العابر المقدسي (٢١٧)، و«حلية الأولياء» (٢/ ٢٧٧).
[ ١ / ١٧٧ ]
تشبيهُهم هنا بالقمر؟
قيل: أما تشبيهُ العلماء بالنجوم؛ فلأنَّ النجومَ يهتدى بها في ظلمات البرِّ والبحر، وكذلك العلماء.
والنجومُ زينةٌ للسماء، وكذلك العلماءُ زينةٌ للأرض.
وهي رجومٌ للشياطين حائلةٌ بينهم وبين استراق السَّمع؛ لئلا يَلبِسوا (^١) بما يَسْتَرِقُونه من (^٢) الوحي الوارد إلى الرسل من الله على أيدي ملائكته، وكذلك العلماءُ رجومٌ لشياطين الإنس (^٣) الذين يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زخرفَ القول غرورًا؛ فالعلماءُ رجومٌ لهذا الصِّنف من الشياطين، ولولاهم لطُمِسَت معالمُ الدِّين بتلبيس المضلِّين، ولكنَّ الله سبحانه أقامهم حُرَّاسًا وحَفَظةً لدينه، ورجومًا لأعدائه وأعداء رسله.
فهذا وجهُ تشبيههم بالنجوم.
وأمَّا تشبيهُهم بالقمر؛ فذلك إنما كان في مقام تفضيلهم على أهل العبادة المجرَّدة، وموازنة ما بينهما من الفضل. والمعنى: أنهم يَفْضُلونَ العُبَّادَ الذين ليسوا بعلماء، كما يَفْضُلُ القمرُ سائرَ الكواكب.
فكلٌّ من التشبيهين لائقٌ بموضعه، والحمدُ لله.
وقولُه: «إنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياء»، هذا من أعظم المناقب لأهل العلم؛ فإنَّ الأنبياءَ خيرُ خلق الله، فورثتُهم خيرُ الخلق بعدهم، ولما كان كلُّ
_________________
(١) (ت): «يشتبه».
(٢) «من» ليست في (ح، ن).
(٣) (ق): «الإنس والجن». وهو خطأ وسبق قلم.
[ ١ / ١٧٨ ]
موروثٍ (^١) ينتقلُ ميراثُه إلى ورثته؛ إذ هم الذين يقومون مقامَه من بعده، ولم يكن بعد الرسل من يقومُ مقامَهم في تبليغ ما أُرسِلوا به إلا العلماء= كانوا أحقَّ الناس بميراثهم.
وفي هذا تنبيهٌ على أنهم أقربُ الناس إليهم؛ فإنَّ الميراثَ إنما يكونُ لأقرب الناس إلى الموروث، وهذا كما أنه ثابتٌ في ميراث الدِّينار والدِّرهم، فكذلك هو في ميراث النبوَّة، والله يختصُّ برحمته من يشاء.
وفيه ــ أيضًا ــ إرشادٌ وأمرٌ للأمَّة بطاعتهم واحترامهم وتعزيرهم وتوقيرهم وإجلالهم؛ فإنهم ورثةُ مَنْ هذه بعضُ حقوقهم على الأمَّة، وخلفاؤهم فيهم.
وفيه تنبيهٌ على أنَّ محبَّتهم من الدِّين، وبغضَهم منافٍ للدِّين، كما هو ثابتٌ لموروثهم (^٢). وكذلك معاداتُهم ومحاربتُهم معاداةٌ ومحاربةٌ لله كما هو في موروثهم.
قال عليٌّ ﵁: «محبةُ العلماء دينٌ يُدانُ اللهُ به» (^٣).
وقال - ﷺ - فيما يرويه عن ربِّه ﷿: «من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة» (^٤)، وورثةُ الأنبياء ساداتُ أولياء الله ﷿.
_________________
(١) (ت): «مورث». وكلاهما صحيح.
(٢) (ت): «لمورثهم». والوجهان صحيحان كما سبق.
(٣) جزءٌ من وصيَّته لكُمَيْل بن زياد. وسيأتي تخريجها عند سياق المصنف لها (ص: ٣٤٨). ووردت الجملة في بعض المصادر: «محبة العلم ».
(٤) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ١٧٩ ]
وفيه تنبيهٌ للعلماء على سلوك هدي الأنبياء وطريقتهم في التبليغ؛ من الصَّبر، والاحتمال، ومقابلة إساءة الناس إليهم بالإحسان، والرِّفق بهم، واستجلابهم إلى الله بأحسن الطُّرق، وبذل ما يمكنُ من النصيحة لهم؛ فإنه بذلك يحصلُ لهم نصيبُهم من هذا الميراث العظيم قدرُه، الجليل خَطَرُه.
وفيه ــ أيضًا ــ تنبيهٌ لأهل العلم على تربية الأمَّة كما يربِّي الوالدُ وَلَدَه؛ فيربُّونهم بالتدريج والترقِّي من صغار العلم إلى كباره، وتحميلهم منه ما يطيقون، كما يفعلُ الأبُ بولده الطفل في إيصال (^١) الغذاءَ إليه؛ فإنَّ أرواحَ البشر بالنسبة إلى الأنبياء والرسل كالأطفال بالنسبة إلى آبائهم، بل دون هذه النسبة بكثير، ولهذا كلُّ روحٍ لم يربِّها الرسولُ (^٢) لم تُفْلِح ولم تَصْلُح لصالحة؛ كما قيل:
ومن لا يُرَبِّيه الرسولُ ويَسْقِهِ لِبانَ هُدًى (^٣) قد دَرَّ مِنْ ثَدْيِ قُدْسِهِ
فذاكَ لَقِيطٌ ما له نِسْبةُ الوَلَا ولا يتعدَّى طَوْرَ أبناءِ جِنْسِه
وقولُه: «إنَّ الأنبياءَ لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورَّثوا العلم»، هذا من كمال الأنبياء وعِظَم نصحهم للأمم، وتمام نعمة الله عليهم وعلى أممهم؛ أنْ أزاحَ جميعَ العلل، وحسَم جميعَ الموادِّ التي تُوهِمُ بعض النفوس أنَّ الأنبياء من جنس الملوك الذين يريدون الدنيا ومُلْكَها؛ فحماهم ﷾ من ذلك أتمَّ الحماية.
_________________
(١) (ن، ح): «إيصاله».
(٢) (ن): «تربها الرسل».
(٣) (ح، ن): «لبانًا له». والبيتان لم أعثر عليهما في مصدرٍ آخر.
[ ١ / ١٨٠ ]
ثمَّ لما كان الغالبُ على الناس أنَّ أحدهم يريد الدنيا لولده من بعده، ويسعى ويتعبُ ويَحْرِمُ نفسَه لولده= سدَّ هذه الذَّريعة عن أنبيائه ورسله، وقطعَ هذا الوهمَ الذي عساه أن يخالط كثيرًا من النفوس التي تقول: فلعله إن لم (^١) يطلب الدنيا [لنفسه] فهو يحصِّلها (^٢) لولده= فقال - ﷺ -: «نحن معاشرَ الأنبياء لا نُورَث، ما تركنا فهو صدقة» (^٣).
فلم تُورِّث الأنبياءُ دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا العلم.
وأما قولُه تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ فهو ميراثُ العلم والنبوَّة، لا غير، وهذا باتفاق أهل العلم من المفسِّرين وغيرهم (^٤)، وهذا لأنَّ داود ﵇ كان له أولادٌ كثيرٌ سوى سليمان، فلو كان الموروثُ هو المال لم يكن سليمان يختصُّ به (^٥).
وأيضًا؛ فإنَّ كلامَ الله يصانُ عن الإخبار بمثل هذا؛ فإنه بمنزلة أن يقال: «مات فلانٌ وورثه ابنُه»، ومن المعلوم أنَّ كلَّ أحدٍ يرثُه ابنُه، وليس في الإخبار بمثل هذا فائدة.
وأيضًا؛ فإنَّ ما قبل الآية وما بعدها يبيِّنُ أنَّ المرادَ بهذه الوِراثة وراثةُ العلم والنبوَّة، لا وراثةُ مال، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا
_________________
(١) (ت، د، ق): «فلعله لم».
(٢) (ت): «تحصيله». وما بين المعكوفين يقتضيه السياق، وليس في الأصول.
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٩٣، ٦٧٢٦)، ومسلم (١٧٥٧ - ١٧٥٩).
(٤) انظر: «تأويل مختلف الحديث» (١٨٨)، و«شرح مشكل الآثار» (٣/ ١٢)، و«التمهيد» (٨/ ١٧٤)، و«فتح الباري» (١٢/ ١٠)، و«روح المعاني» (١٠/ ١٦٦).
(٥) (ق): «مختصا به».
[ ١ / ١٨١ ]
وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥) وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٥ - ١٦]، وإنما سِيقَ هذا لبيان (^١) فضل سليمان وما خصَّه الله به من كرامته وميراثه ما كان لأبيه من أعلى المواهب، وهو العلم والنبوَّة، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦].
وكذلك قولُ زكريا - ﷺ -: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَاءِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: ٥ - ٦]، فهذا ميراثُ العلم والنبوَّة والدعوة إلى الله، وإلا فلا يُظَنُّ بنبيٍّ كريمٍ أنه يخافُ عصبتَه أن يرثوه مالَه، فيسألُ الله العظيمَ ولدًا يمنعهم ميراثه (^٢)، ويكونُ أحقَّ به منهم. وقد نزَّه الله أنبياءه ورسله عن هذا وأمثاله. فبُعْدًا لمن حرَّف كتاب الله وردَّ على رسوله كلامَه، ونسبَ الأنبياءَ إلى ما هم أبرياءُ منزَّهون عنه، والحمدُ لله على توفيقه وهدايته.
ويُذْكرُ عن أبي هريرة ﵁ أنه مرَّ بالسوق، فوجدهم في تجاراتهم وبِيَاعاتهم (^٣)، فقال: أنتم هاهنا فيما أنتم فيه وميراثُ رسول الله - ﷺ - يقسَّمُ في مسجده! فقاموا سِراعًا إلى المسجد، فلم يجدوا فيه إلا القرآن والذِّكر ومجالس العلم، فقالوا: أين ما قلتَ يا أبا هريرة؟ فقال: هذا ميراثُ محمَّد - ﷺ - يقسَّمُ بين ورثته، وليس بمواريثكم ودنياكم (^٤). أو كما قال.
_________________
(١) (ت): «سبق هذا البيان».
(٢) (ت): «يرثهم ميراثهم».
(٣) البِيَاعات: الأشياء التي يُتبايَع بها في التجارة. «اللسان» (بيع).
(٤) أخرجه الطبراني في «الأوسط» (١٤٢٩) بإسنادٍ فيه من لا يُعْرَف. وحسَّنه المنذري في «الترغيب» (١/ ١٣٤)، والهيثمي في «المجمع» (١/ ١٢٤).
[ ١ / ١٨٢ ]
وقولُه: «فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر»، أعظمُ الحظوظ وأجداها ما نفَع العبدَ ودام نفعُه له، وليس هذا إلا حظَّه من العلم والدِّين؛ فهو الحظُّ الدائمُ النافعُ الذي إذا انقطعت الحظوظُ لأربابها فهو موصولٌ له أبد الآبدين؛ وذلك لأنه موصولٌ بالحيِّ الذي لا يموت، فلذلك لا ينقطعُ ولا يفوت، وسائرُ الحظوظ تُعْدَم وتتلاشى بتلاشي متعلَّقاتها، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]؛ فإنَّ الغايةَ لما كانت منقطعةً زائلةً تبعتها أعمالهم، فانقطعت عنهم أحوجَ ما يكونُ العاملُ إلى عمله. وهذه هي المصيبةُ التي لا تُجْبَر، عياذًا بالله، واستعانةً به، وافتقارًا إليه، وتوكُّلًا عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقولُه: «موتُ العالم مصيبةٌ لا تُجْبَر، وثُلْمةٌ لا تُسَدُّ، ونجمٌ طُمِس، وموتُ قبيلةٍ أيسرُ من موت عالم»، لمَّا كان صلاحُ الوجود بالعلماء، ولولاهم كان الناسُ كالبهائم، بل أسوأ حالًا؛ كان موتُ العالم مصيبةً لا يَجْبُرها إلا خلفُ غيره له.
وأيضًا؛ فإنَّ العلماءَ هم الذين يَسُوسونَ العبادَ والبلادَ والممالك، فموتُهم فسادٌ لنظام العالم؛ ولهذا لا يزالُ الله يغرسُ في هذا الدِّين منهم خالفًا عن سالف، يحفظُ بهم دينَه وكتابَه وعبادَه.
وتأمَّل: إذا كان في الوجود رجلٌ قد فاقَ العالَم في الغنى والكرم، وحاجتُهم إلى ما عنده شديدة، وهو محسنٌ إليهم بكلِّ ممكن، ثمَّ مات وانقطعت عنهم تلك المادَّة؛ فموتُ العالم أعظمُ مصيبةً من موت مثل هذا بكثير، ومثلُ هذا يموتُ بموته أممٌ وخلائق، كما قيل:
[ ١ / ١٨٣ ]