أحدهما: أنها إنما يمتنعُ أن تكون دارَ تكليفٍ إذا دخلها المؤمنون يوم القيامة، فحينئذٍ ينقطعُ التكليف، وأما امتناعُ وقوع التكليف فيها في دار الدنيا فلا دليل عليه.
الثاني: أنَّ التكليفَ فيها لم يكن بالأعمال التي يُكلَّف بها الناسُ في الدنيا، من الصيام والصلاة والجهاد ونحوها، وإنما كان حَجْرًا عليه في شجرةٍ من جملة أشجارها (^١)، وهذا لا يمتنعُ وقوعُه في جنة الخلد، كما أنَّ كلَّ أحدٍ محجورٌ عليه أن يَقْرَبَ أهلَ غيره فيها.
فإن أردتم بأنَّ الجنة ليست دارَ تكليفٍ امتناعَ وقوع مثل هذا فيها في وقتٍ من الأوقات فلا دليل لكم عليه، وإن أردتم أنَّ غالبَ التكاليف التي تكونُ في الدنيا منتفيةٌ فيها فهو حقٌّ ولكن لا يدلُّ على مطلوبكم.
قالوا: وهذا كما أنه مُوجَبُ الأدلة، فهو قولُ (^٢) سلف الأمة، فلا نعرفُ (^٣) بقولكم قائلًا من أئمة العلم، ولا يُعَرَّجُ عليه، ولا يُلْتفَت إليه.
وقال الأولون: الجوابُ عمَّا ذكرتم من وجهين؛ مجمل ومفصَّل:
أما المجمل: فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليلٍ يتعيَّنُ المصيرُ إليه، لا من قرآنٍ، ولا من سنَّة، ولا من أثرٍ ثابتٍ عن أحدٍ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا التابعين، لا مسندًا ولا مقطوعًا.
ونحن نُوجِدُكم من قال بقولنا:
_________________
(١) (ت): "من بعض جملة أشجارها".
(٢) في الأصول: "وقول". والمثبت أشبه بالسياق.
(٣) (ق، د، ح، ن): "يعرف".
[ ١ / ٥٠ ]
هذا أحدُ أئمة الإسلام سفيانُ بن عيينة، قال في قوله ﷿: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ قال: "يعني في الأرض" (^١).
وهذا عبد الله بن مسلم بن قتيبة، قال في "معارفه" (^٢) ــ بعد أن ذكر خلقَ الله لآدم وزوجه ــ: "إنَّ الله سبحانه أخرجه من مشرق جنة عدنٍ إلى الأرض التي منها أُخِذ".
وهذا أُبيٌّ قد حكى الحسنُ عنه أنَّ آدم لما احتضرَ اشتهى قِطْفًا من قِطْف الجنة، فانطلقَ بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة، فقالوا: أين تريدون يا بني آدم؟ قالوا: إنَّ أبانا اشتهى قِطْفًا من قِطْف الجنة، فقالوا لهم: ارجعوا فقد كُفِيتُموه، فانتهوا إليه، فقبضوا روحَه، وغسَّلوه، وحنَّطوه، وكفَّنوه، وصلَّى عليه جبريلُ وبنوه خلفَ الملائكة، ودفنوه، وقالوا: هذه سنَّتكم في موتاكم (^٣).
_________________
(١) ذكره في "حادي الأرواح" (٥٢)، ولم أقف عليه مسندًا.
(٢) (١٤)، إلا أن هذا ليس قول ابن قتيبة، وإنما هو مِن فصلٍ طويلٍ نقله من التوراة، صرَّح بذلك في فاتحة كلامه وخاتمته؛ فلا تصحُّ نسبته إليه. وانظر: (سفر التكوين: الإصحاح الثاني: ٨ - ٢٢).
(٣) أخرجه الطيالسي (٥٥١)، وعبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" (٥/ ١٣٦)، وابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ٣٧٠)، وغيرهم. وفي إسناده اختلافٌ كثير، في رفعه ووقفه، ووصله وانقطاعه. وصححه مرفوعًا الحاكم (١/ ٣٤٤، ٢/ ٥٤٥) ولم يتعقبه الذهبي، وخرَّجه الضياء في "المختارة" (١٢٥١). وقال ابن كثير في "التفسير" (٣/ ١٤١٥): "الموقوف أصحُّ إسنادًا"، وقال في (٥/ ٢٢٩٨): "وفي رفعه نظر". وانظر: "التهذيب" (١/ ٢٣٢). وانظر تخريجه موسَّعًا في "المرسل الخفي" لشيخنا الشريف العوني (٢/ ٦٠٣ - ٦٢٩)، وخلص إلى صحَّته مرفوعًا.
[ ١ / ٥١ ]
وهذا أبو صالحٍ قد نقَل عن ابن عباس في قوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾، قال: "هو كما يقال: هَبَط فلانٌ في أرض كذا وكذا" (^١).
وهذا وهبُ بن منبه يذكرُ أنَّ آدم خُلِقَ في الأرض، وفيها سَكَن، وفيها نُصِبَ له الفردوس، وأنه كان بِعَدَن، وأن سَيْحُون وجَيْحُون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة، وهو الذي كان يسقيها (^٢).
وهذا منذرُ بن سعيد البلُّوطي، اختاره في "تفسيره"، ونصَره بما حكيناه عنه، وحكاه في غير التفسير (^٣) عن أبي حنيفة ﵁ ومن قال بقوله، والذين ردُّوا عليه مقالتَه لم يُنكِروا نسبتَه إلى أبي حنيفة، وإنما ناقضوه بكونه خالف أبا حنيفة فيما خالفه فيه، فَلِمَ قال بقوله في هذه المسألة؟!
وهذا أبو مسلمٍ الأصبهانيُّ صاحبُ "التفسير" وغيره، أحدُ الفضلاء المشهورين، قال بهذا وانتصر له واحتجَّ عليه بما هو معروفٌ في كتابه.
وهذا أبو محمَّد عبد الحقِّ بن عطية ذكر القولين في "تفسيره" (^٤) في قصَّة آدم في البقرة.
_________________
(١) "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (٤٦).
(٢) لم أقف عليه. ونقلُ وهبٍ عن كتب بني إسرائيل معلوم. وانظر ما تقدم قبل قليل في التعليق على كلام ابن قتيبة.
(٣) ذكر ابنُ كثير في "البداية" (١/ ١٧٦) أن له مصنفًا مفردًا في هذه المسألة.
(٤) (١/ ٢٤٩ - ٢٥٠).
[ ١ / ٥٢ ]
وهذا أبو محمَّد ابن حزم ذكر القولين في كتاب "الملل والنِّحل" له (^١)، فقال: "وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهبُ إلى أنَّ الجنةَ والنار مخلوقتان (^٢)، إلا أنه كان يقول: إنها ليست هي التي كان فيها آدمُ وامرأتُه".
وممن حكى القولين أيضًا: أبو عيسى الرُّمَّاني (^٣)
في "تفسيره"، واختار أنها جنة الخلد.
ثمَّ قال: "والمذهبُ الذي اخترناه: قولُ الحسن، وعمرو، وواصل (^٤)، وأكثر أصحابنا، وهو قولُ أبي عليٍّ، وشيخنا أبي بكر، وعليه أهلُ التفسير".
_________________
(١) (٤/ ١٤٢ - ١٤٣). وقد أورد حجج المنذر بن سعيد وناقشها، وختم البحث بقوله: "فصحَّ أنها لم تكن في الأرض البتة". [وكذلك في كتاب "الأصول والفروع" (١١١ - ١١٢).]
(٢) كذا نقل عنه ابن حزم. وحكى عنه ابن عطية في "المحرر الوجيز" (٣/ ٣٢٥) أنه يقول بأن الجنة لم تخلق بعد، وكذلك النار. وابنُ حزمٍ أبصرُ به وأعرف، وفي نقله عنه دلائلُ الضبط، وأخشى أن يكون ابن عطية بنى إحدى المسألتين على الأخرى، وليس بينهما تلازم، كما سيبينه المصنف فيما يأتي (ص: ٦٨).
(٣) كذا وقعت كنيته في الأصول، و"حادي الأرواح" (١٩)، وعنهما في "البداية والنهاية" (١/ ١٧٦). وهو أبو الحسن الرماني علي بن عيسى (ت: ٣٨٤) النحوي المعتزلي. ترجمته في "إنباه الرواة" (٢/ ٢٩٤)، و"السير" (١٦/ ٥٣٣). وقد عُثِر على أجزاء من تفسيره، ولم تطبع بعد. وشيخه أبو بكر هو ابن الإخشيد، وأبو علي هو الجبائي، وهو كثير النقل عنهما.
(٤) في الأصول: "وعمرو بن واصل"، تحريف. عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء. وانظر: "التبيان" للطوسي (١/ ١٥٦).
[ ١ / ٥٣ ]
وممن ذكر القولين: أبو القاسم الراغب (^١) في "تفسيره" (^٢)، فقال: "واختلف في الجنة التي أُسْكِنَها آدم، فقال بعض المتكلِّمين: كان بستانًا جعله الله تعالى له امتحانًا، ولم يكن جنة المأوى".
ثمَّ قال: "ومن قال: لم تكن جنة الخلد (^٣)؛ لأنه لا تكليفَ في الجنة، وآدمُ كان مكلَّفًا".
قال: "وقد قيل في جوابه: إنما (^٤) لا تكونُ دارَ تكليف (^٥) في الآخرة، ولا يمتنعُ أن تكون في وقتٍ دارَ تكليفٍ دون وقت، كما أنَّ الإنسانَ يكونُ في وقتٍ مكلَّفًا دون وقت".
وممن ذكر الخلافَ في المسألة: أبو عبد الله ابن الخطيب الرازي في "تفسيره" (^٦)، فذكر هذين القولين، وقولًا ثالثًا ــ وهو التوقُّف ــ، قال: "لإمكان الجميع وعدم الوصول إلى القطع"، كما سيأتي حكايةُ كلامه.
ومن المفسرين من لم يذكر غير هذا القول، وهو أنها لم تكن جنة الخلد، إنما كانت حيثُ شاء الله من الأرض.
قالوا: وكانت تطلعُ فيها الشمسُ والقمر، وكان إبليسُ فيها ثمَّ أُخرِج.
_________________
(١) الأصبهاني، المتكلِّم (ت: ٤٢٥ تقريبًا). انظر: "السير" (١٨/ ١٢٠).
(٢) (ق ٤٠/أ).
(٣) (ت، ق): "المأوى".
(٤) (ق، ح): "إنها".
(٥) (ن، د، ق، ح): "التكليف".
(٦) (٣/ ٣ - ٤).
[ ١ / ٥٤ ]
قال (^١): ولو كانت جنَّة الخلد لما أُخرِجَ منها.
وممن ذكر القولين ــ أيضًا ــ: أبو الحسن الماوردي، فقال في "تفسيره" (^٢):
"واختُلِفَ في الجنة التي أُسْكِناها (^٣) على قولين:
أحدهما: أنها جنة الخلد.
الثاني: أنها جنةٌ أعدَّها اللهُ لهما، وجعلها دارَ ابتلاء، وليست جنةَ الخلد التي جعلها اللهُ دارَ جزاء.
ومن قال بهذا اختلفوا فيه على قولين:
أحدُهما: أنها في السماء؛ لأنه أهبطهما منها. وهذا قولُ الحسن.
الثاني: أنها في الأرض؛ لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نُهِيا عنها دون غيرها من الثمار. وهذا قولُ ابن بحر (^٤).
_________________
(١) كذا في الأصول.
(٢) (١/ ١٠٤، ٢/ ٢٠٨، ٢٠٩). وسقط من مطبوعته ذكر الخلاف الثاني. والماورديُّ يحكي في كتابه كثيرًا أقوال المعتزلة دون تعقُّب، ويوافقهم في بعضها، ومن هنا اتهمه ابن الصلاح بالاعتزال، وحذَّر من تفسيره، وتبعه الذهبي، ودافع عنه ابن حجر بأن المسائل التي وافق اجتهادُه فيها مقالاتِ المعتزلة معروفةٌ معدودة، ولا ينبغي أن يطلق عليه بها اسم الاعتزال. انظر: "طبقات الشافعية" لابن الصلاح (٢/ ٦٣٨)، و"الميزان" (٣/ ١٥٥)، و"لسان الميزان" (٤/ ٢٦٠)، و"إرشاد الأريب" (١٩٥٥).
(٣) (ت، ح): "أسكنها".
(٤) في الأصول، ومعظم نسخ "البداية والنهاية" (١/ ١٧٧): "ابن يحيى". وفي نسخة من "البداية والنهاية": "ابن جبير". وكله تحريف. ووقع على الصواب في "حادي الأرواح" (٤٨). وهو أبو مسلم الأصبهاني، محمد بن بحر (تقدمت ترجمته)، مشهورٌ بهذه النسبة، ويذكره بها كثيرًا الماورديُّ في تفسيره (انظر: ٢/ ٢٠٤، ٤٥٠، ٤/ ٨٣، ٢١٣، وغيرها)، وابنُ الجوزي في "زاد المسير"، والقرطبي، وغيرهم.
[ ١ / ٥٥ ]
وكان ذلك بعد أن أُمِرَ إبليسُ بالسُّجود لآدم. والله أعلمُ بصواب ذلك". هذا كلامه.
وقال ابنُ الخطيب في "تفسيره" (^١): "اختلفوا في أنَّ الجنةَ المذكورة في هذه الآية: هل كانت في الأرض أو في السماء؟ وبتقدير أنها كانت في السماء، فهل هي الجنةُ التي هي دارُ الثواب وجنةُ الخلد أو جنةٌ أخرى؟
فقال أبو القاسم البلخي (^٢) وأبو مسلم الأصبهاني: هذه الجنةُ في الأرض. وحملا الإهباطَ على الانتقال من بقعةٍ إلى بقعة، كما في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
القول الثاني ــ وهو قولُ الجُبَّائي ــ: أنَّ تلك الأرض كانت في السماء السابعة".
قال: "والدليلُ عليه قولُه: ﴿اهْبِطُوا﴾. ثمَّ إنَّ الإهباطَ الأول كان من السماء السابعة إلى السماء الأولى، والإهباطُ الثاني كان من السماء إلى الأرض".
قال: "والقولُ الثالث ــ وهو قول جمهور أصحابنا ــ: أنَّ هذه الجنةَ هي
_________________
(١) (٣/ ٣).
(٢) عبد الله بن أحمد بن محمود (ت: ٣١٩)، من متكلِّمي المعتزلة البغداديين، وله تصانيف. انظر: "طبقات المعتزلة" (٨٨)، و"السير" (١٤/ ٣١٣).
[ ١ / ٥٦ ]