دارُ الثواب. والدليلُ عليه: أنَّ الألف واللَّام في لفظ "الجنة" لا يفيدُ العموم؛ لأنَّ سُكنى آدمَ جميعَ الجِنان (^١) مُحال، فلا بدَّ من صرفها إلى المعهود السابق، والجنةُ التي هي المعهودةُ المعلومة بين المسلمين هي دارُ الثواب؛ فوَجَب صرفُ اللَّفظ إليها".
قال: "والقولُ الرابع: أنَّ الكلَّ ممكن، والأدلةُ النقليةُ ضعيفةٌ ومتعارضة؛ فوجبَ التوقُّفُ وتركُ القطع".
قالوا: ونحن لا نقلِّدُ هؤلاء، ولا نعتمدُ على ما حُكِيَ عنهم، والحجةُ الصحيحةُ حَكَمٌ بين المتنازعين.
قالوا: وقد ذكرنا من الأدلَّة على هذا القول ما فيه كفاية.
أمَّا الجوابُ المفصَّل: فنحن نتكلَّم على ما ذكرتم من الحُجَج؛ لينكشفَ وجه الصَّواب، فنقولُ وبالله التوفيق:
أما استدلالُكم بحديث أبي هريرة وحذيفة حين يقولُ الناس لآدم: "استفتِح لنا الجنة، فيقول: وهل أخرجكم منها إلا خطيئةُ أبيكم؟ " (^٢)؛ فهذا الحديثُ لا يدلُّ على أنَّ الجنةَ التي طلبوا منه أن يستفتحها لهم هي التي أُخرِجَ منها بعينها؛ فإنَّ الجنة اسمُ جنس، فكلُّ بستانٍ (^٣) يُسمَّى جنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ
_________________
(١) (د، ح، ن): "سكنى جميع الجنان".
(٢) أخرجه مسلم (١٩٥).
(٣) (ت، ن، ح): "لكل بستان".
[ ١ / ٥٧ ]
جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩١]، وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٢ - ٣٩].
فالجنةُ اسمُ جنس؛ فهُم لمَّا طلبوا من آدم أن يستفتحَ لهم جنةَ الخُلد أخبرهم بأنه لا يَحْسُنُ منه أن يُقْدِم على ذلك وقد أخرجَ نفسَه وذريتَه من الجنة التي أسكنه اللهُ إياها بذنبه وخطيئته.
هذا الذي دلَّ عليه الحديث.
وأمَّا كونُ الجنة التي أُخرِجَ منها هي بعينها التي طلبوا منه أن يستفتحها لهم؛ فلا يدلُّ الحديثُ عليه بشيءٍ من وجوه الدَّلالات الثلاث (^١)، ولو دلَّ عليه لوجبَ المصيرُ إلى مدلول الحديث، وامتنع القولُ بمخالفته، وهل مدارُنا إلا على فهم مقتضى كلام الصَّادق المصدوق صلواتُ الله وسلامه عليه؟!
قالوا: وأمَّا استدلالكم بالهبوط، وأنه نزولٌ من عُلْوٍ إلى سُفْل، فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ الهبوط قد استُعمِل في النُّقْلة من أرضٍ إلى أرض، كما يقال: "هبَط فلانٌ بلدَ كذا وكذا"، وقال تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا
_________________
(١) المطابقة، والتضمُّن، والالتزام. و"الثلاث" ليست في (ت).
[ ١ / ٥٨ ]
سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]، وهذا كثيرٌ في نظم العرب ونثرها، قال:
أنْ تَهبِطينَ بلادَ قَوْ مٍ يَرْتَعُونَ من الطِّلاح (^١)
وقد روى أبو صالح عن ابن عباس ﵄، قال: "هو كما يقال: هبَط فلانٌ أرضَ كذا وكذا" (^٢).
الثاني: أنَّا لا ننازعكم في أنَّ الهبوط حقيقةً ما ذكرتموه، ولكن من أين يلزمُ أن تكون الجنةُ التي منها الهبوطُ فوق السماوات؟! فإذا كانت في أعلى الأرض أما يصحُّ أن يقال: هبَط منها، كما يهبطُ الحجرُ من أعلى الجبل إلى أسفله، ونحوه؟!
وأما قولُه تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٦، والأعراف: ٢٤] فهذا يدلُّ على أنَّ الأرض التي أُهبِطوا إليها لهم فيها مستقرٌّ ومتاعٌ إلى حين، ولا يدلُّ على أنهم لم يكونوا في جنةٍ عاليةٍ أعلى من الأرض التي أُهبِطوا إليها تخالفُ تلك الأرض في صفاتها وأشجارها ونعيمها وطِيبها؛ فإنَّ الله سبحانه فاوَتَ بين بقاع الأرض أعظمَ تفاوتٍ وأبينَه، وهذا مشهودٌ بالحسِّ.
فمِن أين لكم أنَّ تلك لم تكن جنةً تميَّزت عن سائر بقاع الأرض بما لا يكونُ إلا فيها، ثم أُهبِطُوا منها إلى الأرض التي هي محلُّ التعب
والنَّصَب
_________________
(١) أنشده القاسم بن معن قاضي الكوفة، في "معاني القرآن" للفراء (١/ ١٣٦)، و"خزانة الأدب" (٨/ ٤٢١). ودون نسبة في "الخصائص" (١/ ٣٨٩)، و"شرح المفصَّل" (٧/ ٩)، وغيرهما.
(٢) تقدم قريبًا.
[ ١ / ٥٩ ]
والابتلاء والامتحان؟!
وهذا بعينه هو الجوابُ عن استدلالكم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ إلى آخر ما ذكرتموه (^١). مع (^٢) أنَّ هذا حكمٌ معلَّقٌ بشرط، والشرطُ لم يحصل؛ فإنه سبحانه إنما قال ذلك عقيب قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾؛ فقولُه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ هو صيغةُ وعدٍ مرتبطةٌ بما قبلها، والمعنى: إن اجتنبتَ الشجرةَ التي نهيتُك عنها، ولم تقرَبها، كان لك هذا الوعد. والحكمُ المعلَّقُ بالشرط عدمٌ عند عدم الشرط؛ فلما أكل من الشجرة زال استحقاقُه لهذا الوعد.
قالوا: وأما قولكم: إنه لو كانت الجنةُ في الدنيا لعلمَ آدمُ كذبَ إبليس في قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه: ١٢٠] إلى آخره؛ فدعوى لا دليل عليها؛ لأنه لا دليل لكم على أنَّ الله سبحانه كان قد أعلَم آدمَ حين خلقه أنَّ الدنيا منقضيةٌ فانية، وأنَّ مُلْكَها يبلى ويزول.
وعلى تقدير أن يكون آدمُ حينئذٍ قد أُعلِمَ ذلك، فقولُ إبليس: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ لا يدلُّ على أنه أرادَ بالخُلد ما لا يتناهى، فإنَّ الخُلدَ في لغة العرب هو اللُّبثُ الطويل، كقولهم: قَيْدٌ مُخَلَّد، وحبسٌ مُخَلَّد، وقد قال تعالى لعادٍ (^٣): ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)
_________________
(١) (ص: ٣٨).
(٢) (د، ق): "من". تحريف.
(٣) (ت، د): "لثمود"، وهو خطأ. وفي (ق): "لثمود"، وصُحِّحت في الطُّرة. وفي (ن): "لثمود"، وصُحِّحت في الطُّرة إلى: "لقوم ثمود"!
[ ١ / ٦٠ ]
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩]؛ وكذلك قولُه: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ يرادُ به المُلكُ الطويلُ الثابت.
وأيضًا؛ فلا وجه للاعتذار (^١) عن قول إبليس مع تحقُّق كذبه، ومُقاسَمته آدمَ وحوَّاء على الكذب، والله سبحانه قد أخبَر أنه قاسَمَهما ودَلَّاهما بغرور، وهذا يدلُّ على أنهما اغترَّا بقوله، فغرَّهما بأن أطمَعهما في خُلد الأبد والمُلك الذي لا يبلى.
وبالجملة؛ فالاستدلالُ بهذا على كون الجنة التي أُسكِنَها آدمُ هي جنةَ الخُلد التي وُعِدَها المتقون غيرُ بيِّن.
ثمَّ نقول: لو كانت الجنةُ هي جنةَ الخُلد التي لا يزولُ مُلكُها لكانت جميعُ أشجارها شجرَ الخُلد؛ فلم يكن لتلك الشجرة اختصاصٌ (^٢) من بين سائر الشجر بكونها شجرة الخُلد، وكان آدمُ يَسْخَرُ من إبليس؛ إذ قد عَلِمَ أنَّ الجنةَ دارُ الخُلد.
فإن قلتم: لعلَّ آدم لم يعلم حينئذٍ ذلك، فغرَّه الخبيثُ وخدَعه بأنَّ هذه الشجرة وحدها هي شجرةُ الخُلد= قلنا: فاقنعوا منَّا بهذا الجواب بعينه عن قولكم: "لو كانت الجنةُ في الدنيا لعلمَ آدمُ كذبَ إبليس في ذلك"؛ فإنَّ قولَه كان خداعًا وغرورًا محضًا على كلِّ تقدير. فانقلبَ دليلُكم حجةً عليكم، وبالله التوفيق.
قالوا: وأما قولكم: "إنَّ قصةَ آدمَ في البقرة ظاهرةٌ جدًّا في أنَّ جنة آدمَ
_________________
(١) (ح، ن): "للاعتبار".
(٢) (ح): "واختصاصها".
[ ١ / ٦١ ]
كانت فوق السماء"؛ فنحن نطالبكم بهذا الظُّهور، ولا سبيل لكم إلى إثباته.
قولُكم (^١): "إنه كرَّر فيه ذكر الهبوط مرتين، ولا بدَّ أن يفيدَ الثاني غيرَ ما أفاد الأول، فيكونُ الهبوطُ الأول من الجنة، والثاني من السماء"= فهذا فيه خلافٌ بين أهل التفسير:
فقالت طائفةٌ هذا القول الذي ذكرتموه.
وقالت طائفةٌ ــ منهم النقَّاشُ (^٢) وغيره ــ: إنَّ الهبوط الثاني إنما هو من الجنة إلى السماء، والهبوطُ الأولُ إلى الأرض، وهو آخرُ الهبوطَيْن في الوقوع وإن كان أوَّلهما في الذِّكر.
وقالت طائفة: أتى به على جهة التغليظ والتأكيد، كما تقول للرجل: اخرُج، اخرُج.
وهذه الأقوالُ ضعيفة.
فأمَّا القولُ الأول، فيظهرُ ضعفُه من وجوه:
أحدها: أنه مجردُ دعوى لا دليل عليها من اللفظ ولا من خبرٍ يجبُ المصيرُ إليه، وما كان هذا سبيلُه لا يُحْمَلُ القرآنُ عليه.
الثاني: أنَّ الله سبحانه قد أهبط إبليسَ لما امتنع من السجود لآدم إهباطًا كونيًّا قدريًّا لا سبيل إلى التخلُّف عنه، فقال تعالى: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ
_________________
(١) أي: وأما قولكم. وفي (ت): "بقولكم".
(٢) محمد بن الحسن الموصلي، أبو بكر (ت: ٣٥١)، له: "شفاء الصدور" تفسيرٌ مشهور، والنقل عنه مستفيض، ولم يطبع بعد، والمصنف ينقل هنا عن "المحرر الوجيز" (١/ ١٦٢).
[ ١ / ٦٢ ]
تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٣]، وقال في موضعٍ آخر: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحِجر: ٣٤ - ٣٥]، وفي موضعٍ آخر: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٨].
وسواءٌ كان الضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ راجعًا إلى السماء، أو إلى الجنة، فهذا صريحٌ في إهباطه وطرده ولعنته وإدحاره. والمَدْحُور: المَبْعُود (^١).
وعلى هذا، فلو كانت الجنةُ فوق السماوات لكان قد صَعِدَ إليها بعد إهباط الله له. وهذا وإن كان ممكنًا فهو في غاية البعد عن حكمة الله (^٢)، ولا يقتضيه خبرُه (^٣)؛ فلا ينبغي أن يصار إليه.
وأما الوجوه الأربعةُ التي ذكرتموها مِن صعوده للوسوسة؛ فهي ــ مع أمر الله تعالى له بالهبوط مطلقًا وطرده ولعنته ودُحوره ــ لا دليل عليها، لا من اللفظ، ولا من الخبر الذي يجبُ المصيرُ إليه، وما هي إلا احتمالاتٌ مجرَّدة، وتقديراتٌ لا دليل عليها.
الثالث: أنَّ سياقَ قصة إهباط الله تعالى لإبليس ظاهرةٌ (^٤) في أنه إهباطٌ إلى الأرض، مِن وجوه:
أحدُها: أنه سبحانه نبَّه على حكمة إهباطه بما قام به من التكبُّر المقتضي
_________________
(١) كذا في الأصول. وانظر: "طريق الهجرتين" (٣٩٣) والتعليق عليه.
(٢) (ن، ح): "عن حكمه".
(٣) (ت): "خبر غيره".
(٤) كذا في الأصول. والوجه: "ظاهرٌ"؛ لأن الكلام عن السياق.
[ ١ / ٦٣ ]
غايةَ ذُلِّه وطرده ومعاملته بنقيض قصده، وهو إهباطُه من فوق السماوات إلى قرار الأرض، ولا تقتضي الحكمةُ أن يكون فوق السماء مع كِبْرِه (^١) ومنافاة حاله لحال الملائكة الأكرمين.
الثاني: أنه قال: ﴿فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾، وكونُه رجيمًا ملعونًا ينفي أن يكون في السماء بين (^٢) المقرَّبين المطهَّرين.
الثالث: أنه قال: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾، وملكوتُ السماوات لا يَعْلُوه المَذؤومُ المدحورُ أبدًا.
وأما القولُ الثاني؛ فهو القولُ الأولُ بعينه، مع زيادة ما لا يدلُّ عليه السِّياق بحال، من تقديم ما هو مؤخَّرٌ في الواقع، وتأخير ما هو مقدَّمٌ فيه؛ فيُرَدُّ بما رُدَّ به القولُ الذي قبله.
وأما القولُ الثالث، وهو أنه للتأكيد؛ فإن أريدَ التأكيدُ اللفظيُّ المجرَّدُ فهذا لا يقعُ في القرآن، وإن أريدَ به أنه مستلزمٌ للتغليظ والتأكيد مع ما يشتملُ عليه من الفائدة فصحيح.
فالصوابُ أن يقال: أعيدَ الإهباطُ مرةً ثانيةً لأنه علَّق عليه حكمًا غير المعلَّق على الإهباط الأول؛ فإنه علَّق على الأول عداوةَ بعضهم بعضًا، فقال: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾، وهذه جملةٌ حاليَّة، وهي اسميَّةٌ بالضمير وحده عند الأكثرين، والمعنى: "اهبطوا مُتعَادِين"، وعلَّق على الهبوط الثاني حكمين آخرين:
_________________
(١) (ت): "التكبر".
(٢) (ت): "مع".
[ ١ / ٦٤ ]
أحدهما: هبوطُهم جميعًا (^١).
والثاني: قولُه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فكأنه قيل: اهبطوا بهذا الشرط، مأخوذًا عليكم هذا العهد، وهو أنه مهما جاءكم مني هدًى فمن اتبعه منكم فلا خوفٌ عليه ولا حزنٌ يلحقُه.
ففي الإهباط الأول إيذانٌ بالعقوبة ومقابلتهم على الجريمة، وفي الإهباط الثاني روحُ التسلية والاستبشار بحُسْن عاقبة هذا الهبوط لمن تَبِعَ هداي، ومصيره إلى الأمن والسُّرور المُضادِّ للخوف والحزن.
فكَسَرَهُم بالإهباط الأول، وجَبَرَ من اتبعَ هداه بالإهباط الثاني، على عادته سبحانه ولطفه بعباده وأهل طاعته، كما كَسَرَ آدمَ بالإخراج من الجنة، وجَبَرَه بالكلمات التي تلقَّاها منه، فتابَ عليه وهداه.
ومن تدبَّر حكمته سبحانه، ولطفَه وبرَّه بعباده وأحبابه (^٢)، في كَسْرِه لهم ثم جَبْرِه بعد الانكسار، كما يَكْسِرُ العبدَ بالذَّنب ويُذِلُّه به ثم يَجْبُره بتوبته عليه ومغفرته له، وكما يَكْسِرُه بأنواع المصائب والمحن ثمَّ يَجْبُره بالعافية والنعمة= انفتحَ له بابٌ عظيمٌ من أبواب معرفته ومحبته (^٣)، وعَلِمَ أنه أرحمُ
_________________
(١) (ح): "هبوطهما جميعا".
(٢) (ق): "وأحبابه وأهل طاعته".
(٣) انظر هذا المعنى الجليل في "زاد المعاد" (٣/ ٢٢١، ٤٧٧)، و"الوابل الصيب" (٩، ١٠)، و"مدارج السالكين" (١/ ١٨٧، ٢٩٩)، و"إغاثة اللهفان" (٢/ ١٨٩)، و"حادي الأرواح" (٧٦٥)، وسيأتي مبسوطًا (ص: ٨٨، ٨١٩، ٨٢٢).
[ ١ / ٦٥ ]
بعباده من الوالدة بولدها، وأن ذلك الكسرَ هو نفسُ رحمته به وبرِّه ولطفه، وهو أعلمُ بمصلحة عبده منه، ولكنَّ العبدَ لضعف بصيرته ومعرفته بأسماء ربه وصفاته لا يكادُ يشعرُ بذلك، ولا يُنالُ رضا المحبوب وقربُه والابتهاجُ والفرحُ بالدُّنوِّ منه والزلفى لديه إلا على جسرٍ من الذُّل والمسكنة، وعلى هذا قام أمرُ المحبة، فلا سبيل إلى الوصول إلى المحبوب إلا بذلك، كما قيل (^١):
تَذلَّلْ لمن تَهْوى لِتَحْظى بِقُرْبِه فكم عِزَّةٍ قد نالها العبدُ بالذُّلِّ
إذا كان من تهوى عزيزًا ولم تكن ذليلًا له فاقْرَ السَّلامَ على الوَصْل
وقال آخر:
اخْضَعْ وذِلَّ لمن تحبُّ فليس في شرعِ الهوى أنفٌ يُشَالُ ويُعْقَدُ (^٢)
وقال آخر:
وما فَرِحَتْ بالوصل نفسٌ عزيزةٌ وما العِزُّ إلا ذُلُّها وانكسارُها (^٣)
قالوا: وإذا عُلم أنَّ إبليس أُهبِط من دار العزِّ عقبَ امتناعه وإبائه من
_________________
(١) البيتان للحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، من شيوخ البخاري، وله ديوان شعر (ت: ٢٦٠) في "معجم أصحاب الصدفي" (٨٤). والأول لعليَّة بنت المهدي في أشعار أولاد الخلفاء من "الأوراق" للصولي (٧٥)، ودون نسبة في "المذاكرة في ألقاب الشعراء" (١٦٨)، و"الواضح المبين" (١٠٥).
(٢) قاله أبو تراب هبة الله بن السريجي، على البديهة، في "بدائع البدائه" (٩).
(٣) يشبه نظم المصنف، ولم يذكره في الفصل الذي عقده لهذا المعنى في "روضة المحبين" (٣٢٨). وانظر: "طريق الهجرتين" (١٠٩).
[ ١ / ٦٦ ]
السجود لآدم، ثبتَ أنَّ وسوستَه له ولزوجه كانت في غير المحلِّ الذي أُهبِط منه، والله أعلم.
قالوا: وأما قولُكم: "إن الجنة إنما جاءت معرَّفةً باللام، وهي تنصرفُ إلى الجنة التي لا يعهدُ بنو آدم سواها"؛ فلا ريب أنها جاءت كذلك، ولكنَّ العهدَ وقع في خطاب الله تعالى آدمَ لسكناها بقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، فهي كانت معهودةً عند آدم، ثم أخبَرنا سبحانه عنها معرِّفًا لها بلام التعريف، فانصرف المعرّفُ بها (^١) إلى تلك الجنة المعهودة في الذِّهن، وهي التي سكنها آدمُ ثمَّ أُخرِج (^٢)، فمن أين في هذا ما يدلُّ على محلِّها وموضعها بنفيٍ أو إثبات؟!
وأما مجيءُ جنة الخُلد معرَّفةً باللام؛ فلأنها الجنةُ التي أخبَرت بها الرسلُ لأممهم، ووَعَدَها الرحمنُ عبادَه بالغيب، فحيث ذُكِرت انصرف الذِّهنُ إليها دون غيرها؛ لأنها قد صارت معلومةً في القلوب مستقرةً فيها، ولا ينصرفُ الذِّهنُ إلى غيرها، ولا يتوجَّه الخطابُ إلى سواها.
وقد جاءت الجنةُ في القرآن معرَّفةً باللام، والمرادُ بها بستانٌ في بقعة من الأرض؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: ١٧]، فهذا لا ينصرفُ الذِّهنُ فيها لا إلى جنة الخُلد ولا إلى جنة آدم بحال.
قالوا: وأما قولُكم: إنه قد اتفق أهلُ السنة والجماعة على أنَّ الجنةَ
_________________
(١) (ح): "المعروف بها". (ق): "المعرف لها".
(٢) (ن): "أخرج منها".
[ ١ / ٦٧ ]
والنار مخلوقتان، وأنه لم ينازع في ذلك إلا بعضُ أهل البدع والضلال، واستدلالُكم على وجود الجنة الآن= فحقٌّ لا ننازعُكم فيه، وعندنا من الأدلَّة على وجودها أضعافُ ما ذكرتم، ولكن أيُّ تلازمٍ بين أن تكون جنةُ الخُلد مخلوقةً وبين أن تكون هي جنة آدم بعينها؟!
فكأنكم تزعمون أنَّ كلَّ من قال: إنَّ جنةَ آدم هي جنةٌ في الأرض، فلا بدَّ له أن يقول: إنَّ الجنةَ والنار لم يُخْلَقا بعد. وهذا غلطٌ منكم، منشؤه من توهُّمكم أنَّ كلَّ من قال بأنَّ الجنة لم تُخْلَق بعد فإنه يقول: إنَّ جنةَ آدم هي في الأرض، وكذلك بالعكس، أنَّ كلَّ من قال: إنَّ جنة آدم في الأرض فيقول: إنَّ الجنة لم تُخْلَق بعد (^١).
فأما الأولُ فلا ريب فيه، وأما الثاني فوهمٌ، لا تلازم بينهما، لا في المذهب ولا في الدليل بحال؛ فأنتم نَصَبتم دليلَكم مع طائفةٍ نحن وأنتم متفقون على إنكار قولهم وردِّه وإبطاله، ولكن لا يلزمُ من هذا بطلانُ هذا القول الثالث. وهذا واضح.
قالوا: وأمَّا قولُكم: إنَّ جميع ما نفاه الله سبحانه عن الجنة من اللَّغو والكذب وسائر الآفات التي وُجِدَ بعضُها من إبليس عدوِّ الله، فهذا إنما يكونُ بعد القيامة إذا دخلها المؤمنون، كما يدلُّ عليه السِّياق.
فجوابه من وجهين:
أحدهما: أنَّ ظاهر الخبر يقتضي نفيه مطلقًا؛ لقوله تعالى (^٢): ﴿لَا لَغْوٌ
_________________
(١) "بعد" ليست في (ح، ن).
(٢) (ق): "كقوله تعالى". في الموضعين.
[ ١ / ٦٨ ]
فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾ [الغاشية: ١١]، فهذا نفيٌ عامٌّ لا يجوزُ تخصيصُه إلا بمخصِّصٍ بيِّن، والله سبحانه قد حكم بأنها دارُ الخُلد حكمًا مطلقًا، فلا يدخلُها إلا خالدٌ فيها، فتخصيصُكم هذه التسمية بما بعد القيامة خلافُ الظَّاهر.
الثاني: أنَّ ما ذكرتُم إنما يصارُ إليه إذا قام الدليلُ السالمُ عن المُعارِض المقاوِم أنها جنةُ الخُلد بعينها، وحينئذٍ يتعيَّن المصيرُ إلى ما ذكرتم. فأما إذا لم يَقُم دليلٌ سالمٌ على ذلك، ولم تُجْمِع الأمَّةُ عليه، فلا يسوغُ مخالفةُ ما دلَّت عليه النصوص البيِّنة (^١) بغير مُوجِب، والله أعلم.
قالوا: ومما يدلُّ على أنها ليست جنةَ الخُلد التي وُعِدَها المتَّقون أنَّ الله سبحانه لما خلق آدم أعلَمه أنَّ لِعُمْرِه أجلًا ينتهي إليه، وأنه لم يخلقه للبقاء.
ويدلُّ على هذا ما رواه الترمذيُّ في "جامعه" (^٢) قال: حدثنا محمد بن بشَّار، قال: حدثنا صفوان بن عيسى: حدثنا الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذُباب، عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة ﵁
_________________
(١) (ت): "المبينة".
(٢) (٣٣٦٨)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٢١٨)، وغيرهما. وصححه ابن حبان (٦١٦٧)، وأخرجه شيخه ابن خزيمة في "التوحيد" (١/ ١٦٠) ولم يُعِلَّه، وصححه الحاكم (١/ ٦٤) ولم يتعقبه الذهبي. وانظر: "علل الدارقطني" (٨/ ١٤٧). والأشبه أنه خطأ، والصواب: عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد الله بن سلام موقوفًا. وإلى ذلك ذهب النسائي وأحمد في "العلل" (٣/ ٣٧٢) رواية عبد الله. إلا أن موضع الشاهد مرويٌّ من وجوه أخرى، كما سيأتي.
[ ١ / ٦٩ ]
قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لما خلقَ اللهُ آدمَ ونفخَ فيه الروحَ عَطَس، فقال: الحمد لله، [فحمد الله] (^١) بإذنه، فقال له ربُّه: يرحمُك الله يا آدم، اذهب إلى أولئك الملائكة، إلى ملإٍ منهم جلوس، فقل: السلام عليكم. فقالوا: وعليك السلام. ثم رجع إلى ربِّه، فقال: إنَّ هذه تحيَّتك وتحيَّةُ بنيك بينهم.
فقال الله له ــ ويداه مقبوضتان ــ: اختر أيتهما شئت. فقال: اخترتُ يمين ربِّي ــ وكلتا يدي ربي يمينٌ مباركة ــ، ثم بسَطها، فإذا فيها آدمُ وذريته، قال: أي ربِّ، ما هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فإذا كلُّ إنسانٍ مكتوبٌ عمره بين عينيه، فإذا رجلٌ أضوؤهم ــ أو: مِن أضوئهم ــ، قال: يا ربِّ، من هذا؟ قال: هذا ابنك داود، وقد كتبتُ له عمر أربعين سنة. قال: يا ربِّ، زِدْ في عمره. قال: ذاك الذي كتبتُ له. قال: أي ربِّ، فإني قد جعلتُ له من عمري ستِّين سنة. قال: أنت وذاك.
قال: ثم أُسْكِنَ الجنةَ ما شاء الله، ثمَّ أُهبِط منها، وكان آدمُ يَعُدُّ لنفسه، فأتاه ملكُ الموت، فقال له آدم: قد عجلتَ، أليس قد كُتِبَت لي ألفُ سنة؟! قال: بلى، ولكنك جعلتَ لابنك داود ستِّين سنة. فجَحَدَ فجحدَت ذريتُه، ونسي فنسيَت ذريتُه.
قال: فمِن يومئذٍ أُمِرَ بالكتاب والشهود".
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجه، ورُوِي من غير وجهٍ عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - (^٢).
_________________
(١) ساقطة من الأصول. واستدركتها من "جامع الترمذي". وهي لازمة.
(٢) من أحسنها ما أخرجه الترمذي (٣٠٧٦)، وابن سعد في "الطبقات" (١/ ٢٧) وغيرهما من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁. وصححه الترمذي، والحاكم (٢/ ٣٢٥) ولم يتعقبه الذهبي.
[ ١ / ٧٠ ]
قالوا: فهذا صريحٌ في أنَّ آدم لم يكن مخلوقًا في دار الخُلد التي لا يموتُ من دخلها، وإنما خُلِقَ في دار الفناء التي جعل اللهُ لها ولأهلها أجلًا معلومًا، وفيها أُسْكِن.
فإن قيل: فإذا كان آدمُ قد عَلِمَ أنَّ له عمرًا ينتهي إليه، وأنه ليس من الخالدين، فكيف لم يكذِّب إبليسَ ويعلَم بطلانَ قوله حيثُ قال له: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، بل جوَّز ذلك وأكلَ من الشجرة طمعًا في الخُلد؟!
فالجوابُ (^١) ما تقدَّم من الوجهين: إمَّا أن يكون المرادُ بالخُلد المُكثَ الطَّويل، لا أبدَ الأبد (^٢)، أو يكون عدوُّه إبليسُ لما قاسَمه وزوجَه وغرَّهما وأطمَعهما بدوامهما في الجنة نسي ما قُدِّرَ له من عمره.
قالوا: والمعوَّلُ عليه في ذلك قولُه تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وهذا الخليفةُ هو آدمُ باتفاق الناس، ولما عَجِبَت الملائكةُ من ذلك وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ عرَّفهم سبحانه أنَّ هذا الخليفةَ الذي هو جاعلُه في الأرض ليس حالُه كما توهَّمتم من الفساد، بل أعلِّمه من علمي ما لا تعلمونه، فأَظْهَرَ فضلَه وشرفَه بأنْ علَّمه الأسماء كلَّها، ثمَّ عرضهم على
_________________
(١) (ت): "فالمختار".
(٢) (ح): "الآباد".
[ ١ / ٧١ ]
الملائكة، فلم يعرفوها وقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.
وهذا يدلُّ على أن هذا الخليفة الذي سبق به إخبارُ الربِّ تعالى لملائكته، وأظهرَ تعالى فضلَه وشرفَه وعِلْمه بما لم تعلمه الملائكة، هو خليفةٌ مجعولٌ في الأرض لا فوق السماء.
فإن قيل: قولُه تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ إنما هو بمعنى: سأجعلُه في الأرض، فهي مآلُه ومصيره. وهذا لا ينافي أن يكون في جنة الخُلد فوق السَّماء أوَّلًا، ثم يصير إلى الأرض للخلافة التي جعلها الله له. واسمُ الفاعل هنا بمعنى الاستقبال، ولهذا انتصبَ عنه المفعول.
فالجواب: أنَّ الله سبحانه أعلمَ ملائكتَه بأنه يخلقُه لخلافة الأرض، لا لسكنى جنة الخلود، وخبرُه الصِّدق، وقولُه الحقُّ، وقد علمَت الملائكةُ أنه هو آدم، فلو كان قد أسكنه دارَ الخلود فوق السماء لم يَظهر للملائكة وقوعُ المُخْبَر، ولم يحتاجوا إلى أن يبيِّن لهم فضلَه وشرفَه وعِلمَه المتضمِّن ردَّ قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾؛ فإنهم إنما سألوا هذا السؤال في حقِّ الخليفة المجعول في الأرض، فأما من هو في دار الخُلد فوق السماء فلم تتوهَّم الملائكةُ منه سفكَ الدِّماء والفسادَ في الأرض، ولا كان إظهارُ فضله وشرفه وعلمه (^١) ــ وهو فوق السماء ــ برادٍّ لقولهم وجوابًا لسؤالهم، بل الذي يحصلُ به جوابهم وضدُّ ما توهَّموه إظهارُ تلك الفضائل
_________________
(١) في (ح، ن) هنا زيادة: "ظاهر في أنه في أول الأمر جعله خليفة في الأرض". وستأتي في موضعها الصحيح بعد قليل.
[ ١ / ٧٢ ]
والعلوم منه وهو في محلِّ خلافته التي خُلِقَ لها وتوهَّمت الملائكة أنه لا يحصلُ منه هناك إلا ضدُّها من الفساد وسفك الدِّماء. وهذا واضحٌ لمن تأمَّله.
وأمَّا اسمُ الفاعل وهو ﴿جَاعِلٌ﴾ وإن كان بمعنى الاستقبال، فلأنَّ هذا إخبارٌ عمَّا سيفعلُه الربُّ تعالى في المستقبل مِنْ جَعْلِه الخليفة في الأرض، وقد (^١) صدقَ وعدَه، ووقع ما أخبر به، وهذا ظاهرٌ في أنه من أوَّل الأمر جعله خليفةً في الأرض.
وأمَّا جعلُه في السماء أوَّلًا ثم جعلُه خليفةً في الأرض ثانيًا، وإن كان مما لا ينافي الاستخلافَ المذكور، فهو مما لا يقتضيه اللفظُ بوجه، بل يقتضي ظاهرُه خلافَه، فلا يصارُ إليه إلا بدليلٍ يُوجِبُ المصيرَ إليه؛ وحوله ندندن.
قالوا: وأيضًا؛ فمن المعلوم الذي لا يخالفُ فيه مسلمٌ أنَّ الله سبحانه خلقَ آدمَ من تراب، وهو ترابُ هذه الأرض بلا ريب.
كما روى الترمذيُّ في "جامعه" (^٢) من حديث عوف، عن قَسَامة بن زهير، عن أبي موسى الأشعريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: "إنَّ الله ﵎ خلقَ آدمَ من قبضةٍ قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض، فجاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك، والسَّهْل والحَزْن، والخبيث والطَّيب". قال الترمذي: "هذا حديثٌ حسنٌ صحيح". وقد رواه الإمام أحمد في "مسنده" من طرقٍ عدَّة.
_________________
(١) (ح، ن): "وبه".
(٢) (٢٩٥٥)، وأبو داود (٤٦٩٣)، وأحمد (٤/ ٤٠٠)، وغيرهم. وصححه ابن حبان (٦١٦٠، ٦١٨١)، والحاكم (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢) ولم يتعقبه الذهبي.
[ ١ / ٧٣ ]
وقد أخبر سبحانه أنه خلقه من تراب، وأخبر أنه خلقه من سُلالةٍ من طين، وأخبر أنه خلقه من صلصالٍ من حَمَأٍ مسنون.
والصَّلصال، قيل فيه: هو الطِّينُ اليابسُ الذي له صلصلةٌ ما لم يُطْبَخ، فإذا طُبِخَ فهو فَخَّار. وقيل فيه: هو المتغيِّر الرائحة، من قولهم: صَلَّ، إذا أنتن.
والحمأ: الطِّينُ الأسود المتغيِّر.
والمَسْنُون، قيل: المصبوب، مِن: سَنَنْت الماء، إذا صببته. وقيل: المُنْتِنُ (^١)، مِن قولهم: سَنَنْت الحَجَر على الحَجَر، إذا حككته، فإذا سال بينهما شيءٌ فهو سَنِينٌ، ولا يكونُ إلا منتنًا.
وهذه كلُّها أطوارٌ للتراب الذي هو مبدؤه الأول (^٢).
كما أخبر عن خلقِ الذرِّية من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة (^٣)، وهذه أحوالُ النطفة التي هي مبدأ الذرِّية.
ولم يُخْبِر سبحانه أنه رفعه من الأرض إلى فوق السموات، لا قبل التَّخليق ولا بعده، وإنما أخبر عن إسجاد الملائكة له، وعن إدخاله الجنة، وما جرى له مع إبليس بعد خلقه، فأخبر سبحانه بالأمور الثلاثة في نَسَقٍ واحد، مرتبطًا بعضُها ببعض.
قالوا: فأين الدليلُ الدَّالُّ على إصعاد مادَّته، وإصعاده بعد خلقه إلى فوق
_________________
(١) مهملة في (د، ق، ت، ن). (ح): «المنتن المسن».
(٢) انظر: «تفصيل النشأتين» للراغب (٧٢).
(٣) (د، ح، ت، ن): «من نطفة ومن علقة ومن مضغة».
[ ١ / ٧٤ ]
السموات؟ هذا مما لا دليلَ لكم عليه أصلًا، ولا هو لازمٌ من لوازم ما أخبر اللهُ به.
قالوا: ومن المعلوم أنَّ ما فوق السموات ليس بمكانٍ للطِّين الأرضي، المتغيِّر الرائحة، الذي قد أنتَن من تغيُّره، وإنما محلُّ هذا الأرض التي هي محلُّ المتغيِّرات والفاسدات (^١)، وأما ما كان فوق الأفلاك فلا يلحقُه تغيُّرٌ ولا نَتَن، ولا فسادٌ ولا استحالة.
قالوا: وهذا أمرٌ لا يرتابُ فيه العقلاء.
قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨]، فأخبَر سبحانه أنَّ هذا العطاءَ في جنة الخُلد غير مقطوع، وما أُعطِيَه آدمُ فقد انقطع؛ فلم تكن تلك جنةَ الخُلد.
قالوا: وأيضًا؛ فلا نزاع في أنَّ الله تعالى خلق آدمَ في الأرض كما تقدَّم، ولم يذكر في قصَّته أنه نقله إلى السماء، ولو كان تعالى قد نقله إلى السماء لكان هذا أولى بالذِّكر؛ لأنه من أعظم أنواع النعم عليه، وأكبر (^٢) أسباب تفضيله وتشريفه، وأبلغُ في بيان آيات قدرته وربوبيته وحكمته، وأبلغُ في بيان المقصود من عاقبة المعصية، وهو الإهباطُ من السماء التي نُقِلَ إليها، كما ذكر ذلك في حقِّ إبليس.
فحيثُ لم يجئ في القرآن ولا في السنة حرفٌ واحدٌ أنه نقله إلى السَّماء
_________________
(١) (ت) «والفسادات».
(٢) (ح، ن): «وأكثر».
[ ١ / ٧٥ ]
ورفعه إليها بعد خلقه في الأرض، عُلِمَ أنَّ الجنةَ التي أُدخِلَها لم تكن هي جنة الخُلد التي فوق السماوات.
قالوا: وأيضًا؛ فإنه سبحانه أخبر في كتابه أنه لم يخلق عبادَه عبثًا ولا سدًى، وأنكر على من زعم ذلك؛ فدلَّ على أنَّ هذا منافٍ للحكمة (^١)، ولو كانت جنةُ آدم هي جنةَ الخُلد لكانوا قد خُلِقوا في دارٍ لا يُؤمرون فيها ولا يُنْهَون، وهذا باطلٌ بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: ٣٦]، قال الشافعيُّ وغيره: معطَّلًا لا يؤمرُ ولا يُنهى (^٢)، وقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥]، فهو تعالى لم يخلقهم عبثًا، ولا تركهم سدًى، وجنةُ الخُلد لا تكليف فيها.
قالوا: وأيضًا؛ فإنه خلقها جزاءً للعاملين، بقوله تعالى: ﴿نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [العنكبوت: ٥٨]، وجزاءً للمتقين، بقوله: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠]، ودارَ الثواب، بقوله: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، فلم يكن لِيُسْكِنَها إلا مَن خلقَها لهم من العاملين، ومن المتقين، ومَن تَبِعَهم من ذرِّياتهم، وغيرهم من الحُور والولدان.
وبالجملة؛ فحكمتُه تعالى اقتضت أنها لا تُنالُ إلا بعد الابتلاء والامتحان، والصَّبر والجهاد، وأنواع الطَّاعات، وإذا كان هذا مقتضى حكمته فإنه سبحانه لا يفعلُ إلا ما هو مطابقٌ لها.
_________________
(١) (ح، ن): «لحكمته».
(٢) انظر: «الرسالة» (٢٥)، و«إبطال الاستحسان» (٩/ ٦٨ - الأم)، و«تفسير الطبري» (٢٤/ ٨٣).
[ ١ / ٧٦ ]
قالوا: فإذا جُمِعَ ما أخبر اللهُ ﷿ به، مِن أنه خلقه من الأرض، وجعله خليفةً في الأرض، وأنَّ إبليسَ وسوسَ له في مكانه الذي أسكنه فيه بعد أن أهبط إبليسَ من السماء، وأنه أخبر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرض خليفة، وأنَّ دارَ الخُلدِ لا لغو فيها ولا تأثيم، وأنَّ من دخلها لا يخرجُ منها أبدًا، وأنَّ من دخلها يَنْعَمُ لا يبأس (^١)، وأنه لا يخافُ ولا يحزن، وأنَّ الله سبحانه حرَّمها على الكافرين، وعدوُّ الله إبليسُ أكفرُ الكافرين، فمحالٌ أن يدخلها أصلًا، لا دخولَ عبورٍ ولا دخولَ قرار، وأنها دارُ نعيم لا دارُ ابتلاء وامتحان، إلى غير ذلك مما ذكرناه من منافاة أوصاف جنة الخُلد للجنة التي أُسْكِنَها آدم.
إذا جُمِعَ ذلك بعضه إلى بعض، ونُظِرَ فيه بعين الإنصاف والتَّجرُّد عن نصرة المقالات، تبيَّن الصَّوابُ من ذلك، والله المستعان.
قال الآخرون (^٢): «بل الجنةُ التي أُسْكِنَها آدمُ عند سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة والجماعة هي جنةُ الخُلد، ومن قال: إنها كانت جنةً في الأرض بأرض الهند، أو بأرض جُدَّة، أو غير ذلك، فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة، أو من إخوانهم المتكلِّمين المبتدعين؛ فإنَّ هذا يقولُه من يقوله من المتفلسفة والمعتزلة، والكتابُ (^٣) يردُّ هذا القول، وسلفُ الأمة وأئمتها متفقونَ على بطلان هذا القول.
_________________
(١) كذا في الأصول. بحذف حرف العطف.
(٢) هذا جواب ابن تيمية في المسألة. انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٣٤٧ - ٣٤٩). وقد صحَّح في «النبوات» (٧٠٥ - ٧١٠) القول بأن جنة آدم لم تكن في السماء، وإنما كانت في مكان عالٍ من الأرض، واحتجَّ له. ولم يتبين لي أيُّ القولين استقر عليه.
(٣) في «الفتاوى»: «والكتاب والسنة».
[ ١ / ٧٧ ]
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤) وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: ٣٤ - ٣٦]؛ فقد أخبَر سبحانه أنه أمرهم بالهبوط، وأنَّ بعضهم لبعض عدوٌّ، ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
وهذا يبيِّن أنهم لم يكونوا في الأرض، وإنما أُهبِطُوا إلى الأرض، فإنهم لو كانوا في الأرض وانتقلوا منها إلى أرضٍ أخرى، كما انتقل قومُ موسى من أرضٍ إلى أرض، كان مستقرُّهم ومتاعُهم إلى حينٍ في الأرض قبل الهبوط، كما هو بعده. وهذا باطل».
قالوا: «وقد قال تعالى في سورة الأعراف لما قال إبليس: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾؛ فقولُه: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ يبيِّن اختصاصَ الجنة التي في السماء بهذا الحكم، بخلاف جنة الأرض، فإنَّ إبليس كان غير ممنوعٍ من التكبُّر فيها.
والضميرُ في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ عائدٌ إلى معلوم، وإن كان غير مذكورٍ في اللفظ؛ لأنَّ العلمَ به أغنى عن ذِكْره».
قالوا: «وهذا بخلاف قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ [البقرة: ٦١]؛ فإنه لم يذكر هنا (^١) ما أُهبِطوا منه، وإنما ذكر ما أُهبِطوا إليه،
_________________
(١) في «الفتاوى»: «هناك».
[ ١ / ٧٨ ]
بخلاف إهباط إبليس، فإنه ذكر مبدأ هبوطه وهو الجنة، والهبوط يكونُ من عُلْوٍ إلى سُفْل، وبنو إسرائيل كانوا بجبال الشَّراة (^١)
المُشْرِفة على المِصر
_________________
(١) (د، ق، ت): «السراة» بالمهملة. و«السراة»: جبالٌ متصلةٌ من أقصى اليمن إلى الشام، كما يقول الهمداني في «صفة جزيرة العرب» (٩٩). وانظر: «الروض المعطار» (٨٢١)، و«معجم البلدان» (٣/ ٢٠٥). والمراد هنا أطرافها من جهة الشام، حيث كان بنو إسرائيل. قال المقريزي: «وقد ذُكر أن موسى ﵇ سار ببني إسرائيل بعد موت أخيه هارون إلى أرض أولاد العيص، وهي التي تعرف بجبال الشراة (في المطبوعة بالمهملة) جنب بلد الشوبك». والشوبك تقع جنوب الأردن، شمال غرب معان. انظر: «المواعظ والاعتبار» (١/ ١٨٦)، و«جمهرة أنساب العرب» لابن حزم (٥١١). وقد اصطُلِح على جعل ما كان من جبال السراة في جنوب الجزيرة بالمهملة، وما كان في شمالها بالمعجمة، وتُذكَر مواضع منها في بعض المصادر في مواد مختلفة بالمعجمة وبالمهملة، لتقارب ما بين الحرفين، وكلها أجزاء من تلك الجبال الممتدة، وذكرها من صنَّف فيما اتفق لفظه وافترق مسماه من الأماكن، كالحازمي وغيره. وهاهنا مذهبٌ آخر غريبُ المنزع في موضع سكنى بني إسرائيل، افترعه الدكتور كمال صليبي (وهو مؤرخٌ ماروني) بكتابه «التوراة جاءت من جزيرة العرب» الذي أحدث صخبًا كبيرًا في الأوساط العلمية (ولم تقبل الكثير من دور النشر الأجنبية إصدار الأصل الألماني منه أو ترجمته الإنجليزية)، ذهب فيه إلى أن البيئة التاريخية للتوراة وأحداثها لم تكن في فلسطين، بل في غرب الجزيرة العربية بمحاذاة البحر الأحمر، في بلاد السراة بين الطائف ومشارف اليمن، واعتمد على المقابلة اللغوية بين أسماء الأماكن المضبوطة في التوراة بالحرف العبري وأسماء أماكن تاريخية أو حالية في جنوب الحجاز أو بلاد عسير. وتابعه زياد منى في كتابه «جغرافية التوراة». وردَّ عليه علامة الجزيرة حمد الجاسر وغيره. وانظر: مذكرات كمال صليبي «طائر على سنديانة»، و«مجلة مجمع اللغة العربية» بالقاهرة (العدد: ٩٩). وتحرفت العبارة في «الفتاوى» إلى: «حيال السراة».
[ ١ / ٧٩ ]
الذي يهبطونَ إليه، ومَن هبط من جبلٍ إلى وادٍ قيل له: اهبط (^١)».
قالوا: «وأيضًا، فبنو إسرائيل كانوا يسيرون ويرحلون، والذي يسيرُ ويرحل إذا جاء بلدةً يقال: نزَل فيها؛ لأنَّ مِن عادته أن يركبَ في مسيره، فإذا وصلَ نزل عن دوابِّه.
ويقال: نزل العدوُّ بأرض كذا، ونزل القَفَلُ (^٢)، ونحوه.
ولفظُ النزول كلفظ الهبوط، فلا يستعملُ «نزَل» و«هبَط» إلا إذا كان من عُلْوٍ إلى سُفْل.
وقال تعالى عقب قوله: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾؛ فهذا دليلٌ على أنهم لم يكونوا قبل ذلك في مكانٍ فيه يحيَون وفيه يموتون ومنه يُخْرَجون، وإنما صاروا إليه بعد الإهباط؛ فلو كانوا في الأرض أولًا لكانوا في مكانٍ فيه يحيَون، وفيه يموتون، ومنه يُخْرَجون (^٣)، والقرآنُ صريحٌ في أنهم إنما صاروا إليه بعد الإهباط».
قالوا: «ولو لم يكن في هذا إلا قصةُ آدم وموسى لكانت كافية (^٤)؛ فإنَّ موسى ﵇ إنما لام آدم ﵇ لِمَا حصل له ولذريَّته بالخروج
_________________
(١) (ن): «هبط».
(٢) القُفول: الرجوع من السفر. ورجلٌ قافلٌ من قومٍ قُفَّال. والقَفَلُ اسم الجمع. «اللسان» (قفل).
(٣) من قوله: «وإنما صاروا » إلى هنا ساقط من (ق، ح)، لانتقال النظر.
(٤) أخرجها البخاري (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢) من حديث أبي هريرة.
[ ١ / ٨٠ ]
من الجنة من النَّكدِ والمشقَّة، فلو كانت بستانًا في الأرض لكان غيرُه من بساتين الأرض يُعَوِّضُ عنه، وموسى أعظمُ قدرًا من أن يلومه على أن أخرج نفسه وذريته من بستانٍ في الأرض».
قالوا: «وكذلك قولُ آدم يوم القيامة لمَّا يرغبُ إليه الناسُ أن يستفتحَ لهم باب الجنة، فيقول: «وهل أخرجكم منها إلا خطيئةُ أبيكم؟»؛ فإنَّ ظهورَ هذا في كونها جنةَ الخُلد، وأنه اعتَذر لهم بأنه لا يَحْسُنُ منه أن يستفتحها وقد أُخرِجَ منها بخطيئته، مِن أظهر الأدلَّة».
قال الأولون: أما قولكم: «إنَّ من قال: إنها جنةٌ في الأرض، فهو من المتفلسفة والملحدين والمعتزلة، أو من إخوانهم»، فقد أوجدناكم (^١) من قال بهذا، وليس من أحدٍ من هؤلاء.
ومشاركةُ أهل الباطل للمُحِقِّ في المسألة لا يدلُّ على بطلانها، ولا تكونُ إضافتها لهم (^٢) موجبةً لبطلانها ما لم يَخْتَصَّ بها (^٣).
فإن أردتم أنه لم يقل بذلك إلا هؤلاء، فليس كذلك، وإن أردتم أنَّ هؤلاء من جملة القائلين بهذا، لم يُفِدْكم شيئًا.
قالوا: وأمَّا قولكم: «وسلفُ الأمة وأئمتُها متفقون على بطلان هذا القول»، فنحن نطالبكم بنقلٍ صحيح عن واحدٍ من الصحابة ومن بعدهم من أئمة السلف، فضلًا عن اتفاقهم.
_________________
(١) (ت): «أخبرناكم».
(٢) (ق، ت): «إليهم».
(٣) أي: أهل الباطل.
[ ١ / ٨١ ]
قالوا: ولا يوجدُ عن صاحبٍ ولا تابعٍ ولا تابعِ تابعٍ (^١) خبرٌ يصحُّ موصولًا ولا شاذًّا ولا مشهورًا أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: إنَّ الله تعالى أسكن آدم جنةَ الخُلد التي هي دارُ المتقين يوم المعاد.
قالوا: وهذا القاضي منذرُ بن سعيد قد حكى عن غير واحدٍ من السلف أنها ليست جنةَ الخُلد، فقال: ونحن نُوجِدُكم أنَّ أبا حنيفة فقيهَ العراق ومن قال بقوله قد قالوا: إنَّ جنةَ آدم التي خلقها الله ليست جنةَ الخُلد، وليسوا عند أحدٍ من العالمين (^٢) من الشاذِّين، بل من رؤساء المخالفين، وهذه الدَّواوينُ مشحونةٌ من علومهم.
وقد ذكرنا قول ابن عيينة.
وقد ذكر ابن مُزَيْن (^٣) في «تفسيره» قال: «سألتُ ابن نافع (^٤) عن
_________________
(١) (د، ق، ح، ت): «تابع التابع».
(٢) (ح، ت، ن): «العلماء».
(٣) يحيى بن إبراهيم بن مزين، الفقيه، الطليطلي الأندلسي (ت: ٢٦٠)، كان حافظًا لموطأ الإمام مالك، فقيهًا فيه، وصنَّف عليه كتبًا، منها: «تفسير الموطأ»، وهو المراد هنا، والنقل عنه كثيرٌ في كتب المالكية، تارةً بإفراد لفظة «التفسير»، وتارةً بإضافتها إلى «الموطأ». وسيأتي النقل من كتابه (ص: ٣٨٩). ولا أدري أوقف عليها المصنف أم نقل عنها بواسطة؟ وإن كان النقل الذي هنا يشبه أن يكون عن المنذر بن سعيد. ترجمته في: «تاريخ علماء الأندلس» (٢/ ١٨١)، و«ترتيب المدارك» (٤/ ٢٣٨)، وغيرهما.
(٤) عبد الله بن نافع الزبيري، الفقيه، صاحب مالك (ت: ٢١٦). ترجمته في: «ترتيب المدارك» (٣/ ١٤٥)، و«السير» (١٠/ ٣٧٤). ويبعد أن يكون المقصود عبد الله بن نافع الصائغ؛ فإنَّ ابن مزين يصغُر عن لقائه. وكثيرًا ما تختلط رواية الاثنين عند الفقهاء، كما يقول القاضي عياض في مقدمة «ترتيب المدارك» (١/ ١٧).
[ ١ / ٨٢ ]
الجنة: أمخلوقة؟ فقال: السُّكوت عن هذا أفضل».
قالوا: فلو كان عند ابن نافعٍ أنَّ الجنةَ التي أُسْكِنها آدمُ هي جنةُ الخُلد لم يشكَّ أنها مخلوقة، ولم يتوقَّف في ذلك.
وقال ابن قتيبة في كتابه «غريب القرآن» (^١) في قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾: «قال ابنُ عباس ﵄ في رواية أبي صالح: هو كما يقال: هَبَط فلان أرضَ كذا وكذا». ولم يذكر في كتابه غيرَه.
فأين إجماعُ سلف الأمة وأئمَّتها؟!
قالوا: وأما احتجاجُكم بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ عقب قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾؛ فهذا لا يدلُّ على أنهم كانوا في جنة الخُلد؛ فإنَّ أحدَ الأقوال في المسألة أنها كانت جنةً في السماء غيرَ جنة الخُلد، كما حكاه الماورديُّ في «تفسيره»، وقد تقدم.
وأيضًا؛ فإنَّ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ يدلُّ على أنَّ لهم مستقرًّا إلى حينٍ في الأرض المنقطعة عن الجنة ولا بد؛ فإنَّ الجنةَ أيضًا لها أرض، قال الله تعالى عن أهل الجنة: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، فدلَّ على أنَّ قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أنَّ المراد به الأرض الخالية من تلك
_________________
(١) (٤٦).
[ ١ / ٨٣ ]
الجنة، لا كلُّ ما يسمَّى أرضًا. وكان مستقرُّهم الأولُ في أرض الجنة، ثم صاروا في أرض الابتلاء والامتحان، ثم يصيرُ مستقرُّ المؤمنين يوم الجزاء أرضَ الجنة أيضًا؛ فلا تدلُّ الآيةُ على أنَّ جنةَ آدم هي جنةُ الخُلد.
قالوا: وهذا هو الجوابُ بعينه عن استدلالكم بقوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾؛ فإنَّ المرادَ به الأرض التي أُهبِطُوا إليها وجُعِلَت مسكنًا لهم بدلَ الجنة، وهذا تفسيرُ المستقَرِّ المذكور في «البقرة» مع تضمُّنه ذِكْرَ (^١) الإخراج منها.
قالوا: وأما قولُه تعالى لإبليس: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، وقولُكم: إنَّ هذا إنما هو في الجنة التي في السماء، وإلا فجنةُ الأرض لم يُمْنَع إبليسُ من التكبُّر فيها= فهو دليلٌ لنا في المسألة؛ فإنَّ جنةَ الخُلد لا سبيل لإبليس إلى دخولها والتكبُّر فيها أصلًا، وقد أخبر تعالى أنه وسوسَ لآدمَ وزوجه، وكَذَبهما، وغرَّهما، وخانهما، وتكبَّر عليهما، وحسدهما، وهما حينئذٍ في الجنة، فدلَّ على أنها لم تكن جنةَ الخُلد، ومحالٌ أن يصعدَ إليها بعد إهباطه وإخراجه منها.
قالوا: والضمير في قوله: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا﴾ إمَّا أن يكون عائدًا إلى السماء، كما هو أحدُ القولين، وعلى هذا فيكونُ سبحانه قد أهبطه من السماء عقب امتناعه من السجود، وأخبر أنه ليس له أن يتكبَّر فيها، ثمَّ تكبَّر وكذب وخان في الجنة؛ فدلَّ على أنها ليست في السماء.
أو يكونَ عائدًا إلى الجنة، على القول الآخر، ولا يلزمُ من هذا القول أن
_________________
(١) (ت): «ذلك».
[ ١ / ٨٤ ]
تكونَ الجنةُ التي كاد فيها آدمَ وغرَّه وقاسَمه كاذبًا هي تلك التي أُهبِط منها، بل القرآنُ يدلُّ على أنها غيرها، كما ذكرناه.
فعلى التقديرين، لا تدلُّ الآيةُ على أنَّ الجنةَ التي جرى لآدمَ مع إبليس ما جرى فيها هي جنةُ الخُلد.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ بني إسرائيل كانوا بجبال الشَّراة المُشْرِفَة على الأرض التي يهبطون إليها، وهم كانوا يسيرون ويرحلون، فلذلك قيل لهم: ﴿اهْبِطُوا﴾ = فهذا حقٌّ لا ننازعكم فيه، وهو بعينه جوابٌ لنا؛ فإنَّ الهبوطَ يدلُّ على أنَّ تلك الجنةَ كانت أعلى من الأرض التي أُهبِطُوا إليها، وأمَّا كونُها جنةَ الخُلد فلا.
قالوا: والفرقُ بين قوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ وقوله: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ بأنَّ الأول متضمِّنٌ لنهاية الهبوط وغايته، و﴿اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ متضمِّنٌ لمبدئه وأوله= لا تأثير له فيما نحن فيه؛ فإنَّ «هبَط من كذا إلى كذا» يتضمنُ معنى الانتقال من مكانٍ عالٍ إلى مكانٍ سافل، فأيُّ تأثيرٍ لابتداء الغاية ونهايتها في تعيين محلِّ الهبوط بأنه جنةُ الخُلد؟!
قالوا: وأمَّا قصةُ موسى ولَوْمِه لآدم على إخراجه من الجنة، فلا يدلُّ على أنها جنةُ الخُلد.
وقولُكم: «لا يُظَنُّ بموسى أنه يلومُ آدمَ على إخراجه نفسَه وذريتَه من بستانٍ في الأرض» تشنيعٌ لا يفيد شيئًا؛ أفترى كان ذلك بستانًا مثل آحاد هذه البساتين المقطوعة الممنوعة، التي هي عُرْضةُ الآفات، والتعب والنَّصَب، والظَّمأ والضُّحِيِّ (^١)، والسَّقي والتلقيح، وسائر وجوه النَّصَب الذي يلحقُ
_________________
(١) ضحا الرجلُ، يَضْحَى، ضُحِيًّا: إذا أصابه حرُّ الشمس. «اللسان» (ضحا).
[ ١ / ٨٥ ]
هذه البساتين؟!
ولا ريب أنَّ موسى ﵊ أعلمُ وأجلُّ من أن يلوم آدم على خروجه وإخراج بنيه من بستانٍ هذا شأنه، ولكنْ من قال بهذا؟!
وإنما كانت جنةً لا تلحقُها آفة، ولا تنقطعُ ثمارُها، ولا تغورُ أنهارُها، ولا يجوعُ ساكنُها ولا يظمى، ولا يضحى للشمس ولا يعرى، ولا يمسُّه فيها التعبُ والنصبُ والشقاء، ومثلُ هذه الجنة يَحْسُنُ لومُ الإنسان على التسبُّب في خروجه منها.
قالوا: وأما اعتذارُ آدم - ﷺ - يوم القيامة لأهل الموقف بأنَّ خطيئتَه هي التي أخرجتهم (^١) من الجنة، فلا يَحْسُنُ أن يستفتحَها لهم؛ فهذا لا يستلزمُ أن تكونَ هي بعينها التي أُخرِجَ منها، بل إذا كانت غيرَها كان أبلغَ في الاعتذار؛ فإنه إذا كان الخروجُ من غير جنة الخُلد حصل بسبب الخطيئة، فكيف يليقُ استفتاحُ جنة الخُلد والشفاعةُ فيها وقد خَرَج من غيرها بخطيئة؟!
فهذا موقفُ نظر الفريقين، ونهايةُ أقدام الطائفتين، فمن كان عنده (^٢) فضلُ علمٍ في هذه المسألة فَلْيَجُدْ به، فهذا وقتُ الحاجة إليه، ومن عَلِمَ منتهى خطوته، ومقدار بضاعته، فَلْيكِل الأمرَ إلى عالمه، ولا يرضى لنفسه بالتنقُّصِ (^٣) والإزراء عليه، وليكن من أهل التُّلول الذين هم نَظَّارةُ الحرب،
_________________
(١) كذا في الأصول. وفي (ط): «أخرجته».
(٢) (ق): «له».
(٣) (ق): «بالتنقيص». وفي (ت): «بالنقيص والإزارء بالنقص عليه».
[ ١ / ٨٦ ]