إذا لم يكن من أهل الكرِّ والفرِّ والطَّعن والضَّرب، فقد تلاقت الفحول، وتطاعنت الأقران، وضاق بهم المجالُ في حلبة هذا الميدان.
إذا تلاقى الفحولُ في لَجَبٍ فكيف حالُ البعوض في الوَسَطِ (^١)
فهذه معاقدُ حجج الطائفتين مُجْتازةٌ ببابك، وإليك تُساق، وهذه بضائعُ تجَّار العلماء ينادى عليها في سوق الكساد، لا في سوق النَّفاق، فمن لم يكن لديه شيءٌ من أسباب البيان والتبصرة، فلا يَعْدَم مَنْ قد استفرغ وُسْعَه وبذل جهدَه منه التصويبَ أو المعذرة، ولا يرضى لنفسه بشرِّ الخُطَّتين، وأبخس الحظَّين: جهلِ الحقِّ وأسبابه، ومعاداةِ أهله وطُلَّابه.
وإذا عَظُمَ المطلوب، وأعْوَزَكَ الرفيقُ الناصحُ العليم، فترحَّل (^٢) بهمَّتك من بين الأموات، وعليك بمعلِّم إبراهيم؛ فقد ذكرنا في هذه المسألة من النقول والأدلَّة والنُّكت البديعة ما لعلَّه لا يوجدُ في شيءٍ من كتب المصنِّفين، ولا يعرفُ قدرَه إلا من كان من الفضلاء المُنْصِفين.
ومن الله سبحانه الاستمداد، وعليه التوكُّل وإليه الاستناد، فإنه لا يخيبُ من توكَّل عليه، ولا يضيعُ من لاذَ به وفوَّض أمرَه إليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
فصل
ولمَّا أهبط الله آدمَ من الجنة، وعرَّضه وذريتَه لأنواع المحن والبلاء؛
_________________
(١) البيت في «الحيوان» (٧/ ٩٠)، و«عيون الأخبار» (٢/ ١٢٨)، و«التمثيل والمحاضرة» (٣٣٣) لبعض المولدين. وفي جميعها: «الفيول وازدحمت».
(٢) (ق، د): «فارحل».
[ ١ / ٨٧ ]
أعطاهم أفضلَ مما منعهم، وهو عهدُه الذي عَهِدَ إليه وإلى بنيه، وأخبر أنه من تمسَّك به منهم صار إلى رضوانه ودار كرامته.
قال تعالى عقب إخراجه منها: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وفي الآية الأخرى قال: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
فلمَّا كَسَرَه سبحانه بإهباطه من الجنة جَبَرَه وذريتَه بهذا العهد الذي عَهِدَه إليهم، فقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾، وهذه هي «إنْ» الشرطية المؤكَّدة بـ «ما» الدالَّة على استغراق الزمان، والمعنى: أيَّ وقتٍ وأيَّ حينٍ أتاكم منِّي هدى.
وجُعِلَ جوابُ هذا الشرط جملةً أخرى شرطية، وهي قولُه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، كما تقول: إنْ زرتني فمن بشَّرني بقدومك فهو حُرٌّ.
وجوابُ الشرط يكونُ جملةً تامَّة:
* إمَّا خبرًا محضًا، كقولك: إن زرتني أكرمتُك، أو خبرًا مقرونًا بالشرط كهذا، أو مؤكَّدًا بالقسم، أو بـ «إنْ» واللام، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١].
[ ١ / ٨٨ ]
* وإمَّا طلبًا، كقول النَّبي - ﷺ -: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله» (^١)، وقوله: «وإذا لَقِيتُموهم فاصبروا» (^٢)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وأكثرُ ما يأتي هذا النوعُ مع «إذا» التي تفيدُ (^٣) تحقيقَ وقوع الشرط؛ لِسِرٍّ (^٤)، وهو إفادتُه تحقيقَ الطَّلب عند تحقُّق الشرط، أي: فمتى تحقَّق الشرطُ فالطَّلبُ متحقِّق، فأتى بـ «إذا» الدالَّة على تحقُّق (^٥) الشرط، فعُلِمَ تحقُّقُ الطَّلب عندها.
وقد يأتي مع «إنْ» قليلًا، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ [يونس: ٤١].
* وإمَّا جملةً إنشائية، كقوله لعبده الكافر: إن أسلمتَ فأنت حرٌّ، ولامرأته: إن فعلتِ كذا فأنتِ طالق، فهذا إنشاءٌ للعتق والطلاق عند وجود الشرط ــ على رأي ــ، أو إنشاءٌ له حال التعليق، ويتأخَّرُ نفوذُه إلى حين وجود
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد (١/ ٢٩٣) من حديث ابن عباس. قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وانظر: «الضعفاء» للعقيلي (٣/ ٥٣، ١٧٨، ٣٩٨، ٤/ ٤٢٦)، و«جامع العلوم والحكم» (٣٤٥)، و«نور الاقتباس» (٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٦٦)، ومسلم (١٧٤٢) من حديث ابن أبي أوفى.
(٣) (ح): «تقيد». (ت): «بقيد».
(٤) «لسر» ليست في (ق، ت).
(٥) (ق): «تحقيق».
[ ١ / ٨٩ ]
الشرط ــ على رأيٍ آخر ــ. وعلى التقديرين، فجوابُ الشرط جملةٌ إنشائية.
والمقصودُ أنَّ جواب الشرط في الآية المذكورة جملةٌ شرطية، وهي قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وهذا الشرطُ يقتضي ارتباط الجملة الأولى بالثانية ارتباطَ العلة بالمعلول، والسبب بالمسبَّب، فيكونُ الشرطُ الذي هو ملزومٌ علَّةً ومقتضيًا للجزاء الذي هو لازم.
فإن كان بينهما تلازمٌ من الطرفين كان وجودُ كلٍّ منهما بدون وجود الآخر (^١) ممتنعًا، كدخول الجنة بالإسلام، وارتفاع الخوف والحزن والضلال والشقاء مع متابعة الهدى.
وهذه عامةُ (^٢) شروط القرآن والسنة؛ فإنها أسبابٌ وعِلَل، والحكمُ ينتفي بانتفاء علَّته.
وإن كان التلازمُ بينهما من أحد الطرفين كان الشرطُ ملزومًا خاصًّا والجزاءُ لازمًا عامًّا، فمتى تحقَّق الشرطُ الملزومُ الخاصُّ تحقَّق الجزاءُ اللازمُ العامُّ، ولا يلزم العكس، كما يقال: إن كان هذا إنسانًا فهو حيوان، وإن كان البيعُ صحيحًا فالملكُ ثابت.
وهذا غالبُ ما يأتي في قياس الدَّلالة (^٣)، حيث يكونُ الشرطُ دليلًا على
_________________
(١) (ت، ن، ق): «بدون دخول الآخر». (ح): «بدون الآخر».
(٢) (ت): «هي غاية».
(٣) وهو أحد أقسام القياس الثلاثة باعتبار العلة. والمرادُ به: ما كان الجامعُ فيه بين الفرع والأصل هو لازم العلة، أو أثرها، أو حكمها. انظر: «اللمع» (٢٨٨).
[ ١ / ٩٠ ]
الجزاء، فيلزمُ من وجوده وجودُ الجزاء؛ لأنَّ الجزاءَ لازمُه، ووجودُ الملزوم يستلزمُ وجودَ اللازم، ولا يلزمُ من عدمه عدمُ الجزاء.
وإن وقعَ هذا الشرطُ بين علَّةٍ ومعلول؛ فإن كان الحكمُ معلَّلًا بعللٍ صحَّ ذلك، وجاز أن يكون الجزاءُ أعمَّ من الشرط، كقولك: إن كان هذا مرتدًّا فهو حلالُ الدَّم؛ فإنَّ حِلَّ الدَّم أعمُّ من حِلِّه بالردَّة، إلا أن يقال: «إنَّ حكمَ العلَّة المعيَّنة ينتفي بانتفائها، وإن ثبتَ الحكمُ بعلَّةٍ أخرى فهو حكمٌ آخر، وأمَّا حكمُ العلَّة المعيَّنة فمحالٌ أن يبقى (^١) مع زوالها»، وحينئذٍ فيعودُ التلازمُ من الطرفين، ويلزمُ من وجود كلِّ واحدٍ من الشرط والجزاء وجودُ الآخر، ومن عدمه عدمُه.
وتمامُ تحقيق هذا في مسألة تعليل الحكم الواحد بعلَّتين؛ وللناس فيه نزاعٌ مشهور، وفصلُ الخطاب فيها: أنَّ الحكمَ الواحدَ إن كان واحدًا بالنَّوع، كحِلِّ الدَّم، وثبوتِ الملك، ونقض الطَّهارة؛ جاز تعليلُه بالعلل المختلفة. وإن كان واحدًا بالعَيْن، كحِلِّ الدَّم بالردَّة، وثبوت الملك بالبيع أو الميراث، ونحو ذلك؛ لم يجُز تعليلُه بعلَّتين مختلفتين. وبهذا التفصيل يزولُ الاشتباه في هذه المسألة، والله أعلم.
ومن تأمَّل أدلَّة الطَّائفتين وجدَ كلَّ ما احتجَّ به من رأى تعليلَ الحكم بعللٍ مختلفةٍ إنما يدلُّ على تعليل الواحد بالنَّوع بها، وكلُّ من نفى تعليلَ الحكم بعلَّتين إنما يتمُّ دليلُه على نفي تعليل الواحد بالعَيْن بهما؛ فالقولان عند التحقيق يرجعان إلى شيءٍ واحد (^٢).
_________________
(١) (ت): «تبقى». وفي (ق): «ينفي»، وهو تحريف.
(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ١٦٧)، و«جامع المسائل» (٦/ ٩٠).
[ ١ / ٩١ ]
والمقصودُ أنَّ الله سبحانه جعل اتباعَ هداه وعَهْده الذي عَهِدَه إلى آدم سببًا ومقتضيًا لعدم الخوف والحزن، والضلال والشقاء، وهذا الجزاءُ ثابتٌ بثبوت الشرط، مُنْتَفٍ بانتفائه، كما تقدَّم بيانُه.
ونفيُ الخوف والحزن عن متَّبع الهدى نفيٌ لجميع أنواع الشرور؛ فإنَّ المكروهَ الذي ينزلُ بالعبد متى عَلِمَ بحصوله فهو خائفٌ منه أن يقع به، وإذا وقع به فهو حزينٌ على ما أصابه منه، فهو دائمًا في خوفٍ وحزن، فكلُّ (^١) خائفٍ حزينٌ، وكلُّ حزينٍ خائفٌ، وكلٌّ من الخوف والحزن يكونُ على فوت (^٢) المحبوب وحصول المكروه.
فالأقسامُ أربعة: خوفٌ من فَوْت المحبوب وحصول المكروه، وحزنٌ على فَوْت المحبوب وحصول المكروه (^٣)، وهذا جماعُ الشرِّ كلِّه.
فنفى الله سبحانه ذلك عن متَّبع هداه الذي أنزله على ألسنة رسله، وأتى في نفي الخوف بالاسم الدَّالِّ على نفي الثبوت واللزوم (^٤)، فإنَّ أهلَ الجنة لا بدَّ لهم من الخوف في الدنيا، وفي البرزخ، ويوم القيامة حيثُ يقولُ آدمُ وغيره من الأنبياء: «نفسي، نفسي»؛ فأخبر سبحانه أنهم وإن خافوا فلا خوفٌ عليهم، أي: لا يلحقُهم الخوفُ الذي خافوا منه.
وأتى في نفي الحزن بالفعل المضارع الدَّالِّ على نفي التجدُّد
_________________
(١) (ت، ق): «وكل».
(٢) في الأصول: «فعل». وهو تحريف. وسيأتي على الصواب.
(٣) قوله: «وحزن على فوت المحبوب وحصول المكروه» من (ت).
(٤) في قوله عزَّ شأنه: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٣٨].
[ ١ / ٩٢ ]
والحدوث (^١)، أي: لا يلحقُهم حزنٌ ولا يحدُث لهم إذا تذكَّروا ما سلفَ منهم، بل هم في سرورٍ دائم لا يَعْرِضُ لهم حزنٌ على ما فات.
وأمَّا الخوف؛ فلمَّا كان تعلُّقه بالمستقبل دون الماضي نفى لحوقَه لهم جملةً، أي: الذي خافوا منه لا ينالُهم ولا يلمُّ بهم. والله أعلم.
فالحزينُ إنما يحزنُ في المستقبل على ما مضى، والخائفُ إنما يخافُ في الحال مما يستقبل، فلا خوفٌ عليهم (^٢)، أي: لا يلحقُهم ما خافوا منه، ولا يعرضُ لهم حزنٌ على ما فات.
وقال في الآية الأخرى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾، فنفى عن متَّبع هداه أمرين: الضلال، والشقاء.
قال عبد الله بن عباس ﵄: «تكفَّل اللهُ لمن قرأ القرآنَ وعملَ بما فيه أن لا يضلَّ في الدُّنيا، ولا يشقى في الآخرة»، ثمَّ قرأ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (^٣).
والآيةُ نفَت مسمَّى الضلال والشقاء عن متَّبع الهدى مطلقًا، فاقتضت
_________________
(١) في قوله: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨].
(٢) (ت، ن): «فقال لا خوف عليهم».
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٠/ ٤٦٧، ١٣/ ٣٧١)، وعبد الرزاق (٣/ ٣٨٢)، والطبري (١٨/ ٣٨٩)، وغيرهم من طرقٍ يصحُّ بها. وصححه الحاكم (٢/ ٣٨١) ولم يتعقبه الذهبي. وروي مرفوعًا عند الطبراني في «الأوسط» (٥٤٦٦)، و«الكبير» (١٢/ ٤٨)، ولا يصح.
[ ١ / ٩٣ ]
الآيةُ أنه لا يضلُّ في الدُّنيا ولا يشقى فيها، ولا يضلُّ في الآخرة ولا يشقى فيها؛ فإنَّ المراتبَ أربعة: هدًى وسعادةٌ (^١) في الدُّنيا، وهدًى وسعادة (^٢) في الآخرة.
لكنَّ ابنَ عباسٍ ﵄ ذكَر في كلِّ دارٍ (^٣) أظهرَ مرتبتَيها؛ فذكَر الضلال في الدُّنيا إذ هو أظهرُ لنا وأقربُ من ذكر الضلال في الآخرة، وذكَر الشَّقاء في الآخرة إذ هو أظهرُ عند الناس من الضلال فيها، بل كثيرٌ من الناس لا يحصُل في ذهنه حقيقةُ الضلال في الآخرة. وأيضًا؛ فضلالُ الدُّنيا أصلُ ضلال الآخرة، وشقاءُ الآخرة مستلزمٌ للضلال فيها.
فنبَّه بكلِّ مرتبةٍ على الأخرى؛ فنبَّه بنفي ضلال الدُّنيا على نفي ضلال الآخرة؛ فإنَّ العبدَ يموتُ على ما عاش عليه، ويُبْعَثُ على ما مات عليه؛ قال الله تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
وقال في الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٢]، فأخبر أنَّ من كان في هذه الدَّار ضالًّا فهو في الآخرة أضلُّ.
_________________
(١) (ح، ن): «وشقاوة». وفي طرة (د): «لعله: وضلال».
(٢) (ق، د، ح، ن): «وشقاوة». والمثبت في الموضعين هو الأشبه بالسياق، ومقابل الهدى: الضلال، ومقابل السعادة: الشقاء.
(٣) (ح، ن): «من كل دار».
[ ١ / ٩٤ ]
وأمَّا نفيُ شقاء الدُّنيا، فقد يقال: إنه لما انتفى عنه الضلالُ فيها (^١)، وحصلَ له الهدى، والهدى فيه مِن بَرْدِ اليقين، وطمأنينة القلب، وذَوْقِ طعم الإيمان، وَوَجْدِ (^٢) حلاوتِه، وفرحة القلب به، وسروره، والتنعُّم به، ومصير القلب حيًّا بالإيمان، مستنيرًا به، قويًّا به، قد نال به غذاءه ودواءه، وشفاءه وحياته، ونورَه وقوَّته، ولذَّتَه ونعيمَه= ما هو أجلُّ أنواع النعيم (^٣)، وأطيبُ الطيبات، وأعظمُ اللذات.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، فهذا خبرُ أصدق الصادقين، ومَخْبَرُه عند أهله عينُ اليقين، بل حقُّ اليقين؛ فلا بدَّ لكلِّ من عمل صالحًا وهو مؤمنٌ (^٤) أن يُحْيِيَه اللهُ حياةً طيبةً بحسب إيمانه وعمله.
ولكن يغلطُ الجفاةُ الأجلافُ في مسمَّى الحياة الطيِّبة، حيث يظنُّونها التنعُّمَ بأنواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أو لذةَ الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنُّن بأنواع الشهوات؛ ولا ريب أنَّ هذه لذةٌ مشتركةٌ بين
_________________
(١) لم يُذْكَر جوابُ «لمَّا»؛ لدلالة الكلام عليه. كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا﴾ [يوسف: ١٥]، وبعضهم يجعل قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ هو الجواب، والواو زائدة. ويقابله هنا قوله: «وحصل له الهدى».
(٢) (ق): «فوجد». وليست في (ت). وانظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٢٤ - تحقيق د. عبد الحميد مدكور).
(٣) السياق: والهدى فيه من برد اليقين ما هو أجل أنواع النعيم.
(٤) «وهو مؤمن» ساقطة من (ت، ق).
[ ١ / ٩٥ ]
البهائم، بل قد يكونُ حظُّ كثير من البهائم منها أكثر من حظِّ الإنسان؛ فمن لم يكن عنده لذةٌ إلا اللذةُ التي تشاركهُ فيها السِّباعُ والدوابُّ والأنعامُ فذلك ممن يُنادى من مكانٍ بعيد (^١).
ولكن أين هذه اللذةُ من اللذة بأمرٍ إذا خالط بشاشتُه القلوبَ سَلا عن الأبناء والنساء، والأوطان والأموال، والإخوان والمساكن، ورضي بتركها كلِّها والخروج منها رأسًا، وعرَّض نفسَه لأنواع المكاره والمشاقِّ، وهو متحملٌ لهذا (^٢)، منشرحُ الصدر به، يطيبُ له قتلُ ابنه وأبيه وصاحبته وأخيه، لا تأخذُه في ذلك لومةُ لائم.
حتى إنَّ أحدَهم (^٣) ليتلقَّى الرمحَ بصدره وهو يقول: «فزتُ وربِّ الكعبة».
ويستطيلُ الآخرُ (^٤) حياتَه حتى يلقي قُوتَه من يده، ويقول: «إنها لحياةٌ طويلةٌ إن صبرتُ حتى آكلها»، ثم يتقدَّمُ إلى الموت فَرِحًا مسرورًا.
ويقول الآخر (^٥) ــ مع فقره ــ: «لو علم الملوكُ وأبناء الملوك ما نحن
_________________
(١) قال الفراء في «معاني القرآن» (٣/ ٢٠): «تقول للرجل الذي لا يفهم قولك: أنت تُنادى من مكانٍ بعيد. وتقول للفَهِم: إنك لتأخذُ الشيء من قريب». وانظر: «معاني القرآن» للنحاس (٦/ ٢٨١).
(٢) غير محررة في (د، ت). (ق): «مستحل بهذا». (ن): «متحمل بهذا».
(٣) هو حرام بن ملحان ﵁. أخرجه البخاري (٤٠٩٢)، ومسلم (٦٧٧).
(٤) هو عمير بن الحمام ﵁. أخرج خبره مسلم (١٩٠١).
(٥) هو إبراهيم بن أدهم. أخرج قوله أبو نعيم في «الحلية» (٧/ ٣٧٠)، والبيهقي في «الزهد» (٨٠)، وغيرهما.
[ ١ / ٩٦ ]
عليه لجالدونا عليه بالسُّيوف».
ويقول الآخر (^١): «إنه لتمرُّ بالقلب أوقاتٌ يرقصُ فيها طربًا».
وقال بعضُ العارفين (^٢): «إنه لتمرُّ بي أوقاتٌ، أقولُ فيها: إن كان أهلُ الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيشٍ طيِّب» (^٣).
ومن تأمَّل قول النبي - ﷺ - لمَّا نهاهم عن الوِصَال، فقالوا: إنك تُواصِل فقال: «إني لستُ كهيئتكم، إني أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني» (^٤)؛ عَلِمَ أنَّ هذا طعامُ الأرواح وشرابها، وما يفيضُ عليها من أنواع البهجة واللذَّة والسرور والنعيم الذي رسولُ الله - ﷺ - في الذروة العليا منه، وغيرُه إذا تعلَّق بغباره رأى مُلْكَ الدُّنيا ونعيمَها بالنسبة إليه هباءً منثورًا، بل باطلًا وغرورًا.
وغَلِط من قال: إنه كان يأكلُ ويشربُ طعامًا وشرابًا يغتذي به بدنُه؛ لوجوه (^٥):
أحدُها: أنه قال: «أظلُّ عند ربي يطعمني ويسقيني»، ولو كان أكلًا وشربًا لم يكن وصالًا ولا صومًا.
_________________
(١) هو أبو سليمان الداراني. في «البداية والنهاية» (١٤/ ١٥٢). وانظر: «تاريخ دمشق» (٣٤/ ١٤٧).
(٢) هو أبو سليمان الداراني. نسبه إليه ابن كثير في الموضع السابق.
(٣) وفي (ح): «إنهم لفي النعيم». وفي (ن): «لفي أنعم عيش».
(٤) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣) من حديث أبي هريرة.
(٥) انظر: «جامع المسائل» (١/ ١٢٢)، و«مدارج السالكين» (٣/ ٨٨)، و«زاد المعاد» (٢/ ٣٢، ٤/ ٩٤)، و«أيمان القرآن» (٥٧٩)، و«الداء والدواء» (٤٦٠)، و«شرح مسلم» للنووي (٤/ ٢٢٠)، و«فتح الباري» (٤/ ٢٠٧)، و«لطائف المعارف» (٣٤٤).
[ ١ / ٩٧ ]
الثاني: أنَّ النبي - ﷺ - أخبرهم أنهم ليسوا كهيئته في الوصال، فإنهم إذا واصلوا تضرَّروا بذلك، وأمَّا هو - ﷺ - فإنه إذا واصلَ لا يتضررُ بالوصال. فلو كان يأكلُ ويشربُ لكان الجواب: «وأنا أيضًا لا أواصل، بل آكلُ وأشربُ كما تأكلون وتشربون»، فلمَّا قرَّرهم على قولهم: إنك تواصل، ولم ينكره عليهم، دلَّ على أنه كان مواصلًا، وأنه لم يكن يأكلُ أكلًا وشربًا يُفَطِّرُ الصَّائم.
الثالث: أنه لو كان أكلًا وشربًا يُفَطِّرُ الصَّائمَ لم يصحَّ الجوابُ بالفارق بينهم وبينه، فإنه حينئذٍ يكون - ﷺ - هو وهم مشتركون (^١) في عدم الوصال، فكيف يصحُّ الجوابُ بقوله: «لستُ كهيئتكم»؟!
وهذا أمرٌ يعلمُه غالبُ الناس، أنَّ القلبَ متى حصلَ له ما يُفْرِحُه ويسرُّه من نيل مطلوبه، ووصال حبيبه، أو ما يغمُّه ويسوؤه ويحزنُه، شُغِل عن الطعام والشراب، حتى إنَّ كثيرًا من العشَّاق تمرُّ به الأيامُ لا يأكلُ شيئًا، ولا تطلبُ نفسه أكلًا.
وقد أفصح القائلُ في هذا المعنى:
لها أحاديثُ مِنْ ذكراكَ تَشْغَلُها عن الشَّرابِ وتُلْهِيها عن الزَّادِ
لها بوجهكَ نورٌ تستضيءُ به ومِنْ حديثك في أعقابها حادِي
إذا اشْتكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أوعدها رَوْحَ القُدومِ فتحيا عند ميعادِ (^٢)
_________________
(١) كذا في الأصول، بالرفع. والجادة النصب.
(٢) الأول والثاني: لإدريس بن أبي حفصة، يَذْكُر إبلًا، في «ديوان المعاني» (١/ ١٩١)، و«الأنوار» (١/ ٤٠٠)، و«الحماسة البصرية» (١/ ١٥٧)، و«زهر الآداب» (١/ ٥٠٧). والثالث: أنشده الغزالي في «رسالة الطير» (٧٢ - مقالات فلسفية نشرها لويس شيخو»، وأنشده إسماعيل بن إبراهيم المعرِّي في «ذيل مرآة الزمان» لليونيني (٣/ ٤٣).
[ ١ / ٩٨ ]