الحمدُ للهِ الذي جعل الكعبةَ البيتَ الحرامَ قيامًا للناس وأَمْنًا، وجعل أَفْئِدَةَ النَّاسِ تهوي إليه والمؤمنين يَؤُمُّونَهُ أَمًّا.
والصلاةُ والسَّلام على خير من مشى، بين الحطيم وزَمْزَمَ وطافَ وسعى، ونال في هذه البقاع الشريفة ما تمنَّى.
وعلى آله الطيِّبين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ما هَبَّت الصبا وما سَاجِعٌ غنَّى.
أمَّا بعدُ:
فممَّا لا يخفى على طلبة العلم وأهله، ما لمكةَ المكرَّمة -شرَّفها الله- من المكانةِ والمنزلةِ في قُلوبِ المؤمنين، فهي مغناطيسُ القلوب، وعند البيت الحرام فيها تسكب العَبَرات طَلَبًا لِمَحْو الخطايا والذنوب. ومِنْ مِننِ الله العظيمة علينا في موسم العشر الأواخر من شهر رمضان -في كل عام- اجتماعُ شمل من الأحبَّة في الله، من أهل العلم وطلبته ومحبيهم والدعاةِ إلى الله ﷿ في صحن الحرم المكِّيّ الشريف، تُجاه الكعبة المشرَّفة،
[ ٥ ]
لمدارسة العِلْم، ومذاكرته، وتَعَلُّمِهِ وتعليمه (١).
وقد استمر ذلك -بفضل الله تعالى- سنوات عديدة، ومُدَّة مديدة، نسأل الله تعالى المزيد من فضله، وتوفيقه، وتأييده.
وقد كانَتْ مكَّة المكرَّمة -ولا زالت بحمد الله (٢) - مَوْئل العلماء، ومجمع الفضلاء، وملتقى الأتقياء: يلتقي فيها أهل المشرق بأهل المغرب، والعجم بالعرب -والعكس- يأخذ بعضهم العلم عن بعض، وتتصل أسانيدهم، ويُلْحَقُ الخلف بالسلف:
فكم من حَلْقَةٍ عُقِدَت في صحن هذا المسجد المبارك!
وكم من دروس أُلقيت!
وكم من روايات اتَّصلت وتسلسلت!
وكم من قراءات ضُبطت وتواترت!
وكم من فتاوى أُفتيت، لحل عويصة أو فك معضلة!
وكم من مخطوطة نفيسة نُسخت وخُدمت!
_________________
(١) من أهل الحرمين الشريفين، ومن البحرين، والكويت، ولبنان، وأمريكا، والمغرب .. وغيرها من البلدان إخوة متحابِّين، وأخلَّاء متآلفين.
(٢) وخاصةً بعد أن قام أولياء الأُمور في بلاد الحرمين الشريفين بتهيئة جميع وسائل الراحة والأمن التام للطائفين والعاكفين والرُّكَّع السّجود، جزاهم الله خيرًا، ووفّقهم للمزيد من الأعمال الصالحة، والخدمات الجليلة لحجاج بيت الله الحرام.
[ ٦ ]
وفي هذا العام المبارك -أعني عام ١٤١٩ هـ- أشار علينا الأخ المحبُّ في الله فضيلة الشَّيخ المحقِّق والبحَّاثة المدقِّق -تُفَّاحةُ الكُوَيْت وَدُرَّتُها- محمَّد بن ناصر العجمي، لا زالت إفاداته تترى كالمطر الوسمي -وهو من أوائل روَّاد هذه المجالس المباركة، بل قطب رحاها- بأن نقوم بإحياء سُنَّةِ العَرْض والمقابلة مع قراءة الكتب النافعة، والمخطوطات النادرة، بُغية إعدادها للطبع والنشر -بعد ذلك- لدى دار البشائر الإِسلامية ببيروت، ليعمَّ نفعها، وينتشر خيرها.
ولمَّا كان الأخُ الكريم الأستاذ المتفنِّن رمزي دمشقية، صاحب هذه الدار، من روَّاد هذه المجالس المباركة أيضًا والمشاركين فيها، فقد رَحَّب بهذه الفكرة، وبادر بالموافقة على إصدارها في سلسلة تحمل عنوان:
(لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام)
وقد يَسَّرَ الله تعالى -في هذا العام- قراءة ومعارضة وإعداد الرسائل التالية:
١ - مفتاح طريق الأَوْلياء: تأليف الإِمام الزاهد أحمد بن إبراهيم الواسطي الدمشقي الحنبلي، المعروف بابن شيخ الحزاميين (٦٥٧ - ٧١١ هـ)، بعناية وتحقيق الشَّيخ محمَّد بن ناصر العجمي.
[ ٧ ]
٢ - نبذة لطيفة ونصيحة شريفة: تأليف الشَّيخ حسن بن أحمد، سِبْط الدسوقي الدمشقي الشَّافعي (١٢٤١ - ١٣٠٦ هـ)، بعناية وتحقيق الشَّيخ محمَّد بن ناصر العجمي.
٣ - الفانيد في حلاوة الأسانيد: للإِمام جلال الدِّين السيوطي (ت ٩١١ هـ)، بعناية وتحقيق الشَّيخ رمزي دمشقية.
٤ - مختصر تنزيه المسجد الحرام عن بدع الجَهَلة العوام: للإِمام أبي البقاء أحمد بن الضياء القُرشي العدوي الحنفي (ت ٨٥٤ هـ)، بعناية وتحقيق كاتب هذه السطور.
٥ - تعليق لطيف على آخر حديث في رياض الصالحين: تأليف الشَّيخ قاسم القاسمي (١٢٨٤ هـ)، بعناية وتحقيق الشَّيخ محمَّد بن ناصر العجمي.
٦ - الإِنصاف في حكم الاعتكاف: للإِمام أبي الحسنات محمَّد عبد الحي اللكنوي الهندي (١٢٦٤ - ١٣٠٤ هـ)، بعناية وتحقيق الشَّيخ مجد بن أحمد مكي.
٧ - ردع الإِخوان عن مُحدثات آخر جُمعة رمضان: للإِمام اللكنوي أيضًا، بتحقيق وتعليق الشَّيخ مجد بن أحمد مكي.
هذا، ونسأل الله تعالى المزيد من فضله، وأن يجمع شملنا -وإخواننا وأحبابنا- دائمًا على خير، وأَنْ يُوَفِّقنا لما يحبه
[ ٨ ]
ويرضاه. كما لا يفوتنا أن نتَقَدَّم بالشكر الجزيل، والثناء العاطر إلى أهل الخير والفضل من التُجَّار وأبنائهم الذين بادروا للمساهمة في هذا المشروع وتيسير طباعة كتبه. بارك الله لهم في أموالهم وذُرِّيَّاتهم، ووفَّقنا وإيَّاهم للمزيد من فضله، إنَّه جوَّاد كريم بَرٌّ رحيم. ونسأله تعالى أن يجعل ذلك في موازين حسناتهم يوم القيامة. آمين.
وصلى اللهُ على سيِّدنا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلَّم.
قاله وكتبه
الفقير إلى الله تعالى
نظام محمّد صالح يعقوبي
بالمسجد الحرام تُجاه الكعبة المشرَّفة
٢٣ رمضان المبارك ١٤١٩ هـ
[ ٩ ]
لقاء العشر الأواخر بالمسجد الحرام (١)
تأليف
الإمام الزاهد أحمد بن إبراهيم الواسطي الدمشقي الحنبلي المعروف بابن شيخ الحزاميين (٦٥٧ - ٧١١ هـ)
اعتنى به
محمد بن ناصر العجمي
ساهم بطبعه بعض أهل الخير بالمدينة المنورة
دار البشائر الإسلامية
[ ٩ ]