اعْلَم أَن الْقُلُوب أول مَحل التكاليف وَأَن أَعمال الْأَبدَان مَوْقُوفَة على أَعمال الْقُلُوب وَأَن الْأَعْمَال إِنَّمَا يَقع ابْتِدَاؤُهَا من الْقُلُوب ثمَّ يظْهر على الْجَوَارِح
فَأول مَا يخْطر للمكلف فعل من أَفعَال الْقُلُوب فَلَا تَكْلِيف بِسَبَب خطوره على الْقلب فَإِذا خطر على الْقلب وَعرفت النَّفس مَا فِيهِ من الْمصَالح أَو الْمَفَاسِد فَإِنَّهَا تميل إِلَيْهِ إِن وافقها وتنفر مِنْهُ إِن خالفها وَلَا يتَعَلَّق التَّكْلِيف أَيْضا بالميل إِلَيْهِ وَلَا بالنفور عَنهُ فَإِنَّهُمَا أَمْرَانِ طبعيان لَا انفكاك عَنْهُمَا وَلَا انْفِصَال مِنْهُمَا وَلنْ يُكَلف الله تَعَالَى نفسا فِي ضرها ونفعها إِلَّا قدر وسعهَا
فَإِذا حصل ميل النَّفس أَو نفورها حضر الشَّيْطَان فزين لَهَا الْإِقْدَام على فعل مَا مَالَتْ إِلَيْهِ إِن كَانَ من الْعِصْيَان المسخط للديان أَو زين لَهَا النفور مِمَّا يُرْضِي الرَّحْمَن إِن كَانَ مِمَّا تنفر مِنْهُ فَهَذَا ابْتِدَاء تَكْلِيف الْقُلُوب
[ ٣٣ ]
إِذْ لَا يحِق على الْإِنْسَان أَن لَا يعزم إِلَّا على مَا يُرْضِي الرَّحْمَن ويرغم الشَّيْطَان
فالعزم أول مَا تكلّف بِهِ الْقُلُوب فَإِن كَانَ المعزوم عَلَيْهِ خيرا كَانَ الْعَزْم مَأْمُورا بِهِ وَإِن كَانَ المعزوم عَلَيْهِ شرا كَانَ الْعَزْم مَنْهِيّا عَنهُ والعزم أول وَاجِب أَو محرم بعد حسن الِاعْتِقَاد وَتَصْحِيح الْإِيمَان
والخطرات ثَلَاث
خطرة من النَّفس تخطرها لتنال بهَا هَواهَا وتدرك بهَا مناها
وخطرة من الشَّيْطَان يخطرها ليهلك الْإِنْسَان بِمَا يزينه لَهُ من الفسوق والعصيان
وخطرة من الرَّحْمَن يخطرها رَحْمَة للْإنْسَان لما ينيله من الثَّوَاب والرضوان وَالسُّكْنَى غَدا فِي جوَار الديَّان
فَحق على كل إِنْسَان إِذا خطرت لَهُ خطرة أَن لَا يُوَافِقهَا حَتَّى يعرفهَا ويميزها تخطرة النَّفس والشيطان مِمَّا يخطره الرَّحْمَن
وَإِنَّمَا يَقع التَّمْيِيز بالتثبت وَعرض تِلْكَ الخطرات على الْكتاب وَالسّنة فَمَا وَافق الْكتاب وَالسّنة علم أَنه من أخطار الرَّحْمَن إِمَّا بِوَاسِطَة الْملك أَو بِغَيْر وَاسِطَة
وَمَا خَالف الْكتاب وَالسّنة علم أَنه من أخطار النَّفس أَو أخطار الشَّيْطَان وتتميز خطرة النَّفس عَن خطرة الشَّيْطَان بِأَن يمْنَعهَا من الْعَزْم على
[ ٣٤ ]
مَا خطر لَهَا فَإِن ألحت فِي طلبه فَهُوَ من أخطارها وَإِن نكلت عَنهُ فَهُوَ من أخطار الشَّيْطَان
فالعقل مَعَ خطرات الرَّحْمَن وَالنَّفس مَعَ خطرات الشَّيْطَان
وَإِذا ثَبت أَن الْعَزْم يَنْقَسِم إِلَى مُحَلل ومحرم فَالْتبسَ أَحدهمَا بِالْآخرِ لم يجز الْإِقْدَام على إِحْدَاهمَا إِلَّا بعد النّظر والتبيان كَمَا لَو اشْتبهَ إِنَاء طَاهِر بِإِنَاء نجس أَو ثوب طَاهِر بِثَوْب نجس أَو دِرْهَم حَلَال بدرهم حرَام
[ ٣٥ ]
وَجب التلبث والتثبت إِلَى أَن تتبين الخطرة فَإِن عرضهَا على الْكتاب وَالسّنة فَلم يظْهر لَهُ شَيْء لم يجز لَهُ الْإِقْدَام على الْحَلَال الملتبس بالحرام كَمَا لَو اجْتهد بَين طَاهِر ونجس فاجتهد فيهمَا فَلم يظْهر لَهُ شَيْء فَإِنَّهُ لَا يحل لَهُ الْإِقْدَام على أَحدهمَا