الشَّيْطَان يَدْعُو إِلَى ترك الطَّاعَات فَإِن غَلبه العَبْد وَقصد الطَّاعَة الَّتِي هِيَ أولى من غَيرهَا أخطر لَهُ الرِّيَاء ليفسدها عَلَيْهِ فَإِن لم يطعه أَوْهَمهُ أَنه مراء وَأَن ترك الطَّاعَة بالرياء أولى من فعلهَا مَعَ الرِّيَاء فيدع الْعَمَل خيفة من الرِّيَاء لِأَن الشَّيْطَان أَوْهَمهُ أَن ترك الْعَمَل خيفة الرِّيَاء إخلاص والشيطان كَاذِب فِي إيهامه إِذْ لَيْسَ ترك الْعَمَل خوف الرِّيَاء إخلاص وَإِنَّمَا الْإِخْلَاص إِيقَاع الطَّاعَة خَالِصَة لله تَعَالَى دون النَّاس وَقد تتْرك الْعَمَل مَخَافَة الرِّيَاء فيوهمك الشَّيْطَان أَنَّك مراء بترك الْعَمَل لينغص عَلَيْك الْعَيْش فِيمَا تعمله وَفِيمَا تتركه
مِثَال ذَلِك أَن يكون فِي قِرَاءَة أَو تَعْلِيم أَو ذكر أَو أَمر
[ ٧٣ ]
بِمَعْرُوف أَو نهي عَن مُنكر فيوهمك أَنَّك مراء بذلك فتتركه فيوهمك أَنَّك مراء بِالصَّمْتِ وَأَن يُقَال إِنَّمَا صمت خيفة من الرِّيَاء فتغيب عَن النَّاس خوفًا من الرِّيَاء فيوهمك أَنَّك مراء بالهروب مِنْهُم والاعتزال عَنْهُم وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا فر بِدِينِهِ خوفًا من الرِّيَاء فتستحلي النَّفس أَن تَقول النَّاس إِنَّمَا فر بِدِينِهِ خوف الرِّيَاء وَلَا خلاص لَك من مثل ذَلِك إِلَّا بِالْكَرَاهَةِ والإباء
فَإِن أشكل عَلَيْك أَمرك فَإِن وجدت نَفسك مائلة إِلَيْهِ من غير كَرَاهَة وَلَا إباء فقد صدقك الشَّيْطَان فِيمَا أخْبرك بِهِ من أَنَّك مراء فَإِن لم تنفك عَن خطرة الرِّيَاء وَلم يجد من نَفسك الْكَرَاهَة والإباء فَإِن كَانَ ذَلِك الْعَمَل نفلا فَدَعْهُ وَإِن كَانَ فرضا لزمك أَن تُجَاهِد نَفسك على حسب إمكانك فِي استحضار نَفسك الْكَرَاهَة والإباء
وَإِن دخلت فِي الْفَرْض على الْإِخْلَاص فأوهمك أَنَّك مراء فَلَا تصغ إِلَيْهِ وَلَا تلْتَفت عَلَيْهِ لِأَنَّك تحققت الْإِخْلَاص وَشَكَكْت فِي الرِّيَاء وَالْيَقِين لَا يزَال بِالشَّكِّ