وَلذَلِك أَمْثِلَة
أَحدهمَا مَا يعين على ترك الرِّيَاء وَهُوَ أَن لَا يحاضر قوما يرائيهم إِلَّا لضَرُورَة كأداء فَرِيضَة أَو معيشة كافيه لنَفسِهِ وَعِيَاله ويتحرز من ذَلِك جهده وطاقته
الثَّانِي أَن يكون مِمَّن لَا يقدر على حفظ بَصَره من الْمَحَارِم فَلَا يخرج إِلَى الْأَسْوَاق وَلَا يجلس على الطَّرِيق وَلَا ينظر فِي طاق يتَعَرَّض فِيهِ لرؤية الْمَحَارِم إِلَّا أَن يخرج لأَدَاء فَرِيضَة أَو كِفَايَة معيشة
الثَّالِث أَن لَا يخالط أَقْوَامًا لَا يكَاد يسلم مَعَهم دينه مثل أَن يوافقهم على الْغَيْبَة أَو على تَصْدِيق كاذبهم أَو تَكْذِيب صادقهم أَو على الإزراء بِالْمُسْلِمين واحتقارهم فَلَا يخالط هَؤُلَاءِ إِلَّا لضَرُورَة مَعَ التَّحَرُّز من موافقتهم على أغراضهم
فَإِن خالطهم لغير ضَرُورَة دعت ل ذَلِك فقد غرر بِدِينِهِ
[ ١٢٠ ]
وَتعرض لإسخاط ربه
فَإِن جالسهم على مذاكرة علم أَو نَحْوهَا من الطَّاعَات المندوبات فانجر بهم الْحَال إِلَى شَيْء من الْمعاصِي فليعرض عَنْهُم حَتَّى يخوضوا فِي حَدِيث غَيره فَإِن جرت نَفسه فِي مخالطتهم فتكرر ذَلِك مِنْهُم مرَارًا فليجتنب مخالطتهم لما تجر إِلَيْهِ من الْمعْصِيَة إِذْ لَا تقوم المذاكرات والتطوعات بالمعصية وَلَيْسَ هَؤُلَاءِ بِإِخْوَان وَلَا أصدقاء وَلَا أَصْحَاب لِأَن الْأَخ وَالصديق والصاحب من يسلم مَعَه دينك أَو تزداد بمجالسته خيرا
وَأما من يعرضك لسخط الله تَعَالَى ومعصيته فَإِنَّهُ باسم الْعَدو أولى مِنْهُ باسم الصّديق فَعَلَيْك أَن لَا تستهين بِمَا يجْرِي بَيْنكُم من الْكَلم فَرب كلمة يكْتب الله بهَا لقائلها سخطه إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿وتحسبونه هينا وَهُوَ عِنْد الله عَظِيم﴾
وَمن هَؤُلَاءِ من لَا يرضى مِنْك إِلَّا بالتصنع ويلتمس مِنْك أَن تعادي من عَادَاهُ أَو توالي من وَالَاهُ وَتصدقه فِي كذبه وتعينه على ظلمه
والجليس السوء كصاحب الْكِير إِمَّا أَن يحرق ثِيَابك شرره وَإِمَّا أَن تَجِد مِنْهُ ريحًا مُنْتِنَة وَقد قَالَ الله تَعَالَى لمُوسَى يَا مُوسَى كن يقظان مرتادا لنَفسك إخْوَانًا فَكل خدن لَا يؤاتيك على مسرتي فَلَا تصحبه فَإِنَّهُ عَدوك وَهُوَ يقسى عَلَيْك قَلْبك
[ ١٢١ ]
وَلَا يُؤْتى النَّاس فِي الْأَغْلَب إِلَّا مِمَّن يشاكلهم فيجتمعون تَارَة على الْخَيْر فيحسدهم الشَّيْطَان عَلَيْهِ فيزين لَهُم الِانْتِقَال مِنْهُ إِلَى الحَدِيث الْمُبَاح من الفكاهة وَغَيرهَا فَإِن أجابوه إِلَى ذَلِك طمع فيهم وَحَملهمْ على الْخُرُوج إِلَى اغتياب من يبغضونه وَإِلَى احتقار من لَا يجوز احتقاره فَإِن أجابوه إِلَى ذَلِك دعاهم إِلَى مَا هُوَ أَشد مِنْهُ من السّعَايَة فِيمَن يكرهونه وَفِي أذيته وَحط مَنْزِلَته عِنْد النَّاس
والشيطان صياد حاذق يصطاد كل إِنْسَان بشكله وَنَظِيره كَمَا يفعل الصيادون فِي اصطياد كل طير بشكله
فالويل كل الويل لمن آثر طَاعَة الشَّيْطَان على طَاعَة الرَّحْمَن فَقدم إرضاء الإخوان على إرضاء الديَّان