أولا: احتجوا بما رواه النسائي (٥) من طريق أحمد بن أزهر عن عبد الرزاق عن
_________________
(١) المحلى (٦/ ١٦٤ - ١٦٦).
(٢) نيل الأوطار (٤/ ٢٠٨).
(٣) هو إسحق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي التميمي المعروف بإسحق بن راهويه، عالم خراسان في عصره، وهو أحد كبار الحفاظ، أخذ عنه الإمام أحمد، والبخاري ومسلم والنسائي وغيرهم، ولد في سنة (١٦١ هـ)، وتوفي سنة (٢٣٨ هـ). راجع. (خلاصة تذهيب الكمال١/ ٦٩)، (طبقات الحفاظ ص ١٨٨)، (تهذيب التهذيب ١/ ٢١٦).
(٤) المجموع للنووي (٦/ ٣٣٧)، وراجع المغني لابن قدامة (٣/ ٩١).
(٥) هو أحمد بن شعيب، أصله من (لسا) بخراسان، استوطن مصر، وهو صاحب كتاب السنن الصغرى، أحد الكتب الستة المعتمدة في الحديث، ولادته في سنة (٢١٥ هـ)، ووفاته في القدس أو مكة ت (٣٠٣ هـ). راجع: (تذكرة الحفاظ ٤/ ٦٩٩)، (خلاصة تذهيب الكمال ١/ ١٧)، (طبقات الحفاظ ص ٣٠٣).
[ ١٧٩ ]
ابن جريج عن ابن شهاب عن سالم عن عبد الله بن عمر (١) عن حفصة (٢)، قالت؛ قال النبي ﷺ: "من لم يبيّت الصيام من الليل فلا صيام له" (٣).
وقد اعترض الأحناف على الحديث باعتراضات عدة:
١ - أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة (٤)، وهذا الذي ذكروه من ضعف الحديث قاله جماعة من الحفاظ، فضعفوا رفعه إلى الرسول ﷺ، ورجحوا أن الحديث موقوف.
قال البخاري: هو خطأ، وهو حديث فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف.
وقال الترمذي: الموقوف أصح.
وقال النسائي: الصواب عندي أنّه موقوف ولم يصح رفعه.
وجوابنا على ذلك من وجهين:
أ- أن جماعة من الحفاظ حكموا بصحته مرفوعا، منهم ابن خزيمة وابن حبان، وقال الحاكم (٥) في الأربعين: صحيح على شرط الشيخين.
وقال في المستدرك: صحيح على شرط البخاري.
_________________
(١) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، أسلم مع أبيه وهاجر، راوية مكثر من الحديث عن الرسول -ﷺ - اشتهر بالحرص الشديد على اتباع السنة، والاجتهاد في العبادة، ولد قبل الهجرة بعشر سنوات وتوفي سنة (٨٤ هـ). راجع: (خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ٨١)، (الكاشف ٢/ ١١٢)، (طبقات الحفاظ ص ٩).
(٢) هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب، لها في البخاري ومسلم (٦٠) حديثا، ولدت قبل الهجرة بـ (١٨) سنة، وتوفيت سنة (٤٥ هـ). راجع: (تهذيب التهذيب ١٢/ ٤١٠)، (خلاصة تذهيب الكمال ٣/ ٣٧٨)، (الكاشف ٣/ ٤٦٨).
(٣) سنن النسائي (٤/ ١٩٦).
(٤) فتح القدير لابن الهمام (٢/ ٤٦).
(٥) هو محمد بن عبد الله بن حمدويه الضبي النيسابوري من أكابر حفاظ الحديث، أخذ عن نحو ألفي شيخ، صنف كتبا كثيرة منها: (تاريخ نيسابور)، (المستدرك على الصحيحين)، وتوفي سنة (٤٠٥ هـ). راجع: (تذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣٩)، (شذرات الذهب ٣/ ١٧٦)، (طبقات الحفاظ ص ٤٠٩).
[ ١٨٠ ]
وقال البيهقي رواته ثقات إلا أنّه روي موقوفا (١).
والسبب الذي من أجله ضعّفه لا يعتبر سببا قويا قويا لتضعيف الحديث، فكونه روي موقوفا، وروي مرفوعا، ليس سببا موجبا لتضعيفه، خاصة وأن الذي رفعه ثقة ثبت، بل إن روايته مرفوعا وموقوفا تعتبر سببا موجبا لقوة الحديث.
يقول ابن حزم بعد أن ساق رواية النسائي: "وهذا إسناد صحيح، ولا يضر إسناد ابن جريج له، أن وقفه معمر (٢)، ومالك، وعبيد الله، ويونس، وابن عيينة (٣)، فابن جريج (٤) لا يتأخر عن أحد من هؤلاء في الثقة والحفظ". ثم قال: "والزهري (٥) واسع الدراية، فمرة يرويه عن سالم عن أبيه، ومرة عن حمزة عن أبيه، وكلاهما ثقة.
وابن عمر كذلك مرة رواه مسندا، ومرة روي أن حفصة أفتت به، ومرة أفتى به هو".
ثم يقول: "وكل هذا قوة للخبر" (٦).
_________________
(١) انظر تحقيق ابن حجر للحديث في (تلخيص الحبير ٢/ ١٨٨)، فمنه نقلنا، والحديث رواه غير النسائي: أبو داود والترمذي وابن ماجه، أقول: وقد وهم ابن رشد إذ عزاه في بداية المجتهد (١/ ٣٠١) إلى البخاري.
(٢) هو معمر بن راشد بن أبي عمرو الأزدي، فقيه حافظ للحديث، ولد في البصرة (٩٥ هـ)، وسكن اليمن، وتوفي بها (١٥٣ هـ). راجع: (خلاصة تذهيب الكمال ٣/ ٤٧)، (طبقات الحفاظ ص ٨٢)، (الكاشف ٣/ ١٦٤).
(٣) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران: ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي الأعور، أحد أئمة الإسلام، قال الشافعي: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز، توفي بمكة سنة (١٩٨ هـ). راجع: (خلاصة تذهيب الكمال ١/ ٣٩٧)، (طبقات الحفاظ ص ١١٣)، (الكاشف ١/ ٣٧٩).
(٤) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ففيه الحرم الكي، وإمام أهل الحجاز بن عصره، رومي الأصل، ولد وتوفي بمكة (٨٠ - ١٥٠ هـ). راجع: (خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ١٧٨)، (الكاشف ٢/ ٢١٠)، (طبقات الحفاظ ص ٧٤).
(٥) هو محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، من بني زهرة كلاب من قريش، أول من دون الحديث، وأحد كبار الحفاظ والفقهاء، تابعي من أهل المدينة، عاش ما بين (٥٨ - ١٢٤ هـ). راجع: (خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ٤٥٧)، (الكاشف ٣/ ٩٦)، (طبقات الحفاظ ص ٤٢).
(٦) المحلى (٦/ ١٦٢).
[ ١٨١ ]
وقال الخطابي: "أسنده عبد الله بن أبي بكر (١)، والزيادة من الثقة مقبولة" (٢).
ب- وعلى التسليم لهم بضعف الحديث: فإنه قد روي موقوفا عن ثلاثة من الصحابة بأسانيد صحيحة، والصحابة الذين يروى موقوفا عليهم هم: ابن عمر، وحفصة بنت عمر بن الخطاب، وعائشة بنت أبي بكر ﵃ جميعا (٣).
وهؤلاء لا يعرف لهم مخالف من الصحابة أصلا، والأحناف يستعظمون مخالفة الصحابي الذي لم يعرف له مخالف.
فإن قالوا: حديث عاشوراء يدل على جواز الصوم بنية من النهار، وهو أصح من هذا الحديث كما قاله ابن الهمام (٤)، فالجواب أن حديث عاشوراء لا يدل على مدعاهم كما سبق بيانه.
٢ - أنَّه من الآحاد، فلا يصلح ناسخا للكتاب (٥).
وكون الزيادة على النص القرآني تعتبر نسخا لا يسلم لهم، كما بحثناه من قبل.
٣ - أنهم حملوه على صوم القضاء والنذر:
وهذا تأويل بعيد كما يقول الآمدي: وإنما كان هذا التأويل بعيدا، لأن الصوم في الحديث نكرة، وقد دخل عليه حرف النفي، فكان ظاهره العموم في كل صوم، ثم المتبادر إلى الفهم من لفظ الصوم إنمَّا هو الصوم الأصلي المتخاطب في اللغات: وهو الفرض والتطوع، دون ما وجوبه بعارض، ووقوعه نادر، وهو القضاء والنذر.
_________________
(١) هو عبد الله بن أبي بكر الصديق صحابي من العقلاء. الشجعان السابقين إلى الإسلام، كان له دور هام في هجرة الرسول -ﷺ -، توفي سنة (١١ هـ). راجع: (الأعلام ٤/ ٢٣٤).
(٢) تلخيص الحبير (٢/ ١٨٨).
(٣) راجع سنن النسائي، والمحلي (٦/ ١٦١)، وتلخيص الحبير (٢/ ١٨٨).
(٤) فيض القدير (٢/ ٤٧).
(٥) بدائع الصنائع (٢/ ٨٦).
[ ١٨٢ ]
وقد أصاب الآمدي في ردّه عليهم عندما بين أنّ ترك ما هو قوي في العموم، وإخراج الأصل الغالب من النص، وإرادة العارض البعيد النادر- إلغاز في القول.
وقرّب هذا بمثال ضربه، فالسيد إذا قال لعبده: "من دخل داري من أقاربي فأكرمه"، ثم قال: إنّما أردت قرابة السبب دون النسب، أو ذوات الأرحام البعيدة، دون العصبات القريبة، كان قوله منكرا مستبعدًا" (١).
٤ - وقالوا ليس معناه كما ذكرتم، بل إنَّ المراد بقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام"، أي لا صيام لمن لم ينو الصيام من الليل بأن نوى الصيام من وقت النية (٢).
وهذا تأويل غريب للحديث، يبطله أدنى تأمل في نصّ الحديث، فقوله: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل" نص في أنّ مراد الرسول -صلى الله عليه ولمسلم- النيّة من الليل، لقوله: "يبيت" والتبييت فعل الأمر في البيات وهو الليل.
ومما يوضح هذا الأمر رواية ابن عمر الموقوفة عليه "لا يصوم إلاّ من أجمع الصيام قبل الفجر"، وقالت عائشة مثل ذلك.
وقالت حفصة: "لا صيام لمن لم يجمع قبل الفجر". فنص الحديث المرفوع، والأحاديث الموقوفة صريحة في إيجاب إيقاع النيَّة في الليل، وهذا التأويل الذي ذكروه لا وجه له، بل هو تمحل من قائله لنصرة المذهب، وهذا لا يجوز لهم.
٥ - قالوا أيضا: الحديث محمول على نفي الفضيلة أو الكمال، كقوله: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (٣).
وجوابا أن هذا الحديث ضعيف (٤)، ولو ثبت لما صحت صلاة لجار المسجد
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (٣/ ٨٣).
(٢) الهداية (٢/ ٤٦)، والعناية (٢/ ٤٦).
(٣) بدائع الصانع (٢/ ٨٦)، الهداية (٢/ ٤٦).
(٤) قال الحافظ السخاوي في حديث (لا صلاة لجار المسجد): رواه الدارقطني والحاكم والطبراني فيما أملاه، ومن طريقة الديلي ..، وابن حبان في الضعفاء، وأسانيدها ضعيفة، وليس له -كما قال شيخنا- إسناد ثابت، وقد قال ابن حزم: هذا حديث ضعيف (المقاصد الحسنة ص ٤٦٧).
[ ١٨٣ ]
إلا في المسجد، ونظيره الصحيح قوله ﷺ: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١)، فنفي الشيء كالصلاة والصوم لعدم وجود شيء يدل على وجوبه لا استحبابه.
ثانيا: احتج الموجبون للنيّة في الليل على أبي حنيفة وأصحابه بالقياس، فقاسوا صوم رمضان على القضاء والكفارة، بجامع الفرضية والوجوب في كل. وفرق الأحناف بين صوم الكفارة والقضاء وصوم رمضان بأن الوقت في رمضان متعين لصومه، أما في القضاء والكفارة فالوقت غير متعين لهما شرعا، لأنَّ خارج رمضان متعين للنفل، فلا يكون لغيره إلاّ بتعيينه، فإذا لم ينو من الليل صوما آخر بقي الوقت متعينا للتطوع فلا يملك تغييره (٢).
فمناط التفرقة عندهم بين صوم القضاء والكفارة وصوم رمضان هو أن الوقت غير متعين للأولين، ولكنه متعين لصوم رمضان. وجوابنا أن وقت الصلاة قد يتضيق على المصلّي بألاّ يبقى إلاّ ما يكفي لصلاة الفرض، فهل تصحُّ صلاته فرضا إذا نوى أن يصليها نفلا.
الأحناف هنا لا يخالفون غيرهم في أن الصلاة لا تصحُّ فرضا، على الرغم من أن الوقت لا يتسع لغير الفريضة، ولا فرق بين هذه الحالة وصوم رمضان.