في مذهب الحنابلة فمن نوى رفع أحد الأسباب وعليه غيره في الوضوء أو الغسل أنه يرتفع سائرها، هذا هو المذهب الصحيح، وقيل لا يرتفع إلا ما نواه (٤).
وفي مذهب الشافعية خمسة أوجه: (٥)
_________________
(١) المجموع (١/ ٣٧٣).
(٢) المجموع (١/ ٣٧٤)، الحطاب على خليل (١/ ٢٣٧)، الذخيرة (١/ ٢٤٦)، الإنصاف (١/ ١٤٥، ١٤٧)، (الأم ١/ ٣٠، ٣١)، (مختصر المزني ١/ ٢٢٥).
(٣) المغني لابن قدامة (١/ ١١١)، المجموع (١/ ٣٧٤).
(٤) المغني (١/ ٢٦٧ - ٢٦٨)، (التوضيح ص ١٩)، الإنصاف (١/ ١٤٩).
(٥) المجموع (١/ ٣٨٥).
[ ١٩٩ ]
الأول: يصح وضوؤه، لأن الأحداث تتداخل، فإذا ارتفع واحد ارتفع الجميع، وهذا أصح الأقوال.
الثاني: لا يصح مطلقا لأنه لم ينو رفع جميع الأحداث.
الثالث: إن نوى رفع الحدث الأول صحّ، وإن نوى ما بعدّه لم يصح، لأنَّ الذي أوجب الطهارة هو الأول دون ما بعده.
الرابع: إن نوى رفع الأخير صحّ وضوؤه وإلا فلا، لأن ما قبل الأخير اندرج فيه.
الخامس: إن اقتصر على نيّة رفع أحد الأحداث صح وضوؤه، وإن نفى غيره فلا.
والصواب في هذه المسألة أن الحدث يرتفع بنيّة رفع واحد من الأحداث التي عليه، لأنه لا يجب عليه أن ينوي رفع حدث معين بل يجزئه أن ينوي رفع الحدث مطلقا، وقد بين المزني -﵀- هذه المسألة غاية البيان، فقال: "ليس على المحدث عندي معرفة أي الأحداث كان منه، وإنما عليه أن يتطهر للحديث، ولو كان عليه معرفة أي الأحداث كان منه، كما كان عليه معرفة أي الصلوات عليه لوجب لو توضأ من ريح ثم علم أنَّ حدثه البول، أو اغتسلت المرأة تنوي الحيض، وإنما كانت جنبا، أو من الحيض، وإنما كانت نفساء، لم يجزىء أحد منهم، حتى يعلم الحدث الذي تطهر منه، ولا يقول بهذا أحد نعلمه" (١).
يوضح هذه المسألة أنَّ الحدث له في اصطلاح الفقهاء معنيان:
الأول: الأسباب الموجبة له، يقال: أحدث إذا خرج منه ما يوجب الوضوء.
الثاني: المنع المرتب على هذه الأسباب، فإنَّ من صدر منه سبب من هذه الأسباب فقد منعه الله من الِإقدام على هذه العبادة حتى يتوضأ.
_________________
(١) مختصر المزني (١/ ٣٠ - ٣١).
[ ٢٠٠ ]
والقصد إلى رفع الحدث الذي هو السبب محال، لاستحالة رفع الواقع فيتعين أن يكون المنوي هو رفع المنع، وإذا ارتفع المنع تثبت الِإباحة.
ولذلك نصَّ جماهير الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة والأحناف على أن من غلط في تحديد سبب الحدث فلا يضرّه ذلك، لأن التحديد غير مراد (١).