نستطيع أن نقّسم الإِرادة غير الجازمة إذا لم تتمثل في فعل من حيث العقاب والإثابة عليها إلى قسمين:
الأول- ما لا ثواب عليه ولا عقوبة فيه:
وهذا يشتمل على المرتبة الأولى والثانية من المراتب التي ذكرها السبكي "الهاجس والخاطر"، ومن الذين نصُّوا على عدم المؤاخذة على الخواطر العزّ بن عبد السلام، وقد علّل ذلك بغلبة الخواطر على الناس (١)، وذكر السبكي الإجماع على عدم المؤاخذة بهما، ونص على أنه لا ثواب عليهما (٢)، إلاّ أَن السبكي جعل "حديث النفس" من هذا القسم، والصواب أن نعدّه من القسم الثاني، لما ورد في بعض الأحاديث من أن فيه الثواب وسيأتي إيضاح ذلك.
الثاني- ما يثاب صاحبه إذا كان خيرا، ولا يعاقب إن كان شرا:
وهذا القسم يضمّ حديث النفس والهمّ، أما الهمّ فلم يختلف العلماء فيه، فالهام بالحسنة إذا لم يفعلها ينال حسنة تامة، والهام بالسيئة لا تكتب عليه سيئة، وينظر: فإن تركها لله كتبت حسنة، وإن تركها لغير ذلك لم تكتب عليه سيئة، كما أنها لا تكتب له حسنة.
والأدلة على ذلك صحيحة صريحة:
فقد روى ابن عباس ﵁: عن النبيِّ -ﷺ- فيما يرويه
_________________
(١) قواعد الأحكام (١/ ١٣٩).
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٣٣).
[ ١٣٩ ]
عن ربه ﷿ قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثمَّ بَينَ ذلك: فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنةً كاملة، فإن هو هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.
ومن همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عده حسنة كاملة، فإنْ هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة" (١).
وهذا الحديث صريح في الدِّلالة على الِإثابة على الهمِّ الخيّر إذا لم يقترن به فعل، وإن كان غير صريح في الدلالة على أن الهام بسوء لا ينال شيئا إذا ترك المعصية لغير خوف الله، وإنما فيه أنَّه ينال حسنة بتركها.
وأكثر صراحة منه حديث أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال: "قالت الملائكة: يا ربّ، ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به- فقال: "ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جراي"، وفي رواية "من أجلي" (٢).
فمفهوم المخالفة لقوله "من جراي"، أو "من أجلي"، أنّه لا تكتب له حسنة إن تركها لغير مخافة الله تعالى.
وقد صرَّح بذلك في الرواية الأخرى "وإذا هم بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه" (٣).
فيفهم من الجمع بين الروايتين أنّه إن ترك المعصية خوفا من الله كتبت له حسنة كاملة، فإن تركها لغير ذلك لم تكتب عليه كما أنّها لا تكتب له.
أما أنَّ "حديث النفس" لا يؤاخذ عليه فلأنه أقلّ رتبة من الهمّ، فإذا كان الهم -وهو أقوى منه - لا عقوبة فيه، فحديث النفس من باب أولى.
_________________
(١) صحيح البخاري: (٣١ - كتاب الرقاق)، انظر الفتح (١١/ ٣٢٣).
(٢) صحيح البخاري: (في كتابي الرقاق والتوحيد).
(٣) صحيح مسلم: انظره بشرح النووي (٢/ ١٤٨).
[ ١٤٠ ]
ويشهد لذلك قوله ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم "، وفي لفظ: "ما حدثت به أنفسها" (١)، وهو اللفظ المشهور.
والوسوسة وحديث النفس متقاربان، إذ المعنى في كليهما: تردّد في النفس من غير اطمئنان إليه واستقرار عليه.
ولم يرد حديث صريح في أن حديث النفس الخير ينال به العبد ثوابا إذا لم يفعل ما حدَّث نفسه به، إلّا أنه يستأنس بقوله ﷺ: "من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق" (٢)، فمفهوم المخالفة أن حديث النفس يدفع النفاق، وذلك لا يكون إلاّ مأجورا عليه.
إلاّ أن يقال: إن المراد بحديث النفس هنا العزم، فنقول: هذا خلاف ظاهر.