النيّة مصدر نوى الشيء ينويه نيّة ونواه، وأصلها نِوْية بكسر النون وسكون الواو، ووزنها فِعْلة، اجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغمت في الياء.
فالنيَّة على ذلك واوية العين يائية الفاء، قال الشاعر: (١)
صَرَمَتْ أمَيْمةُ خُلَّتيِ وَصِلَاتيِ وَنَوَتْ وِّلمَا تَنْتَوي كَنَواتيِ
والنيّة مؤنث النوي، فالنيّة والنوي معناهما واحد (٢).
وذهب الماوردي (٣) إلى أنَّ النيَّة مصدر نأى ينأى، بمعنى بعد، لاختصاصها بأنأى أعضاء الجسد، وهو القلب (٤)، وما ذهب إليه بعيد عن الصواب، لأنَّ عين نأى
_________________
(١) العيني على البخاري (١/ ٢٣).
(٢) تهذيب اللغة (١٥/ ٥٥٦)، وانظر لسان العرب مادة (نوي) (٣/ ٧٥١) ومراد الشاعر في قوله: ونوت ولما تنتوي كنواتي، لم تنو فيَّ كما نويت في مودتها. راجع لسان العرب في الموضع المشار إليه.
(٣) هو علي بن حبيب الماوردي، ولد في البصرة، وانتقل إلى بغداد، وتوفي بها سنة (٤٥٠ هـ)، عالم باحث له تصانيف منها: (أدب الدنيا والدين)، (والأحكام السلطانية)، و(الحاوي) في فقه الشافعية، اشتغل بالقضاء، وجعل أقضى القضاة في أيام القائم بأمر الله العباسي. (شذرات الذهب ٣/ ٢٨٥)، (وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٢)، (الأعلام ٥/ ١٤٦).
(٤) نهاية الإحكام (ص ٧).
[ ٢٠ ]
همز، وعلى ذلك فمصدرها النأي، وإجماع أهل اللغة على أنَّ عين (نيّة) واو (١)، ثم إننا لا نقول: نأيت كذا بمعنى نويته.
والنِيَة بالتخفيف لغة في النيّة (٢)، قال صاحب اللسان: "النيَّة بالتشديد هي النِيَة مخففة" (٣).
ويبدو أنَّ لام الكلمة حذفت على هذه اللغة، وقد أبعد بعض شراح الحديث عندما ذهب إلى أنَّ "النِيَة" بالتخفيف مصدر "ونى، يني"، إذا أبطأ وتأخر، وعلّلوا ذلك بأنَّ النيّة تحتاج في توجيهها وتصحيحها إلى إبطاء وتأخير (٤).
ولم يرتض المحققون من الشرّاح هذا القول وردّوه، يقول العيني: (٥) "هذا بعيد، لأنَّ مصدر ونى يني ونيًا، قال الجوهري: يقال ونيت في الأمر أني ونيًا، أي ضعفت، فأنا وان" (٦).
وفي اللسان: "ونى يني ونيا وونيّا، وونى فهو وان" (٧).
والنيَّة وإن كانت مصدرًا، فإنهَّا تجمع على نيَّات باعتبار تنوعها، فقد تكون النيَّة فعلية موجودة، أو حكمية معدومة. أو باعتبار مقاصد الناوي؛ يقول الطيبي مبينا ما يمكن أن ينويه من أراد أن يفعل شيئًا: "فنيّة العوام في طلب الأغراض مع نسيان الفضل؛ ونيَّة الجهال التحصن عن سوء القضاء ونزول البلاء، ونيَّة أهل النفاق التزين عند الله وعند الناس، ونيَّة العلماء إقامة الطاعات .. " (٨).
_________________
(١) تهذيب اللغة (١٥/ ٥٥٦).
(٢) المصدر السابق.
(٣) لسان العرب (٣/ ٧٥١).
(٤) نقل هذا العيني في شرحه على البخاري (١/ ٢٣)، والصنعاني في العدة (١/ ٥٦).
(٥) هو محمود بن أحمد بن موسى العيني الحنفي، أصله من حلب، وولد في (عينتاب) سنة (٧٦٢ هـ)، من كتبه: (عمدة القاري في شرح صحيح البخاري)، و(مغني الأخيار في رجال معاني الآثار). توفي عام (٨٥٥ هـ). (شذرات الذهب ٧/ ٢٨٦)، (الأعلام ٨/ ٣٨).
(٦) العيني على البخاري (١/ ٢٣).
(٧) لسان العرب (٣/ ٩٩٠).
(٨) دليل الفالحين (١/ ٥٤)، وفيض القدير (١/ ٣٤).
[ ٢١ ]
مدلول "النيّة" في لغة العرب:
الذي ينظر في استعمال العرب لهذه الكلمة يجد أنهَّا تدور في تصاريفها على القصد.
فنجدهم يقولون: "نوى الشيء ينويه نيَّة ونِيَة .. وانتواه: قصده ونوى المنزل، وانتواه كذلك".
ويقولون: "نواك الله بالخير قصدك به، وأوصلك إليه، وقال أعرابي من بني سليم لابن له سمّاه "إبراهيم": ناويت به إبراهيم، أي قصدت قصده، فتبركت باسمه".
ويقولون: "فلان ينوي وجه كذا، أي يقصده من سفر أو عمل، وفي حديث عروة بن الزبير (١) في المرأة البدوية يتوفى عنها زوجها أنَّها تنتوي حيث انتوى أهلها".
وقد يريدون بالنيّة الشيء المقصود إليه: "والنيَّة الوجه الذي يذهب فيه"، وقد يراد بها الشيء الذي يصاحبه القصد أو يسبقه.
"والنوى: التحول من مكان إلى مكان، أو من دار إلى غيرها، كما تنتوي الأعراب في باديتها" (٢).
وقد يراد بالنيّة في اللغة: العزم، يقول صاحب المصباح المنير: "خُصَّت النيّة في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمر من الأمور" (٣).
ويقول صاحب اللسان: "نويت نيّة ونواة، أي عزمت، وانتويت مثله" (٤).
_________________
(١) هو عروة بن الزبير بن العوام، تابعي جليل، وأحد فقهاء المدينة السبعة، اعتزل الفتن التي جرت بين المسلمين، ولادته ووفاته في المدينة (٢٢ - ٩٢ هـ).
(٢) لسان العرب، مادة: "نوي". وما ذكره صاحب اللسان عن عروة ليس حديثًا مرفوعًا، بل ليس من قول عروة ابن الزبير، بل هو قول ابنه هشام، وقد أخرجه الإمام مالك في موطئه، عن هشام بن عروة بن الزبير من قوله، باب الطلاق (رقم ٨٩ ص ٣٦٦).
(٣) المصباح المنير (ص ٦٣٢).
(٤) لسان العرب مادة "نوي".
[ ٢٢ ]