ومن تعظيم العلماء لهذا الحديث أن رغبوا في البداءة به في خطب الدفاتر والمنابر، وفي مجالس الدروس والوعظ.
يقول أبو سعيد عبد الرحمن بن مهدي ﵀: "لو صنفت كتابا بدأت في
_________________
(١) هو جلال الدين: عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق الدين، إمام حافظ مؤرخ أديب له نحو (٦٠٠) مصنف، نشأ في القاهرة يتيما، وتوفي بها (٨٤٩ هـ ٩١١ هـ). (مقدمة طبقات الحفاظ)، (شذرات الذهب ٨/ ٥١).
(٢) هو محمد عند الرؤوف بن علي الحدادي ثم المناوي القاهري، من كبار العلماء بالدّين والفنون، له نحو ثمانين مصنفا، منها: (كنوز الحقائق) في الحديث، و(فيض القدير شرح الجامع الصغير). ولد سنة (٩٥٢ هـ). وتوفي في القاهرة سنة (١٠٣٢ هـ). (الأعلام ٧/ ٧٥).
(٣) فيض القدير (١/ ٣٢) والأشباه والنظائر للسيوطي (ص ١٠).
(٤) العيني على البخاري (١/ ٢٢).
(٥) الأشباه والنظائر (ص ٤٩).
(٦) هو محمد بن علي بن وهب القشيري، من أكابر العلماء بالأصول، أصله من (منفلوط)، وولد في مدينة (ينبع)، سنة (٦٢٥ هـ)، وتعلم في دمشق والإسكندرية والقاهرة، ولي قضاء الديار المصرية، وتوفي في القاهرة سنة (٧٠٢ هـ). (شذرات الذهب ٦/ ٥)، (طبقات الحفاظ ص ٥١٣)، (الأعلام ٧/ ١٧٣).
(٧) إحكام الأحكام مع حاشية الصنعاني (العدة) (١/ ٧٦ - ٧٧).
[ ٩٤ ]
أول كلّ باب منه بحديث "إنما الأعمال" (١)، وأوصى -﵀- بذلك، فقال: "مَنْ أراد أن يصنّف كتابا فليبدأ بهذا الحديث" (٢).
وقد تناقل العلماء وصية هذا العالم الجليل مقرين لها، وآخذين بها، وداعين إخوانهم إلى تطبيقها والالتزام بها.
ومما يشهد لذلك أنَّ عمر بن الخطاب خطب بهذا الحديث على المنبر في المدينة (٣)، وذكر المناوي: أن الخلفاء الأربعة خطوا به على المنابر (٤)، فلما صلح أن يخطبوا به على المنابر، صلح أن يجعل في خطب الدفاتر.
وقد ذكر العيني (٥) أن الرسول -ﷺ- خطب بهذا الحديث بعد هجرته وقدومه المدينة، أما أن الرسول -ﷺ- خطب به فيومىء إليه إحدى روايات الحديث سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: يا أيها الناس: "إنما الأعمال بالنية" (٦)، ففي هذه إشارة إلى أنَّه كان حال الخطبة.
أما أنَّ الحديث كان عند قدومه المدينة فلا يوجد ما يدلّ عليه كما يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني (٧).
إلاّ أن السيوطي ذكر أنه وقع على رواية مصرحة بأن الرسول -ﷺ- قاله عقب وصوله المدينة، أوردها الزبير بن بكار في أخبار المدينة (٨).
_________________
(١) المجموع (١/ ٢٨)، (العيني على البخاري (١/ ٢٢) منتهى الآمال (٥/ ب).
(٢) نقل هذا القول عنه البخاري والترمذي، انظر العدة (١/ ٦٢)، وانظر المصادر السابقة.
(٣) رواه البخاري عن علقمة بن وقاص الليثي، قال سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول. فذكره.
(٤) فيض القدير (١/ ٢٩)، ولكنه لم يذكر مصدرا معتمدا يصدق ما أورده، ويرد قوله أن المحدثين قد أجمعوا على أن الحديث لم يروه غير عمر بن الخطاب عن الرسول -ﷺ - فيما وصل إلينا بطريق صحيح.
(٥) العيني على البخاري (١/ ١٧).
(٦) رواه البخاري في صحيحه في باب ترك الحيل.
(٧) فتح الباري (١/ ١٠).
(٨) الرواية التي أوردها الزبير بن بكار، وذكرها السيوطي غير صحيحة، لما سبق بيانه أن هذا الحديث لم يروه عن الرسول -ﷺ - فيما وصل إلينا بإسناد صحيح إلا عمر بن الخطاب، وسيأتي تحقيق ذلك.
[ ٩٥ ]
ومناسبة الخطبة لهذا الحديث أول قدوم الرسول -ﷺ- المدينة، كما يقول السيوطي: "أن الأحكام، وغالب العبادات إنّما شرعت بعد الهجرة، وكلُّها متوقفة على النيّة، والنيّة محلّها أول كلّ عمل، فبدأ -ﷺ- ببيان النيّة للإشارة إلى وجوب تقديمها على كل عمل من الأعمال، وأنها أول الأركان" (١).
وممن عمل بوصية ابن مهدي الِإمام البخاري رحمه الله تعالى، فإنَّه بدأ جامعه الصحيح الذي هو أصح كتاب في الحديث، وهو أصح كتاب بعد كتاب الله - بحديث "إنما الأعمال بالنيات".
ومنهم تقي الدين عند الغني المقدسي الجماعيلي (٢) في كتابه (عمدة الأحكام) وقد شرح هذا الكتاب ابن دقيق العيد في "إحكام الأحكام".
وابتدأ به السيوطي جامعه الصغير مع أنه ليس على وفق ترتيبه.
والنووي ابتدأ كتابه "المجموع" به، قال: "وإنما بدأت به تأسيا بأئمتنا ومتقدمي أسلافنا" (٣).
وقام السيوطي بشرح هذا الحديث في كتاب كامل (٤)
وألف في النيّات جماعة من العلماء (٥).
_________________
(١) منتهى الآمال (٥/ ب، ٦/أ).
(٢) هو عبد الغني بن عبد الواحد، ولد بجماعيل قرب نابلس، سنة (٥٤١ هـ)، وانتقل إلى دمشق صغيرا، ونبغ في الحديث ورجاله، له (الكمال في أسماء الرجال)، و(عمدة الأحكام في كلام خير الأنام)، توفي بمصر سنة (٦٠٠ هـ) راجع: (تذكرة الحفاظ ٤/ ١٣٧٢)، (شذرات الذهب ٤/ ٣٤٥)، و(طبقات الحفاظ ص ٤٥٨).
(٣) المجموع (١/ ٢٨).
(٤) الكتاب هو: منتهى الآمال شرح حديث: "إنما الأعمال"، وهو لا يزال مخطوطا حتى إعداد هذا البحث.
(٥) منهم القرافي له كتاب: "الأمنية في إدراك النية"، وللقرافي كلام طويل في كتابه الذخيرة في باب الوضوء، ومنهم ابن تيمية له كتاب في شرح حدث "إنما الأعمال"، ولأحد تلاميذ ابن حجر كتاب بعنوان الأجوبة الزكية عن تأخر العمل وتقدم النية، وممن شرح حديث "إنما الأعمال" إبراهيم الكوراني، ومحيي الدين محمد بن سليمان المتوفى ٨٧٥ هـ، ومحمد عارف الدمشقي المتوفى في القرن الماضي، ولمحمد الطاهر بن عاشور كتاب مقاصد الشريعة.
[ ٩٦ ]
وكل هذا يدل على مدى اعتناء العلماء بها، حتى أن عبد الله بن أبي جمرة (١) لعظم معرفته بشأن النيّات تمنى على العلماء أن يتخصص بعضهم في هذا الأمر كي يعلم الناس ويرشدهم، يقول: "وددت أنه لوكان من الفقهاء من ليس له شغل إلاّ أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد إلى التدريس في أعمال النيّات ليس إلاّ، فإنّه ما أتي على كثير من النَّاس إلاّ من تضيع ذلك" (٢).
وقال الثوري (٣) ﵀: "كانوا يتعلمون النية للعمل كما تتعلمون العمل" وقال بعض العلماء: "اطلب النية للعمل قبل العمل، وما دمت تنوي الخير فأنت بخير" (٤).