لا تصح النية في بداية الليل، فلو نوى قبل دخول الليل بلحظة لم يصح (٤)،
_________________
(١) مختصر المزني (٢/ ٦).
(٢) المحلى (٦/ ١٦٤).
(٣) فتح الباري (٤/ ١٤٢).
(٤) المجموع (٦/ ٣٣٢).
[ ١٨٦ ]
وفي مذهب الحنابلة (١) "إن نوى من النهار صوم الغد لم تجزئه تلك النية إلاّ أن يستصحبها إلى جزء من الليل. وقد روى سعيد بن منصور عن أحمد: من نوى الصوم عن قضاء رمضان بالنهار، ولم ينو من الليل فلا بأس، إلا أن يكون فسخ النية بعد ذلك، فظاهر هذا حصول الإجزاء بنيّة من النّهار، إلاّ أن القاضي قال: هذا محمول على من استصحب النية إلى جزء من الليل، وهذا صحيح ظاهر، لقوله ﵇: "لا صيام لمن لم يبيّت النيّة من الليل".
وكما لا تصح النية قبل الغروب لا تصح بعد انقضاء الليل ولو بلحظة، خلافا لأبي حنيفة كما سبق، وهل تصح مع الفجر؟ قال النووي: الصحيح لا تصح، لأنَّ أول وقت الصوم يخفى، فوجب تقديم النيّة عليه، بخلاف سائر العبادات (٢).
والليل كلّه محل للنيّة، وقد خطَّأ علماء الشافعية وغيرهم أبا الطيب أسامة من الشافعية فيما ذهب إليه من أن النية لا تصح إلَّا بعد منتصف الليل، قال النووي: "واتفق أصحابنا على تغليطه" (٣).
وقد قاس أبو الطيب الصوم على أذان الصبح والدفع من مزدلفة.
قال النووي: وهو قياس عجيب، وأي علّة تجمعهما؟ ولو جمعتهما علّة فالفرق ظاهر، لأن اختصاص الأذان والدفع بالنصف الثاني لا حرج فيه، بخلاف النيّة، فقد يستغرق كثير من الناس النصف الثاني بالنوم، فيؤدي إلى تفويت الصوم، وفي هذا حرج شديد لا أصل له (٤).
ومما يدل على خطئه أن قوله ﷺ: "لا صيام لمن لم يبيت الصوم من الليل" ليس فيه هذا التحديد الذي حدّه، بل يفهم منه أن من نوى في أي جزء من الليل صح صومه.
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٣/ ٩٣).
(٢) المجموع (٦/ ٣٣٢).
(٣) المجموع (٦/ ٣٣٢).
(٤) المصدر السابق.
[ ١٨٧ ]
ومما يدل على بطلان قياسه أنَّ الأذان والدفع من مزدلفة "يجوزان بعد الفجر بخلاف نيّة الصوم، ولأن اختصاصهما بالنصف الأخير بمعنى تجويزهما فيه، واشتراط النية بمعنى الإيجاب والحتم وفوات الصوم بفواتها، وهذا فيه مشقة ومضرة بخلاف التجويز، ولأن معهما في النصف الأول لا يفضي إلى اختصاصهما بالنصف الأخير لجوازهما بعد الفجر، والنية بخلافه".