واتفق العلماء أمثال الشافعي وأحمد وابن المديني (٣) وأبي داود (٤) والدارقطني (٥) والبيهقي (٦) وغيرهم على عدّه ربع الِإسلام أو ثلثه أو نصفه.
_________________
(١) صحيح مسلم. انظر شرح النووي (٧/ ١١٠)، وسنن النسائي: (زكاة ٤٧)، ومسند أحمد (٢/ ٣٢٢، ٣٥٠).
(٢) صحيح البخاري ومسلم وغيرهما (انطر الملحق).
(٣) هو علي بن عبد الله بن جعفر السعدي بالولاء، المديني البصري محدّث مؤرخ، حافظ عصره، له نحو مائتي مصنف، ولد بالبصرة سنة (١٦١ هـ)، وتوفي بسامراء سنة (٢٣٤ هـ)، من كتبه (الأسامي والكنى) و(الطبقات)، و(قبائل العرب)، و(التاريخ). (تهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٩)، (خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ٢٥٣)، (طبقات الحفاظ ص ١٨٤)، (الأعلام ٥/ ١١٨).
(٤) هو سليمان بن الأشعث أصله من سجستان، ولد سنة (٢٠٢ هـ)، وتوفي بالبصرة سنة (٢٧٥ هـ)، إمام أهل الحديث في زمانه، وكتابه (السنن) أحد الكتب الستة المعتمدة في الحديث. (طبقات الحفاظ ص ٢٦)، (خلاصة تذهيب الكمال ١/ ٤٠٨) (الكاشف ١/ ٣٩٠).
(٥) هو علي بن عمر الدارقطني نسبة إلى الحي الذي ولد فيه (دار قطن) ببغداد، حافظ عصره في الحديث، له كتاب (السنن)، و(المؤتلف والمختلف)، ولد سنة (٣٠٦ هـ)، وتوفي سنة (٣٨٥ هـ).
(٦) أحمد بن حسين بن علي من أئمة الحديث، ولد بنيسابور سنة (٣٨٤)، ورحل إلى بغداد ثم الكوفة ومكة، له تصانيف كثيرة أشهرها: (السنن الكبرى)، و(السنن الصغرى)، و(الأسماء والصفات). توفي في سنة (٤٥٨ هـ). ترجمته في (شذرات الذهب ٣/ ٣٠٤)، (طبقات الحفاظ ص ٤٣٣). (وفيات الأعيان ١/ ٧٥)، (الأعلام ١/ ١١٣).
[ ٩٠ ]
فهذا أبو داود صاحب السنن يقول: "كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما تضمنه هذا الكتاب "يعني كتاب السنن" جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث، ويكفي الِإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله -ﷺ: "إنّما الأعمال بالنيّات" (١).
والثاني: قوله ﷺ "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (٢).
ْوالثالث: قوله ﷺ: "لا يكون المؤمن مؤمنا حتى لا يرضى لأخيه إلاّ ما يرضى لنفسه" (٣).
والرابع: قوله ﷺ: "الحلال بيّن والحرام بيّن" (٤).
وفي رواية أخرى عن أبي داود قال: أصول السنن في أربعة أحاديث: وذكرها إلاّ أنّه جعل حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس يحبك النّاس" (٥) أحد هذه الأصول.
وقد وافق الدارقطني أبا داود في روايته الأخيرة فعدّها أربعة وهي نفس الأحاديث التي أوردها أبو داود (٦).
وعدّها ابن المديني وابن مهدي (٧) أربعة أيضا (٨)، ولكن خالفوا في ذكر بعض الأحاديث، فهم يرون أن أصول الأحاديث الأربعة هي حديث: "إنما الأعمال"،
_________________
(١) البخاري ومسلم وكتب السنن.
(٢) قال ابن رجب: أخرجه الترمذي وابن ماجه وحسنه النووي (جامع العلوم ص ١٠٥).
(٣) الحديث المشهور "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، رواه البخاري ومسلم (جامع العلوم ص ١١١).
(٤) عزاه ابن رجب إلى البخاري ومسلم (جامع العلوم ص ٦٣).
(٥) روايتا أبي داود أوردهما ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٦)، والرواية الأولى أوردها العيني (١/ ٢٢)، وصاحب إرشاد الساري (١/ ٥٦).
(٦) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٩).
(٧) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان البصري، من كبار حفاظ الحديث ببغداد. مولده ووفاته بالبصرة (١٣٥ - ١٩٨ هـ)، قال الشافعي: "لا اعرف له نظيرا". (تهذيب التهذيب ٦/ ٢٧٩)، (خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ١٥٤)، (طبقات الحفاظ ص ١٣٩)، (الأعلام ص ١٣٩).
(٨) الأشباه والنظائر للسيوطي (ص ٩).
[ ٩١ ]
وحديث: "لا يحلُّ دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث" (١)، وحديث: "بني الإسلام على خمس" (٢)، وحديث "البينة على المدَّعي، واليمين على من أنكر" (٣).
وواضح أن مرادهم من كون حديث "إنما الأعمال" ربع الإسلام: أنَّه أحد أربعة أحاديث عليها مدار الإسلام.
والِإمام أحمد يرى أن حديث "إنَّما الأعمال" أحد قواعد الِإسلام ولكنَّه عدَّ الأحاديث التي هي قواعد الِإسلام ثلاثة، حديث:"إنّما الأعمال".
وحديث: "الحلال بيّن والحرام بيّن" (٤)، وحديث "مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٥).
ووجه ما قاله الإِمام أحمد أنَّ الدين فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه، فحديث "الحلال بيّن، والحرام بيّن" فيه بيان ما نهى الله عنه.
والذي أمر به نوعان:
أحدهما: العمل الظاهر، وهو ما كان واجبا أو مستحبا.
الثاني: العمل الباطن، وهو إخلاص الدّين لله.
فقوله: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ" ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب أو استحباب.
وقوله: "إنّما الأعمال بالنيّات" يبين العمل الباطن، وأنَّ التقرب إنّما يكون بالِإخلاص في الدّين لله" (٦).
_________________
(١) عزاه النووي إلى البخاري ومسلم (جامع العلوم ص ١١٥).
(٢) عزاه ابن رجب إلى البخاري ومسلم (جامع العلوم ص ٤٠).
(٣) قال النووي: "حديث حسن رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين" (جامع العلوم ص ٢٩٤).
(٤) عزاه ابن رجب إلى البخاري ومسلم (جامع العلوم ص ٦٣).
(٥) قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (ص ٥٦): هذا الحديث خرجاه في الصحيحين.
(٦) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٨/ ٢٤٩)، وممن نقل عن الإمام أحمد أنه عدّها ثلث الإسلام ابن حجر في الفتح (١/ ١٠)، والمناوي في فيض القدير (١/ ٣٢)، والسيوطي في الأشباه (ص ٩).
[ ٩٢ ]
ووجّه البيهقي كون حديث "إنما الأعمال" ثلث العلم بأنَّ كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنَّها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها محتاج إليها (١).
وقد يقال إنَّ القول مندرج في العمل الظاهر، وبذا يكون الحديث نصف العلم لا ثلثه، وهذا منقول عن الإِمام الشافعي ﵀، قال: "يدخل فيه نصف العلم" ووجه ما قاله: "أن للدّين ظاهرا وباطنا، والنيّة متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، والنيّة عبودية القلب والعمل عبودية الجوارح" (٢).
والذي يلفت النظر أنَّ العلماء وإن اختلفوا في تحديد الأحاديث التي هي قواعد الإسلام ومدار الدين، وفي تعليل كونها كذلك، إلاّ أنّهم اتفقوا جميعا على أن حديث "إنما الأعمال" أحد قواعد الإسلام، وأصل من أصوله (٣). بل هو كما يقول النووي: "أعظم هذه الأحاديث" (٤).