للعلماء في وقت النيّة في الطهارة أقوال:
الأول: قال فريق بوجوب مقارنة النية لأول الطهارة.
وقد صرح كثير من الشافعية والمالكية بأن الواجب اقتران النية بأول واجبات الطهارة، ففي الوضوء مثلا يجب اقترانها بغسل الوجه (١)، غير أنّهم لا حظوا أنّه يلزم على قولهم هذا أن تعرى سنن الطهارة المتقدمة عن أول الواجبات عن النّية، لذا قال بعضهم: ينوي المتوضىء مرتين: مرّة عند ابتداء وضوئه، ومرة عند غسل وجهه (٢).
وقال آخرون: ينوي عند أوّل المستحبّات ويستصحب النية إلى أول الواجبات.
وقد بين ابن العربي حجّة القائلين بالاقتران فقال: "محل النيّة أن تكوت مقترنة مع أوّل العبادة وضوءا أو صلاة ، لا يجوز قبلها ولا بعدها: لأن القصد بالفعل -حقيقته- أن يقترن به، وإلا لم يكن قصدا له، فنية الوضوء مع أوّل جزء منه" (٣).
_________________
(١) إرشاد الساري للقسطلاني (١/ ٥٤)، فإنه يرى أن وقتها أوّل الفرض، الحطاب على خليل (١/ ٢٣٥)، التاج والإكليل (١/ ٢٣٠).
(٢) الحطاب على خليل (١/ ٢٣٥)، التاج والإكليل (١/ ٢٣٠). وممن قال بالنيّتين الجويني والقفال، واستحسنه الروياني، انظر المجموع (١/ ٣٦٨).
(٣) أحكام القرآن (٢/ ٥٦٣).
[ ١٥٩ ]
الثاني: وذهب فريق آخر إلى وجوب تقدّمها على الطهارة، قالوا: "لأنها شرط لها، فيعتبر وجودها في جميعها، فإن وجد شيء من واجبات الطهارة قبل النية لم يعتدّ به" (١)، "ويلزم في مقارنة النيّة للعمل أن يكون أول العمل خاليا من نية" (٢).
وهؤلاء الموجبون لتقدم النية انقسموا إلى قسمين:
أ- قسم أجاز تقدّمها على أول الطهارة بزمن يسير، وهم الحنابلة، يقول ابن قدامة: "ويجوز تقديم النيّة على الطهارة بالزمن اليسير كقولنا في الصلاة، وإن طال الفصل لم يجزه ذلك" (٣).
ويقول في الإنصاف: "يجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة، وأول واجباتها المضمضة والتسمية، ويجوز تقديمها بزمن يسير بلا نزاع، ولا يجوز بزمن طويل على الصحيح من المذهب" (٤).
وذهب بعض العلماء منهم الآمدي إلى أنه يجوز التقديم بزمن طويل ما لم يرفضها، ومن الذين جوّزوا تقديم النية الأحناف.
يقول ابن عابدين (٥): "زمن النيّة أول العبادات، ولو حكما، كما لو نوى الصلاة في بيتة، ثم حضر المسجد، وافتتح الصلاة بتلك النية"، ويقول في وقت نية الوضوء: "وقت نيّة الوضوء عند ابتداء الوضوء، حتى قبل الاستنجاء، لأن الاستنجاء من سنن الوضوء" (٦).
ب - وذهب أبو محمد ابن حزم إلى أنَّ "النية لا تجزىء في الوضوء، ولا في غيره
_________________
(١) ابن قدامة في المغني (١/ ١١٢).
(٢) ابن حزم في المحلى (١/ ٧٧، ٤/ ٢٣١).
(٣) المغني لابن قدامة (١/ ١١٢).
(٤) الإنصاف للمرداوي (١/ ١٥٠).
(٥) هو محمد أمين بن عمر بن عابدين الدمشقي، فقيه الديار الشامية، وإمام الحنفية في عصره، مولده ووفاته في دمشق (١١٩٨ - ١٢٥٢ هـ)، له (ردّ المحتار على الدّر المختار)، (نسمات الأسحار على شرح المنار). ترجمته في (الأعلام ٦/ ٢٦٧).
(٦) حاشية ابن عابدين (١/ ٨٠).
[ ١٦٠ ]
من الأعمال إلاّ قبل الابتداء بالوضوء أو بأيّ عمل كان متصلة بالابتداء به، لا يحول بينهما وقت قل أم كثر" (١).
وحجة ابن حزم أن القائل بجواز الفصل بين النيَّة والعبادة يلزمه أحد أمرين:
الأول: أن يجيز بلا حدٍّ محدود، فيجيز أن يكون الفصل سنة أو سنتين.
الثاني: أن يحدَّ حدا برأيه لم يأذن به الله (٢).
القول الثالث: وذهب فريق إلى جواز المقارنة والتقديم.
منهم الشافعي قال في الأم: "وإذا قدَّم النية مع أخذه في الوضوء أجزأه الوضوء، فإن قدمها قبل ثم عزبت عنه لم يجزه" (٣).
ونلاحظ أنَّ الشافعي يجيز التقديم المتصل بشرط ألّا تعزب النية.
كذلك جوز بعض المالكية التقديم، منهم ابن القاسم، أجاز تقديمها عندما يأخذ في أسباب الطهارة بذهابه إلى الحمام، أو النهر، بخلاف الصلاة، وخالفه سحنون (٤) في الحمام ووافقه في النهر. وفرّق: بأن النهر لا يؤتى غالبا إلاّ لذلك فتميزت العبادة فيه، بخلاف الحمّام فإنَّه يؤتى لذلك، ولإزالة الدرن، والرفاهية غالبة فيه، فلم يتميز للعبادة (٥).
وقال الخطاب (٦): "وفي تقدمها بيسير خلاف، أي القولان مشهوران، قال ابن بشير: المشهور الصحة" (٧).
_________________
(١) المحلى لابن حزم (١/ ٧٧، ٤/ ٢٣١).
(٢) المصدر السابق.
(٣) الأم للشافعي (١/ ٢٥).
(٤) هو عبد السلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، قاض فقيه، انتهت إليه رياسة العلم في المغرب، كان زاهدا لا يخشى في الله لومة لائم، مولده ووفاته بالقيروان (١٦٠ - ٢٤٠ هـ). راجع: (الأعلام ٤/ ١٢٩).
(٥) الذخيرة (١/ ٢٤٣).
(٦) هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن الطرابلسي فقيه مالكي، أصله من المغرب، ولد واشتهر بمكة، وتوفي بطرابلس سنة (٩٥٤ هـ)، من كتبه (مواهب الجليل في شرح مختصر خليل). ترجمته في (الأعلام ٧/ ٢٨٦).
(٧) الخطاب (١/ ٢٣٥).
[ ١٦١ ]
أقول: وهذا (القول الثالث) مذهب قوي إذ لم يأت القائلون بوجوب المقارنة أو التقديم بدليل يعتمد عليه.
[ ١٦٢ ]