لو أراد أحدنا أن يحصي ما يستطيع تحقيقه من الإِرادات التي تثور في قلبه، لوجد أن الذي يتحقق منها نسبة ضئيلة بجانب ما لا يستطيع تحقيقه.
ولا نريد بالنيّات التي تدخل في الِإحصاء تلك الخواطر العابرة، وأحاديث النفس المارة، بل نريد تلك النيّات التي بلغت مرتبة العزم والتصميم.
والسبب في قلة الإِرادة التي نستطيع تحقيقها: أنَّ الأعمال التي نروم تحقيقها لا تتوقف على مجرد إرادتنا لها، فهناك حوائل ذاتية وخارجية تمنعنا من تحقيق ما نعزم على فعله، فالأجساد قد تضعف عن تحقيق المراد بسبب عظم المراد كما قال الشاعر:
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
وقد يمنع المرء من تحقيق مراده مرض مسهد، أو هرم مقعد، أو فقر مجهد، أو عدو قاطع للطريق، أو ظالم يحبسه في داره.
هذه الموانع والحوائل الذاتية والخارجية التي تمنعنا من كثير من الأفعال الخيّرة التي تقربنا إلى ربنا وترفع منزلتنا عنده، لا تمنع النية من التحقق والوجود، إذ النيّة طليقة من القيود التي تكبل الأجساد.
النية عمل القلب، والقلب لا سلطان عليه لغير صاحبه:
إنْ يسْلُب الْقَوْمُ العِدَا مُْلـ كِي وَتسْلِمُنِي الجْمُوع
فَالْقلْبُ بَيْنَ ضُلو عِهِ لَمْ تُسْلِمِ القَلَبَ الضُّلُوع
[ ٨٣ ]
فمهما ضعفت الأجساد، ومهما اشتدَّ ظلم الظالمين فقلب الِإنسان يبقى حرا طليقا، يتوجه إلى الله في السراء والضراء راغبا راهبا، يريده بالخير، ويقصده بالطاعة.
ولكن ما قيمة النيّة التي لا نستطيع تحقيقها في واقع الأمر؟ هل يثيبنا أصحاب الأعمال الدنيوية إذا نحن قصدنا أن نحقق أعمالهم، ولكننا لم نستطع أن نفعل ذلك في الواقع بسبب حوائل قاهرة؟
نخطىء خطأ فادحا إذا سوينا بين المقاصد التي نتجه بها إلى ربِّ البرية، والمقاصد التي نقصد بها العباد، فالنيّة التي نريد بها أعمال النّاس ولا نستطيع تحقيقها لا يعترف الغالبية العظمى من النّاس بها، ولا يجزون عليها، ولا يعترفون إلاّ بما تحقق منها في واقع الأمر، وإن كان بعض الذين نبل معدنهم، وسمت نفوسهم يقدِّرون ذلك، ويعظمونه، كما قال الشاعر:
لأشْكُرنَّكَ مَعْرُوفًا هَمَمْتَ بِه إنَّ اهْتِمَامَكَ بِالْمَعَروفِ مَعْروف أما النيّة التي نريد بها العمل الصالح الذي فرضه الله علينا ابتغاء رضوان الله فلها قيمة كبيرة عند الله، بل هي محلّ نظر الله -سبحانه- كما قال تعالى مبيّنا أهمية العمل الباطن: ﴿لَنْ يَنَالَ اللهَ لَحُوُمها وَلاَ دِمَاؤُها، وَلَكنْ يَنَالُهُ التقْوَى منْكُمْ﴾ (١).
فالله ينظر إلى حقيقة العمل الذي في القلب لا إلى صورته.
ولذا فإنَّ العبد الذي ينوي نيَّة صادقة ولا يستطيع تنفيذها في الواقع ينال ثواب الناوي الفاعل لما نوى، ففي الحديث: "من سأل الله الشهادة بصدق بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" (٢).
_________________
(١) سورة الحج / ٣٧.
(٢) رواه مسلم في صحيحه (١٣/ ٥٥، ٥٦ مسلم بشرح النووي)، ورواه أبو داود في كتاب الصلاة باب الوتر (٢/ ١١٤)، والنسائي في كتاب الجهاد، باب تمني القتل في سبيل الله (٦/ ٣٧)، وابن ماجه في كتاب الجهاد، باب القتال في سبيل الله (٢/ ٩٣٥).
[ ٨٤ ]
وتوفي أحد الصحابة في عهد الرسول -ﷺ- وكان قد تجهَّز للخروج للحرب وقتال الكفار، فقالت ابنته متحسِّرة: "إن كنت لأرجو أن تكون شهيدا، قد كنت قضيت جهازك". فقال الرسول -ﷺ-: "قد أوقع الله أجره على قدر نيته" (١).
وتخلف رجال في غزوة تبوك، كانوا يتحرَّقون شوقا إلى صحبة الرسول -ﷺ- في تلك المعركة، ولكن حبسهم العذر، بعضهم لم يكن عنده الزاد والراحلة، ولم يجد الرسول -ﷺ- ما يحملهم عليه، وبعضهم لعلَّه كان مريضا، ومنهم من تخلف عن الرسول -ﷺ- ليَليَ شؤون المدينة، ويقوم على حمايتها، فأخبر الرسول -ﷺ- أصحابه الذين كانوا معه في تلك الغزوة أن أولئك المتخلفين المعذورين يشاركونهم في الأجر، ونصّ كلامه -ﷺ- فيهم: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم العذر" (٢).
وقد أشار القرآن إلى مساواة أصحاب الأعذار للمجاهدين إذا منعهم الضرر من المسير والحرب والطعان، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولي الضَّرَرِ، وَالْمُجَاهِدونَ فِي سبِيل الله بأَمْوالِهمْ وَأنفُسهِمْ﴾ (٣).
وقد نزلت هذه الآية كما يقول ابن كثير أولا بدون "أُولي الضَّرَرِ" وكان عند الله ابن أمّ مكتوم قريبا من الرسول -ﷺ- فقال: أَنا ضرير، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت، فنزلت: ﴿غيْرُ أولي الضَّرَر﴾ (٤)، فالآية كما يقول ابن كثير، ويرويه عن ابن عباس (٥): تدلُّ على أنَّ "أولي الضرر" يساوون
_________________
(١) رواه النسائي في سننه (٤/ ١٤)، ومالك في موطئه (كتاب الجنائز ٣٦)، وأحمد في مسنده (٥/ ٤٤٦)، ورواه ابن حبان والحاكم، وإسناده صحيح.
(٢) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. انظر مسلم بشرح النووي (١٣/ ٥٦)، كنز العمال (١/ ٢٤٢).
(٣) سورة النساء / ٩٥.
(٤) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٦٦)، والحديث تفرد بروايته البخاري دون مسلم كما يقول ابن كثير.
(٥) هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، ابن عم الرسول صلى الله عيه وسلم، حبر هذه الأمة، وترجمان القرآن، دعا له الرسول -ﷺ-، وشهد له الصحابة، وأدخله عمر في مجلس الشورى مع كبار الصحابه، توفي بالطائف سنة (٦٨ هـ). (خلاصة تذهيب الكمال ٢/ ٧٠)، (طبقات الحفاظ ص ١٠) (الأعلام ٤/ ٢٢٨).
[ ٨٥ ]
المجاهدين، ما دام الضَّرر قاهرا، والنية مستقرة في القلوب (١).
فإذا صدقت النيّات من العباد، وحالت دون القيام بالعمل المراد الحوائل. فإن صاحب النية يعدّ في عداد العاملين، وما أحسن قول القائل: (٢)
يَا رَاحليِنَ إلى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسومًا وَسِرنَا نَحْنُ أَرْواحا
إِنَّا أَقَمْنَا عَلَى عُذْر وَعَنْ قَدَرٍ وَمَنْ أَقَامَ عَلَى عُذرٍ فَقَدْ رَاحَا
وقد مضى ذكر الحديث الذي يخبر فيه الرسول -ﷺ- "أنَّ الدنيا لأربعة نفر"، وفيه أن الذي لا يملك المال ثم يتمنى أن يكون كفلان الغني كي ينفق ويتصدّق مثله فإنّه يستوي مع الغني المنفق في الأجر والثواب، قال فيه الرسول -ﷺ-: "فهما في الأجر سواء"، وقال في الفقير الذي يريد مثل مال الغني الجائر الظالم الذي ينفق المال في الذنوب والمعاصي، ليفعل مثل فعله- قال فيه: "هما في الوزر سواء" (٣).
والعبد الذي ينوي استدامة عبادة من العبادات كصلاة الليل، أو صيام أيام من كل شهر أو من كل أسبوع، ثم يغلبه على هذه العبادة أمر ما، كأن يغلبه النوم، أو يشغله السفر أو المرض، يكتب له ما كان يعمله، فعن عائشة أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: "ما من امرىء تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلاّ كتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقة عليه" (٤).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٦٧).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٦٨).
(٣) رواه الترمذي فى سننه (كتاب الزهد: ١٧). ورواه ابن ماجه في سننه: كتاب الزهد، باب النية (٢/ ١٤١٣)، وأحمد في مسنده (٤/ ٢٣٠، ٢٣١).
(٤) رواه النسائي في السنن: كتاب قيام الليل، باب من كان له صلاة بالليل فغلبه عليها نوم (٣/ ٢٥٧)، ورواه مالك في موطئه: كتاب صلاة الليل، باب ما جاء في صلاة الليل (ص ٩٣)، وأبو داود في سننه: كتاب صلاة التطوع، باب من نوى القيام فنام (٢/ ٤٧).
[ ٨٦ ]
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي موسى الأشعري (١)، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له بمثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" (٢).
وروى عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ: "إن العبد إذا كان على طريقة حسنة من العبادة، ثم مرض، قيل للملك الموكل به: اكتب له مثل عمله إذا كان طليقا، حتى أطلقه، أو أكفته إليّ" (٣).
وعن أنس أنّ رسول الله -ﷺ- قال: "إذا ابتلي المسلم ببلاء في جسده، قيل للملك: اكتب له صالح عمله الذي كان يعمل، فإن شفاه غسله وطهره، وإن قبضه غفر له ورحمه" (٤).
من أجل ذلك كان عمل الرسول -ﷺ- ديمة، ففي الحديث المتفق عليه عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: "أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها، وإن قل" (٥).