الإمام مالك -رحمه الله تعالى- لا يجيز صوم النفل إلا بنية من الليل كالفرض،
_________________
(١) المجموع (٦/ ٣٣٢).
(٢) بدائع الصنائع (٢/ ٨٥)، تحفة الفقهاء (١/ ٥٣٤).
[ ١٨٨ ]
وقال بهذا القول غير مالك عبد الله بن عمر، وزفر من الأحناف، وداود الظاهري، وتابعه ابن حزم، وبه قال المزني (١) من الشافعية، ونقل ابن المنذر عن مالك أنه استثنى من يسرد الصوم، فصحح نيّته من النهار (٢)، وحجة هؤلاء قوله -ﷺ-: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
وذهب جماهير العلماء إلى أنَّ صوم النفل يصح بنية من النهار، وبذلك قال علي بن أبي طالب (٣)، وابن مسعود وحذيفة بن اليمان، وطلحة، وابن عباس، وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي، وسعيد بن المسيب (٤)، وسعيد بن جبير، والنخعي، وآخرون (٥). وقال ابن حزم: "قال بهذا جمهور السلف" (٦).
واحتج هؤلاء بحديث عائشة -﵂- قالت: "دخل النبي -ﷺ- ذات يوم، فقال: "هل عندكم شيء؟ " قلنا: لا. قال: "فإنّي إذن صائم" (٧) وفي رواية قال: "إذن أصوم" (٨).
وروى البيهقي والشافعي بالإسناد الصحيح عن حذيفة أنه بدا له الصوم بعد ما زالت الشمس (٩).
_________________
(١) هو إسماعيل بن يحيى المزني صاحب الإمام الشافعي من أهل مصر، وكان زاهدا عالما قوي الحجة، من كتبه (الجامع الكبير)، و(الجامع الصغير)، نسبته إلى مزينة من مضر. ولد سنة (١٧٥ هـ)، وتوفي سنة (٢٦٤ هـ). راجع: (وفيات الأعيان ١/ ٢١٧)، (الأعلام (١/ ٣٢٧).
(٢) المجموع (٦/ ٣٣٩).
(٣) هو علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله -ﷺ -، وزوج ابنته فاطمة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومن أكابر الخطباء والعلماء بالقضاء، توفي شهيدا سنة (٤٠ هـ). راجع: (خلاصة تهذيب الكمال ٢/ ٢٥٠)، (الكاشف ٢/ ٢٨٧)، (طبقات الحفاظ ص ٤).
(٤) هو سعيد بن المسيب بن حزن المخزومي القرشي، من كبار التابعين، وأحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ولد سنة (١٣ هـ)، وتوفي سنة (٩٤ هـ). راجع: (خلاصة تذهيب الكمال ١/ ٣٩٠)، (طبقات الحفاظ ص ١٧)، (الكاشف ١/ ٣٧٢).
(٥) المجموع (٦/ ٣٩٩)، وانظر المغني (٣/ ١٩٦)، والمحلى (٦/ ١٧٢).
(٦) المحلى (٦/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٧) رواه مسلم (مشكاة المصابيح ١/ ٦٤٣).
(٨) رواه البيهقي.
(٩) المجموع (٦/ ٣٣٩).
[ ١٨٩ ]
قالوا: حديث تبييت النية عام، فنخصه بما ذكرناه جمعا بين الأحاديث.
ومع أن ابن حزم روى حديث عائشة السابق، وروى عن عشرة من الصحابة أنهم كانوا يعزمون على صوم النفل في النَّهار -إلاّ أنّه لم يقل بجواز صيام النفل بنية من النهار، قال: "لأنّه ليس في الحديث أنَّه -﵇- لم يكن نوى الصيام من الليل، ولا أنَّه -﵇- أصبح مفطرا ثم نوى الصوم بعد ذلك، ولو كان هذا في ذلك الخبر لقلنا به، لكن فيه أنَّه -﵇- كان يصبح متطوعا صائما ثم يفطر، وهذا مباح عندنا ، فلما لم يكن في الخبر ما ذكرنا، وكان قد صحَّ عنه ﵇: "لا صيام لمن لم يبيته من الليل "، لم يجز أن نترك هذا اليقين لظن كاذب، ولو أنه -﵇- أصبح مفطرا ثمَّ نوى الصوم نهارا لبينه" (١).
وتابع الصنعانيُّ من المتأخرين ابنَ حزم فيما ذهب إليه، فبعد أن ساق حديث عائشة الذي احتج به الجمهور قال: "فالجواب عنه أنّه أعمّ من أن يكون بيَّت الصوم أو لا، فيحمل على التبييت، لأنّ المحتمل يردّ إلى العامّ ونحوه" (٢).
ثم قال: "والأصل عموم حديث التبييت، وعدم الفرق بين الفرض والنفل والقضاء والنذر، ولم يقم ما يرفع هذين الأصلين فتعين البقاء عليهما" (٣).
والجواب على ما ذكراه:
أولا: أنّ ابن حزم تناقض هنا تناقضا بينا، فهو يرى "أن من نوى في حال صيامه أنّه تارك للصوم عامدا بذلك ذاكرا لصومه، إلاّ أنه لم يأكل، ولم يشرب، ولا وطىء، ولا فعل فعلا ينقض الصوم، فإن صومه قد بطل وأنّه أفطر" (٤).
ووجه التناقض أنّه يرى أن من نوى قطع الصوم وتركه فإن صومه يبطل،
_________________
(١) المحلّى (٦/ ١٧٢ - ١٧٣).
(٢) سبل السلام (٢/ ١٥٤).
(٣) المصدر السابق.
(٤) إحكام الأحكام (المجلد الثاني ٧١١).
[ ١٩٠ ]
والرسول -ﷺ- عندما دخل على عائشة طلب طعاما ليأكله، فلما لم يجد شيئًا قال: إني صائم، فإذا كان نوى الصوم من الليل، وكان الصوم لا يجزئ بنية إلاّ من الليل، فعلى قول ابن حزم يعتبر صيام الرسول -ﷺ- باطلا. ولما لم يكن باطلا حتما، فيلزمه أحد أمرين: الأوّل: القول بأنّ من عزم على قطع نية الصوم أو تركه لا يبطل صومه بذلك. والثاني: أن يجيز الصوم بنية من النَّهار.
ثانيا: ورد في رواية البيهقي "إذن أصوم"، كما ورد عن الصحابة الذين روى ابن حزم أقوالهم ما يدلّ على أنهم كانوا يحدثون النية من النّهار، فعائشة تقول: "إني لأصبح يوم طهري، وأنا أريد الصوم، فأستبين طهري فيما بيني وبين نصف النهار، فأغتسل، وأصوم".
وروي عن عبيد الله بن عمر"أن أبا هريرة كان يصبح مفطرا، فيقول: هل من طعام؟ فيجده أو لا يجده، فيتم ذلك اليوم".
"وسأل رجل علي بن أبي طالب، فقال: أصبحت ولا أريد الصوم؟ فقال له علي: أنت بالخيار بينك وبين نصف النهار، فليس لك أن تفطر".
وكذلك قال أكثر من صحابي (١).
والصحابة أعلم بالتنزيل وبمراد الرسول -ﷺ- منّا، خاصّة ورواية البيهقي تكاد تكون صريحة في أنّ الرسول -ﷺ- أحدث النية من النهار.