إذا حق للأبناء أن يفخروا بالآباء الكرام، وأن يشرف الفرع بأصله الطيّب على حدّ قول الشاعر:
وَهَلْ يُنْبِتُ الخَطِّيَ إلاّ وشِيجُهُ وَتَنبُتُ إلاَّ في مغارِسِه النَخْلُ
فيحقّ للنيّات أن تشرف بموجدها وباعثها وهو القلب.
فالقلب سيد الأعضاء ومليكها، وهو محل العقل والبصيرة، ومناط التكليف، وهو يقوم بأخطر الأعمال من إيمان وكفر، وحب وبغض، وما الأعمال الخارجة إلا صورة ظاهرة لما استقر في الضمائر الخفية الباطنة.
والقلب هو الآمر الناهي، والأعضاء تطيعه طاعة الجند لقائدها، لا تعصي له أمرا، ولا تخرج عن حكمه، فهو منها بمكان الراعي من الرعّية، والقائد من
_________________
(١) هو عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي، محدث مالكي المذهب، من كتبه (جمع النهاية)، اختصر به صحيح البخاري، و(بهجة النفوس)،في شرح المختصر، توفي بمصر سنة ٦٩٥ هـ. راجع (الأعلام ٤/ ٢١١).
(٢) المدخل (١/ ٣).
(٣) هو سفيان بن سعيد الثوري، ولد في الكوفة ت (٩٧ هـ)، وتوفي في البصرة سنة (١٦١ هـ)، يدعى أمير المؤمنين في الحديث، من كتبه (الجامع الكبير)، و(الجامع الصغير)، وكتاب في (الفرائض). (خلاصة تذهيب الكمال ١/ ٣٩٦)، (طبقات الحفاظ ص ٨٨)، (الأعلام ٣/ ١٥٨).
(٤) إحياء علوم الدين (٤/ ٣٦٤).
[ ٩٧ ]
الأتباع، والحاكم من المحكومين، فإذا صلح القلب صلح بقيّة الحسد، وإذا فسد فسدت، يقول الرسول -ﷺ- مقرِّرا هذه الحقيقة: "ألا وإنَّ في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلُّه، ألا وهي القلب" (١).
والجسد الِإنساني كالوعاء، فإذا طاب ما في أسفل الِإناء طاب أعلاه، وإذا فسد أسفله فسد أعلاه، يقول الرسول ﷺ: "إنَّما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفله طاب أعلاه وإذا فسد أسفله فسد أعلاه" (٢).
فإذا كان هذا شأن القلب فالنية وهي عمل قلبي لها فضل على الأعمال الظاهرة، وفضلها عليها كفضل القلب على الأعضاء الظاهرة.
يقول علي قاري (٣) في هذا: "قال سهل: "ما خلق الله تعالى مكانا أعز وأشرف عنده من قلب عبده المؤمن، وما أعطى كرامة للخلق أعز عنده من معرفته، فجعل الأعزّ في الأعزّ، فما نشأ من أعزّ الأمكنة يكون أعز مما نشأ من غيره " (٤).