ومن مكارم الأخلاق: أن تصل من قطعك: من الأقارب ممن تجب صلتهم عليك، إذا قطعوك، فصلهم ولا تقل: من وصلني وصلته! فإن هذا ليس بصلة، كما قال النبي ﵊: "ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من إذا قطعت رحمها وصلها" ١ فالواصل هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها.
وسأل النبي ﷺ رجلٌ فقال: يا رسول الله، إن لي أقارب أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي! فقال النبي ﷺ: "إن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملَّ ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك" ٢.
وقوله: "تسفهم المل" أي: كأنما تضع التراب أو الرماد الحار في أفواههم.
وإذا كان وصل من قطعك يعد من مكارم الأخلاق فكذلك وصل من وصلك هو أيضًا من هذا الباب، لأن من وصلك وهو قريب، صار له حقان: حق القرابة، وحق المكافأة، لقول النبي ﵊:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري٥٩٩١ كتاب الأدب. ٢ أخرجه مسلم رقم٢٢ كتاب البر والصلة.
[ ٣٦ ]
"من صنع إليكم معروفًا فكافئوه" ١.
وكذلك عليك أن تعطي من حرمك. أي: من منعك ولا تقل: منعني، فلا أعطيه.
وتعفو عمن ظلمك، أي من انتقصك حقك: إما بالعدوان وإما بعدم القيام بالواجب.
والظلم يدور على أمرين: اعتداء وجحود: إما أن يعتدي عليك بالضرب وأخذ المال وهتك العرض وإما أن يجحدك فيمنعك حقك.
وكمال الإنسان أن يعفو عمن ظلمه، ولكن العفو إنما يكون عند القدرة على الانتقام، فأنت تعفو مع قدرتك على الانتقام لأمور:
أولًا: رجاء لمغفرة الله ﷿ ورحمته فإن ممن عفا وأصلح فأجره على الله.
ثانيًا: لإصلاح الود بينك وبين صاحبك لأنك إذا قابلت إساءته بإساءة، استمرت الإساءة بينكما، وإذا قابلت إساءة بإحسان، عاد إلى الإحسان إليك وخجل.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٢.
فالعفو عند المقدرة من مكارم الأخلاق، لكن بشروط أن يكون العفو
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود رقم ١٦٧٢ كتاب الزكاة ورقم ٥١٠٩ كتاب الأدب. والنسائي ٢٥٦٦ كتاب الزكاة باب ٧٢ وهو في صحيح الجامع ٦٠٢١. ٢ سورة فلصت الآية: ٣٤.
[ ٣٧ ]
إصلاحًا، فإن تضمن العفو إساءة فإنه لا يندب إلى ذلك، لأن الله اشترط، فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ ١ أي كان في عفوه إصلاح، أما من كان في عفوه إساءة أو كان سببًا للإساءة، فهنا نقول: لا تعف! مثل أن يعفو عن مجرم، ويكون عفوه هذا سببًا لاستمرار هذا المجرم في إجرامه فترك العفو هنا أفضل وربما يجب ترك العفو حينئذٍ.
ومن مكارم الأخلاق أيضًا بر الوالدين: وذلك لعظم حقهما. فلم يجعل الله لأحد حقًا يلي حقه وحق رسوله ﷺ إلا للوالدين. فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ ٢.
وحق الرسول ضمن الأمر بعبادة الله، لأنه لا تتحقق العبادة حتى يقوم العبد بحق الرسول ﵊، بمحبته واتباع سبيله، ولهذا كان داخلًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ . وكيف يعبد الله إلا من طريق الرسول ﷺ؟!
وإذا عبد الله على مقتضى شريعة الرسول صلى اله عليه وسلم، فقد أدى حقه.
ثم يلي ذلك حق الوالدين، فالوالدين تعبا على الولد، ولا سيما الأم قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا حَملَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعتْهُ كُرْهًا﴾ ٣، وفي آية أخرى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
_________________
(١) ١ سورة الشورى الآية: ٤٠. ٢ سورة النسا الآية: ٣٦. ٣ سورة الأحقاف الآية: ١٥.
[ ٣٨ ]
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ ١. فالأم تتعب في الحمل، وعند الوضع، وبعد الوضع وترحم صبيها أشد من رحمة الوالد له، ولهذا كانت أحق الناس بحسن الصحبة والبر حتى من الاب.
قال رجل يا رسول الله من أحق الناس بحسن مصاحبتي؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال ثم من؟ قال: "أمك" قال ثم من؟ قال: "أبوك" ٢.
والأب أيضًا يتعب على أولاده ويضجر بضجرهم ويفرح لفرحهم ويسعى بكل الأسباب التي فيها راحتهم وطمأنينتهم وحسن عيشهم، يضرب الفيافي والقفار من أجل تحصيل العيش له ولأولاده.
فكل من الأب والأم له حق، ومهما عملت من العمل فلن تقضي حقمها، ولهذا قال الله ﷿: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ ٣ فحقهم سابق، حيث ربياك صغيرًا حين كنت لا تملك لنفسك نفعًا ولا ضرًا فواجبهما البر.
والبر فرض عين بالإجماع على كل واحد من الناس، ولهذا قدمه النبي ﷺ على الجهاد في سبيل الله، كما في حديث ابن مسعود، قال، قلت: يا رسول الله، أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة في وقتها" وقلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين" قلت: ثم أي؟
_________________
(١) ١ سورة لقمان الآية: ١٤. ٢ أخرجه البخاري رقم٥٩٧١ كتاب الأدب. ومسلم رقم١، ٢ كتاب البر والصلة. ٣ سورة الإسراء الآية: ٢٤.
[ ٣٩ ]
قال: "الجهاد في سبيل الله" ١.
والولدان هما الأب والأم، أما الجد والجدة فلهما بر، لكنه لا يساوي بر الأم والأب، لأن الجد والجدة لم يحصل لهما ما حصل للأم والأب من التعب، والرعاية والملاحظة، فكان برهما واجبًا من باب الصلة، أما البر فإنه للأم والأب.
لكن ما معنى البر؟
البر: إيصال الخير بقدر ما تستطيع، وكف الشر.
إيصال الخير بالمال، وإيصال الخير بالخدمة، وإيصال الخير بإدخال السرور عليهما، من طلاقة الوجه وحسن المقال والفعال ’ وبكل ما فيه راحتهما.
ولهذا كان القول الراجح وجوب خدمة الأب والأم على الأولاد إذا لم يحصل عليه بضرر، فإن كان عليه ضرر، لم يجب عليه خدمتهما، اللهم إلا عند الضرورة.
ولهذا نقول: إن طاعتهما واجبة فيما فيه نفع لهما، ولا ضرر على الولد فيه، أما ما فيه ضرر عليه، سواء كان ضررًا دينيًا، كأن يأمراه بترك واجب، أو فعل محرم، فإنه لا طاعة لهما في ذلك، أو كان ضررًا بدنيًا، فلا يجب عليه طاعتهما. أما المال فيجب عليه أن يبرهما ببذله، واو كثر، إذا لم يكن عليه ضرر، ولم تتعلق به حاجة، والأب خاصة له أن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري رقم٥٢٧ كتاب مواقيت الصلاة. ومسلم رقم١٣٩ كتاب الإيمان.
[ ٤٠ ]
يأخذ من مال ولده ما شاء ما لم يضر.
وإذا تأملنا في أحوال الناس اليوم، وجدنا كثيرًا منهم لا يبر بوالديه، بل هو عاق، تجده يحسن إلى أصحابه، ولا يمل الجلوس معهم، لكن لو يجلس إلى أبيه أو أمه ساعة نهار لوجدته متململًا، كأنما هو على الجمر، فهذا ليس ببار، بل البار من ينشرح صدره لأمه، وأبيه، ويخدمهما على أهداب عينيه، ويحرص غاية الحرص على رضاهما بكل ما يستطيع.
وكما قالت العامة "البر أسلاف" فإن البر مع كونه يحصل به البار على ثواب عظيم في الآخرة، فإنه يجازى به في الدنيا، فالبر والعقوق كما يقول العامة "أسلاف" أقرض، تستوف إن قدمت البر لأبيك وأمك، برك أولادك، وإن قدمت العقوق عقك أولادك.
وهناك حكايات كثيرة في أن من الناس بر والديه فبر به أولاده، وكذلك في العقوق هناك حكايات تدل على أن الإنسان إذا عق أباه عقه أولاده.
ومن مكارم الأخلاق أيضًا صلة الأرحام: وهناك فرق بين الوالدين، والأقارب الآخرين، فالأقارب لهم الصلة، والوالدان لهما البر. والبر أعلى من الصلة، لأن البر كثيرة الخير والإحسان، لكن الصلة ألا يقطع، ولهذا يقال في تارك البر: إنه عاق، ويقال فيمن لم يصل: إنه قاطع!
[ ٤١ ]
فصلة الأرحام واجبة، وقطعها سبب للعنة والحرمان من دخول الجنة، قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ ١ وقال النبي ﵊: "لا يدخل الجنة قاطع" ٢ أي قاطع رحم، والصلة جاءت في القرآن والسنة مطلقة.
وكُل ما أتى وَلَم يُحددِ بِالشرعِ كالحرِز فالعُرفِ احْدُدِ
وعلى هذا، يرجع إلى العرف فيها، فما سماه الناس صلة، فهو صلة، وما سموه قطيعة، فهو قطيعة، وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والأمكنة والأمم.
إذا كان الناس في حالة فقر وأنت غني، وأقاربك فقراء، فصلتهم أن تعطيهم بقدر حالك.
إذا كان الناس أغنيا وكلهم في خير فيمكن أن يكون الذهاب إليهم في الصباح أو المساء مما يعد صلة.
وفي زماننا هذا الصلة بين الناس قليلة، وذلك لانشغال الناس في حوائجهم، وانشغال بعضهم عن بعض والصلة التامة أن تبحث عن
_________________
(١) ١ سورة محمد الآية: ٢٢،٢٣. ٢ أخرجه البخاري رقم ٥٩٨٤ كتاب الأدب. ومسلم رقم١٩ كتاب البر والصلة
[ ٤٢ ]
حالهم، وكيف أولادهم، وترى مشاكلهم، ولكن هذه الأمور مع الأسف مفقودة عند كثير من الناس.
ومن مكارم الأخلاق أيضًا: حسن الجوار مع الجيران: والجيران: هم الأقارب من المنزل، وأدناهم أولاهم بالإحسان والإكرام قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخورًا﴾ ١، فأوصى الله بالإحسان إلى الجار القريب والجار البعيد.
وقال النبي ﷺ: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره" ٢.
وقال ﷺ: "إذا طبخت مرقة، فأكثر ماءها، وتعاهد جيرانك" ٣.
وقال ﷺ: "وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه" ٤.
وقال ﷺ: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن؛قيل: من
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية: ٣٦. ٢ أخرجه البخاري رقم٦٠١٩ كتاب الأدب. ومسلم رقم٧٧ كتاب الإيمان ورقم ١٤ كتاب اللقطة. ٣ أخرجه مسلم رقم١٤٢ كتاب البر والصلة. ٤ أخرجه البخاري رقم٦٠١٤، ٦٠١٥ كتاب الأدب. ومسلم رقم١٤٠، ١٤١كتاب البر والصلة.
[ ٤٣ ]
يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جاره بوائقه" ١، أي شروره وغوائله.
إلى غير ذلك من النصوص الدالة على العناية بالجار والإحسان إليه وإكرامه.
والجار إن كان مسلمًا قريبًا، كان له ثلاثة حقوق: حق الإسلام، وحق القرابة، وحق الجوار.
وإن كان قريبًا جارًا، فله حقان: حق القرابة وحق الجار.
وإن كان مسلمًا غير قريب وهو جار فله حقان: حق الإسلام وحق الجوار.
وإن كان جارًا كافرًا، فله حق واحد فقط، وهو: حق الجوار.
فمن مكارم الأخلاق حسن الجوار مطلقًا: أيًا كان الجار، ومن كان أقرب فهو أولى.
ومن المؤسف أن بعض الناس اليوم يسيئون إلى الجار أكثر مما يسيئون إلى غيره، فتجده يعتدي على جاره بالأخذ من ملكه وإزعاجه.
وقد ذكر الفقهاء ﵏ في آخر باب الصلح في الفقه شيئًا من أحكام الجوار فليرجع إليه
ومن مكارم الأخلاق أيضًا الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري رقم٦٠١٦ كتاب الأدب.
[ ٤٤ ]
واليتامى: جمع يتيم وهو الذي مات أبوه قبل بلوغه.
وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى، وكذلك النبي ﷺ حث عليه في عدة أحاديث١.
ووجه ذلك: أن اليتيم قد انكسر قلبه بفقد أبيه، فهو في حاجة إلى العناية والرفق.
والإحسان إلى اليتامى يكون بحسب الحال.
والمساكين: هم الفقراء، وهو هنا شامل للمسكين والفقير.
فالإحسان إليهم مما أمر به الشرع في آيات متعددة من القرآن، وجعل لهم حقوقًا خاصة في الفيء وغيره.
ووجه الإحسان إليهم أن الفقراء أسكنهم، وأضعفهم وكسر قلوبهم، فكان من محاسن الإسلام ومكارم الأخلاق أن نحسن إليهم جبرًا لما حصل لهم من النقص والانكسار.
والإحسان إلى المساكين يكون بحسب الحال: فإذا كان محتاجًا إلى طعام، فالإحسان إليه بأن تطعمه، وإذا كان محتاجًا إلى كسوة، فالإحسان إليه بأن تكسوه، ويكون أيضًا بأن توليه اعتبارًا، فإذا دخل المجلس، ترحب به، وتقدمه لأجل أن ترفع معنويته.
فمن أجل النقص الذي قدره الله ﷿ عليه بحكمته أمرنا عز
_________________
(١) ١ منها قوله ﷺ: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وقال بأصبعيه السبابة والوسطى". وأخرجه البخاري رقم ٦٠٠٥ كتاب الزدب من حديث سهل بن سعد. وأخرجه مسلم بنحوه رقم ٤٢ كتاب الزهد من حديث أبي هريرة.
[ ٤٥ ]
وجل أن نحسن إليهم.
كذلك ابن السبيل وهو المسافر: وهو هنا المسافر الذي انقطع به السفر أو لم ينقطع بخلاف الزكاة، لأن المسافر غريب، والغريب مستوحش، فإذا آنسته بإكرامه والإحسان إليه، فإن هذا مما يأمر به الشرع.
إذا نزل ابن سبيل بك ضيفًا، فمن مكارم الأخلاق أن تكرم ضيافته، لكن قال بعض العلماء: إنه لا يجب إكرامه بضيافته إلا في القرى دون الأمصار!
ونحن نقول: بل هي واجبة في القرى والأمصار، إلا أن يكون هناك سبب، كضيق البيت مثلًا، أو أسباب أخرى تمنع أن تضيف هذا الرجل، لكن على كل حال ينبغي إذا تعذر أن تحسن الرد.
ومن مكارم الأخلاق أيضًا " الرفق بالمملوك والخادم " والمملوك يشمل المملوك"
الآدمي والبهيم، فالرفق بالمملوك الآدمي بأن تطعمه إذا طعمت وتكسوه إذا اكتسيت، ولا تكلفه ما لا يطيق.
- والرفق من البهائم سواء كانت مما تركب، ا، تحلب أو تقتنى، يختلف بحسب ما تحتاج إليه، ففي الشتاء تجعل في الأماكن الدافئة إذا كانت لا تتحمل الحر ويؤتى لها بالطعام، وبالشراب إن لم تحصل عليه بنفسها بالرعي، وإذا كانت مما تحمل، فلا تحمل ما لا تطيق.
[ ٤٦ ]
وهذا يدل على كمال الشرع،وأنه لم ينس حتى البهائم بل جعل لها حقًا.
ومن مكارم الأخلاق أيضًا ترك الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق
فالفخر بالقول والخيلاء بالفعل والبغي والعدوان والاستطالة: الترفع والاستعلاء.
فالإنسان منهي أن يتفاخر على غيره بقوله، فيقول: أنا العالم! أنا الغني! أنا الشجاع!
وإن زاد على ذلك يستطيل على الآخرين ويقول: ماذا أنتم عندي؟ فيكون هذا فيه بغي واستطالة على الخلق.
والخيلاء تكون بأفعال، يتخايل في مشيته وفي وجهه وفي رفع رأسه ورقبته إذا مشي، كأنه إلى السماء، والله ﷿ وبخ من هذا الفعل فقال: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ .
فالواجب أن تكون متواضعًا في القول وفي الفعل، لا تثن على نفسك بصفاتك الحميدة، إلا حيث دعت الضرورة أو الحاجة إلى ذلك، كقول ابن مسعود ﵁: "لو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب
_________________
(١) ١ سورة الإسراء الآية: ٣٧
[ ٤٧ ]
الله تبلغه الإبل لركبت إليه" ١، فإنه ﵁ قصد بذلك أمرين:
الأول: حث الناس على تعلم كتاب الله تعالى.
الثاني: دعوتهم للتلقي عنه.
والإنسان ذو الصفات الحميدة لا يظن أن الناس تخفى عليهم خصاله أبدًا، وساء ذكرها الناس أم لم يذكرها، بل إن الرجل إذا صار يعدد صفاته الحميد أمام الناس، سقط من أعينهم، فاحذر هذا الأمر.
والبغي: العدوان على الغير ومواقعه ثلاثة بينها الرسول ﷺ في قوله: "إن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام" ٢، فالبغي على الخلق يكون في الأموال، والدماء والأعراض.
ففي الأموال: مثل أن يدعي ما ليس له، أو ينكر ما كان عليه، أو يأخذ ما ليس له، فهذا بغي في الأموال.
وفي الدماء: القتل فما دونه، كأن يعتدي على الإنسان بالجرح والقتل.
وفي الأعراض: يحتمل أن يراد بالأعراض: السمعة، فيعتدي
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري رقم٥٠٠٢ كتاب فضائل القرآن. مسلم رقم١١٥ كتاب فضائل الصحابة ٢ أخرجه البخاري رقم ١٧٣٩ كتاب الحج من حديث ابن عباس. والبخاري رقم ١٧٤١ كتاب الحج. ومسلم رقم ٢٩، ٣١ كتاب الحج من حديث أبي بكرة. ومسلم رقم ١٤٧ كتاب الحج من حديث جابر.
[ ٤٨ ]
عليه بالغيبة التي يشوه بها سمعته، ويحتمل أن يراد بها الزنى وما دونه، والكل محرم، فمن مكارم الأخلاق ترك الاعتداء على الأموال والدماء والأعراض.
وكذلك الاستطالة على الخلق، يعني: الاستعلاء عليهم بحق أو بغير حق.
فالاستعلاء على الخلق منهي عنه سواء كان بحق أو بغير حق والاستعلاء هو أن يترفع الإنسان على غيره.
وحقيقة الأمر أن يكون من شكر الله عليه أن إذا منَّ عليك بفضل على غيرك من مال أو جاه أو سيادة، أو علم
، أو غير ذلك، فإنه ينبغي أن تزداد تواضعًا، حتى تضيف إلى الحسن حسنى، لأن الذي يتواضع في موضع الرفعة هو المتواضع حقيقة. وقد قال النبي ﷺ: " وما تواضع أحد لله إلا رفعه" ١.
وقال النبي ﷺ: "إن الله أوحى إلي أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحد على أحدِ، ولا يبغي أحدٌ على أحد" ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم رقم٦٩ كتاب البر والصلة. وقال النووي في شرح صحيح مسلم ١٦/٣٥٨: وقوله ﷺ: "وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله": فيه وجهان: أحدهما: يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس. والثاني: أن المراد ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا والآخرة. والله أعلم. ٢ أخرجه مسلم رقم٦٤ كتاب الجنة ونعيمها.
[ ٤٩ ]