من أحسن الخلق أخلاقا؟ الرسول ﵊،وقد قال الله تعالى فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١
وفي الصحيح أن هشام بن حكيم سأل؟ أم المؤمنين عائشة ﵂ عن خُلق الرسول ﷺ فقالت: "كان خلقه القرآن. فقال: لقد هممت أن أقوم ولا أسأل شيئا" ٢!! فهو ﷺ أكمل الناس خلقا في جميع محاسن الأخلاق وجميل الخصال والأفعال. والحوادث والوقائع التي وقعت في عهد الرسول ﵊، تدل على حسن خلقه. بل إنه ﷺ،كان حسن الخلق حتى مع الأطفال: فكان يلاطفهم ويلاعبهم، وكان يقول لأحد الأطفال: "يا أبا عمير، ما فعل النغَيْر؟ " ٣، وأبو عمير كنية لطفل وكان معه "نغير" وهو طائر صغير مثل العصفور هلك هذا النغير،فحزن عليه الصبي واغتم فكان ﵊ يلاطفه قائلا: "ماذا فعل النغير".
وكذلك من حسن خلقه ﷺ، ورحمته بالخلق أن أعرابيًا جاء وبال في المسجد، فزجره الناس ونهروه بشده، فنهاهم النبي عليه الصلاة
_________________
(١) ١ سورة القلم الآية: ٤. ٢ أخرجه مسلم رقم٤٧٦ كتاب صلاة المسافرين. وأبو داود رقم ١٣٤٢ كتاب الصلاة. وابن ماجه مختصرا رقم ٢٣٣٣ كتاب الأحكام وأحمد. وأحمد في المسند ٦/٥٤، ٩١، ١١١، ١٨٨، ٢١٦. ٣ أخرجه البخاري رقم٦٢٠٣ ومسلم رقم٣٠ كتاب الآداب. ومسلم رقم ٣٠ كتاب الأدب.
[ ٥٣ ]
والسلام فلما قضى بوله أمر النبي ﷺ، بذَنوب من ماء فأريق على البول، ثم دعا الأعرابي فقال له: "إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى والقذر إنما هي للصلاة وقراءة القرآن" ١، أو كما قال النبي ﵊.
وجه حسن الخلق في هذه القصة ظاهر، فهو لم يوبخ هذا الأعرابي ولم يأمر بضربه، بل إنه تركه حتى قضى بوله، ثم أعلمه أن المساجد لا تصلح لما فعل إنما هي للصلاة، والذكر، وقراءة القرآن.
وكذلك من حسن خلقه ﵊ ورحمته بالمؤمنين،أن رجلا أتى إليه ﵊، وقال: يا رسول الله هلكت!! فقال له النبي ﷺ: "وما أهلكك؟ " فقال الرجل: وقعت على امرأتي في رمضان – يعني جامعها في نهار رمضان – فقال له النبي ﵊: "فهل تجد ما تعتق به رقبه؟ " قال لا. قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتاليين" فقال: لا. قال: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ " قال: لا. ثم جلس. فأتي النبي ﷺ بعرق٢ فيه تمر، فأعطاه إياه وقال له: "تصدق بهذا" فقال الرجل: على أفقر منا؟! فما بين بتيها أحوج إليه منا. فضحك النبي ﷺ حتى بدت أنيابه، ثم قال: "اذهب فأطعمه أهلك" ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري رقم٢١٩، ٢٢٠ كتاب الوضوء. ورقم ٦١٢٨ كتاب الأدب ومسلم رقم ٩٨، ٩٩، ١٠٠ كتاب الطهارة. ٢ العرق: هو الزنبيل والنفقة والمكتل وهو عند الفقهاء ما يسع خمسة عشر صاعا وهي ستون مدا لستين مسكينا لكل مسكين مد انظر مسلم بشرح النووي ٧/٢٢٦. ٣ أخرجه البخاري رقم١٩٣٦ كتاب الصوم ورقم ٢٦٠٠ كتاب الهبة ورقم =
[ ٥٤ ]
وحسن خلق النبي ﵊ في هذه القصة ظاهر بين: فإنه لم ينهر هذا الرجل، ولم يشتمه ولم يوبخه، لأنه جاء نادمًا تائبًا خائفًا، فرأى النبي ﵊ بعلمه وحكمته أن هذا الرجل لا يستحق أن يوبخ، بل يبين له الحق الذي جاء من عند الله، ويعامل بالرفق واللين وهذا من رحمته ﷺ، التي مدحه الله تعالى بها في كتابه حيث قال: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢
وأما صفاته ﷺ فهو المقدم في كل صفه حميدة عرفت شرعًا أو طبعًا.
ففي الكرم: كان ﷺ أكرم الناس، يعطي عطاءً لا يعطيه أحد من بشر، جاءه رجل فأعطاه غنما من جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة٣.
وقال جابر بين عبد الله ﵄ ما سئل رسول الله ﷺ
_________________
(١) = ٥٣٦٨ كتاب النفقات. ورقم ٦٠٨٧ كتاب الأدب. وأخرجه ومسلم رقم ٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٤، ٨٥، ٨٦، ٨٧ كتاب الصيام. ١ سورة آل عمران الآية: ١٥٩. ٢ سورة التوبة الآية ١٢٨. ٣ أخرجه مسلم رقم ٥٧، ٥٨ كتاب الفضائل
[ ٥٥ ]
قط فقال: "لا" ١.
ولما قفل رسول الله ﷺ من غزوة حنين تبعه الأعراب يسألونه، فألجؤوه إلى شجرة،فخطفت رداءه وهو على راحلته فقال: "ردوا علي ردائي أتخشون علي البخل؟ فوالله لو كان لي عدد هذه العِضاه٢ نعما، لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا جبانا، ولا كذوبا" ٣.
وكان ﷺ يؤثر على نفسه، فيعطي العطاء ويمضي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار٤.
أهدت امرأة إلى النبي ﵊ شمله منسوجة فقالت: "يا رسول الله، أكسوك هذه فأخذها النبي ﵊، محتاجا إليها، فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال:يا رسول الله، ما أحسن هذه! فكسنيها، فقال: "نعم"، فلما قام النبي ﵊ لامه أصحابه، فقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئا فيمنعه، فقال: "رجوت ربكتها حين لبسها النبي ﷺ لعلي أكفن فيها" ٥.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم رقم٥٦ كتاب الفضائل ٢ العضاه: الشجرة الغليظة الثابتة الأصل. ٣ أخرجه البخاري رقم٢٨٢١ كتاب الجهاد والسير. ورقم ٣١٤٨ كتاب الفرض الخمس. ٤ الحديث عائشة ﵂ قالت: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ" أخرجه البخاري رقم ٦٤٥٩ كتاب الرفاق. ومسلم رقم ٢٨ كتاب الزهد. ٥ أخرجه البخاري رقم٦٠٣٦ كتاب الأدب.
[ ٥٦ ]
وكان كرمه ﷺ كرمًا في محله، ينفق المال له وبالله، إما لفقير، أو محتاج، أو في سبيل الله، أو تأليفا على الإسلام،أو تشريعا للأمة.
وفي الشجاعة: كان ﷺ أشجع الناس، وأمضاهم عزما وإقداما، كان الناس يفرون وهو ثابت، قال العباس بن عبد المطلب ﵁: لما التقى المسلمون والكفار – يعني في حنين – وولى المسلمون مدبرين، طفق الرسول ﷺ يركض بغلته نحو الكفار، وأنا آخذ بلجامها أكفها لإرادة ألا تسرع، وكان يقول حينئذ: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" ١.
وقال علي ﵁: "كنا إذا احمر البأس، ولقي القوم القومَ، اتقينا برسول الله ﷺ فما يكون أحد أقرب من العدو منه" ٢.
وقال أنس - ﵁-: "كان رسول الله ﷺ أحسن الناس، وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليله، فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعا – وقد سبقهم إلى الصوت – وهو على فرس لأبي طلحة عري، في عنقه السيف وهو يقول: "لم تراعوا٣ لم تراعوا" قال: "وجدناه
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم رقم٧٦ كتاب الجهاد والسير. وأخرجه البخاري بنحوه من حديث. البراء بن عازب ﵁ رقم٢٨٦٤ كتاب الجهاد ورقم ٤٣١٥، ٤٣١٧ كتاب المغازي. ٢ أخرجه أحمد في المسند ١/١٥٦ وبنحوه مسلم رقم ٧٩ كتاب الجهاد من حديث البراء ﵁. ٣ قوله: لم ترعوا: أي لا تخافوا والعرب تتكلم بهذه الكلمة واضعه "لم" موضع "لا".
[ ٥٧ ]
بحرا١ أو إنه لبحر وكان فرسًا يبطأ"٢.
أما لينه وحسن خلقه: فقد كان ﷺ لطيفا رحيما، فلم يكن فاحشا ولا متفحشًا٣، ولا صخابًا في الأسواق، ولا يجزي السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح٤، قال أنس - ﵁-: "خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين والله ما قال لي أف قط ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ لي أف قط، ولا قال لي لشيء: لم فعلت كذا؟ وهلا فعلت كذا؟ "٥.
_________________
(١) ١ قوله: وجدنا بحرا: أي وجدوا الفردوس سريع الجري بعد أن كان يبطأ. ٢ أخرجه البخاري رقم ٢٩٠٨ كتاب الجهاد والسير ورقم ٦٠٣٣ كتاب الأدب ومسلم رقم رقم٤٨ كتاب الفضائل. قال النووي في شرح صحيح مسلم ١٥، ٦٧، ٦٨: وفيه فوائد: منها شجاعته ﷺ من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس. وفيه بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفردوس سريعا بعد أن كان يبطأ وهو معنى قوله: وجدناه بحرا: أي واسع. أ.هـ. ٣ لحديث عبد الله بن عمرو ﵁ أخرجه البخاري رقم٣٥٥٩ كتاب المناقب. ورقم٦٠٢٩، ٦٠٣٥ كتاب الأدب. ومسلم رقم ٦٨ كتاب الفضائل. ٤ لحديث عطاء بن يسار قال: لقيت عبد الله بن عمرو فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة فقال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في الفرقان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وحرزًا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخابًا بالأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر " أخرجه البخاري رقم ٢١٢٥ كتاب البيوع ورقم ٤٨٣٨ كتاب التفسير ٥ أخرجه البخاري رقم ٦٠٣٨ كتاب الأدب ومسلم رقم ٥١ كتاب الفضائل.
[ ٥٨ ]
وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم، ويداعب صبيانهم، ويضعهم في حجره، وربما بال الصبي في حجره، فلا يعنف١.
وكان ﷺ يجيب دعوة الحر والعبد، والغني والفقير، ويعود المريض في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر٢ وكان يسمع بكاء الصبي وهو يصلي بالناس فيسرع في الصلاة مخافة أن تفتن أمه٣.
و"كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينب بنت رسول الله ﷺ، ولأبي العاص بن الربيع، فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها!! "٤.
قال أبو بريده: كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذا جاء الحسن والحسين
_________________
(١) ١ فقد أتت أم قيس بنت محصن بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ فأجلسه ﷺ في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه ولم يغسله أخرجه البخاري رقم ٢٢٣ كتاب الوضوء. ومسلم رقم ١٠٤ كتاب الطهارة. ٢ وهذا كله من تواضعه ﷺ. قال ابن القيم في "مدارج السالكين" ٢/٣١٠ عن تواضع النبي ﷺ: "وكان النبي ﷺ يمر على الصبيان فيسلم عليهم وكانت الأمة تأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت وكان ﷺ إذا أكل لعق أصابعه الثلاثة وكان النبي ﷺ في بيته في خدمة أهله ولم يكن ينتقم لنفسه قط وكان ﷺ يخصف نعله ويرفع ثوبه ويحلب الشاة لأهله ويعلف البعير ويأكل مع الخادم ويجالس المساكين ويمشي مع الأرملة واليتيم في حاجتهما وبيدا من لقيه بالسلام ويجيب دعوة من دعاة ولو إلى أيسر شيء. وكان النبي ﷺ هين المؤونة لين الخلق كريم الطبع جميل المعاشرة طلق الوجه بساما متواضعا من غير ذلة جواد من غير سرف رقيق القلب رحيما بكل مسلم خافض الجناح للمؤمنين لين الجانب لهم. أ. هـ. ٣ أخرجه البخاري رقم٧٠٧، ٧٠٨، ٧٠٩، ٧١٠ كتاب الأذان. ومسلم رقم ١٩٢ كتاب الصلاة. ٤ أخرجه البخاري رقم٥١٦ كتاب الصلاة. ورقم ٥٩٩٦ كتاب الأدب. ومسلم رقم٤١،٤٢،٤٣ كتاب المساجد.
[ ٥٩ ]
– ﵉ – عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران١، فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: "صدق الله ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ٢، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما" ٣.
قال الحسين بن علي - ﵄ -: سألت أبي عن سير النبي ﷺ في جلسائه فقال: "كان النبي ﷺ دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب ولا عياب ولا مشاح٤ يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه راجيه ولا يُخيب فيه، قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لايعنيه، وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا ولا يعيبه، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلم أطرق جلساؤه، كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث، من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة٥ في منطقه ومسألته، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم٦، ويقول: "إذا رأيتم
_________________
(١) ١ يعثران: من العثرة أي يمشي صغير يميل في مشيه. ٢ سورة الأنفال الآية: ٢٨. ٣ أخرجه الترمذي رقم٣٧٧٤ كتاب المناقب. وقال: حسن غريب إنما نعرفه من حديث الحسين بن واقد. وأخرجه النسائي رقم ١٤١٢ كتاب الجمعة. وأبو داود رقم ١١٠٩ كتاب الصلاة. ٤ مشاح: مفاعلة من الشح وهو شدة البخل. ٥ الجفوة: الغلظة وسوء الخلق. ٦ أي كان أصحابه يتمنون أن يأتي هؤلاء الأغراب ليستفيدوا من أسئلتهم لرسول الله ﷺ وهذا يدل على شدة توفير الصحابة لرسول الله ﷺ وهيبتهم له.
[ ٦٠ ]
طالب حاجة يطلبها فأرفدوه" ١، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز، فيقطعه بنهي أو قيام" ٢.
وفي الزهد والتقلل من الدنيا: كان النبي ﷺ أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة، خيره الله تعالى بين أن يكون ملكًا نبيًا أو عبدًا نبيًا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا، وخيره بين أن يعيش في الدنيا ما شاء أن يعيش وبين ما عند الله فاختار ما عند الله. قال أنس: دخلت على النبي ﷺ وهو على سرير مرمل بالشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، فدخل عليه نفر من أصحابه ودخل عمر، فانحرف رسول الله ﷺ فلم ير عمر بين جنبيه وبين الشريط ثوبًا، وقد أثر الشريط بجنب رسول الله ﷺ فبكى عمر فقال له النبي ﷺ: "ما يبكيك يا عمر"؟ قال: والله إلا أن أكون أعلم أنك أكرم على الله ﷿ من كسرى وقيصر، وهما يعبثان في الدنيا فيما يعبثان فيه، وأنت يا رسول الله بالمكان الذي أرى! فقال النبي ﷺ: "أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ " قال عمر: بلى، قال: "فإنه كذلك" ٣.
_________________
(١) ١ فأرقدوه: أي فأعينوه على بلوغ حاجته. ٢ أخرجه الترمذي في الشمائل رقم ٣٥٢ وفي إسناد أبو عبد الله التميمي من ولد أبي هالة مجهول كما قال الحافظ. وفيه جميع بن عمير بن عبد الرحمن العجلي منهم. قال الحافظ في التقريب؟ رافضي ضعيف" والراوي عن الحسن بن علي لا يعرف. انظر الشمائل المحمدية للترمذي بتحقيق: سيد بن عباس الجليمي ص ٣٤، ٣٥. ٣ أخرجه أحمد في المسند ٣/١٣٩. وابن حبان في صحيحه رقم ٦٣٦٢ كتاب=
[ ٦١ ]
هذه درر من أخلاق النبي ﷺ فاتخذوها نبراسًا لكم تأتمون به وتأخذون بهديه وتسيرون على منهاجه فتهتدوا، فإن الله جبله على مكارم الأخلاق، وأمرنا بالاقتداء به. قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ ١
رزقنا الله وإياكم محبة خذا النبي ﷺ، ووفقنا إلى اتباع سنته وهديه حتى يأتينا اليقين.
_________________
(١) = التاريخ. وأبو يعلى في مسنده رقم ٢٧٨٣ وذكر الحافظ الهيثمي في: مجمع الزوائد ١٠/٣٢٦ وقال: رجاله رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة. ١ سورة الأعراف الآية: ١٥٨.
[ ٦٢ ]