ذكرنا أولًا حسن الخلق يكون بالطبع ويكون بالتطبع، وأن حسن الخلق بالطبع أكمل من حسن الخلق بالتطبع وذكرنا لذلك دليلًا وهو قول النبي ﷺ للأشج بن عبد القيس: "بل جبلك الله عليهما" ١.
وكذلك لأن حسن الخلق بالطبع لا يزول عن الإنسان لكن حسن الخلق بالتطبع قد يفوت الإنسان في مواطن كثيرة، لأنه يحتاج إلى ممارسة وإلى معاناة وإلى رياضة ومجاهدة، وإلى تذكر ذلك عند حدوث كل ما يثير الإنسان. ولهذا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله ﵊، فقال: يا رسول الله أوصني قال: "لا تغضب". فردد مرارًا. قال: "لا تغضب" ٢ وقال النبي ﵊: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ٣.
والصرعة: والذي يصرع الناس كهُمزة، ولًمزة. فهمزة الذي
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود رقم ٥٣٣٥ كتاب الأدب وأحمد في المسند ٤/٢٠٦. وأخرج مسلم شطره رقم ٢٥، ٢٦ كتاب الإيمان. والترمذي رقم ١٠٧ كتاب البر والصلة. ٢ أخرجه البخاري رقم ٦١١٦ كتاب الأدب. والترمذي رقم ٢٠٢٠ كتاب البر والصلة. ٣ أخرجه البخاري رقم ٦١١٤ كتاب الأدب. ومسلم رقم ١٠٧ كتاب البر والصلة
[ ٣٢ ]
يهمز الناس، ولمزة: الذي يلمز الناس بالعيون.
فليس الشديد هو الذي يصرع الناس ويغلبهم: "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" يتحكم فيها ويملكها في مواطن الغضب، وملك الإنسان نفسه عند الغضب يعتبر من محاسن الأخلاق، فإذا غضبت فلا تنفذ الغضب، ولكن استعذ بالله من الشيطان الرجيم، وإذا كنت قائمًا فاجلس، وإذا كنت جالسًا فاضطجع، وإذا ازداد الغضب فتوضأ حتى يزول عنك.
ويستطيع الإنسان اكتساب مكارم الأخلاق، وذلك عن طريق الممارسة، والمجاهدة، والتمرين فيكون الإنسان حسن الخلق لأمور منها:
أولًا: أن ينظر في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ: ينظر النصوص الدالة على مدح ذلك الخلق العظيم الذي يريد أن يتخلق به. فالمؤمن إذا رأى النصوص تمدح شيئًا من الأخلاق أو الأفعال، فإنه سوف يقوم به ١.
والنبي ﵊ أشار إلى ذلك في قوله: "إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك: إما أن
_________________
(١) ١ فالتزكية لا تكون إلا عن طريق الرسل كما قال ابن القيم: "وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجيء بها الرسل فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه. وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب؟! فالرسل أطباء القلوب فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم وعلى أيديهم وبمحض الانقياد والتسليم لهم والله المستعان. أ.هـ مدارج السالكين [٢/٣٠٠] .
[ ٣٣ ]
يحذيك وإما أن تبتاع١ منه وأما أن تجد منه ريحًا طيبة ونافح الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة" ٢.
ثانيًا: أن يصاحب من عرفوا بحسن الأخلاق، والبعد عن مساوئ الأخلاق وسفاسف الأعمال حتى يجعل من هذه الصحبة مدرسة يستعينُ بها على حسن الخلق فإن النبي ﷺ قال: "الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل" ٣.
ثالثا ً: أن يتأمل الإنسان ماذا يترتب على سوء خلقه: فسيئ الخلق ممقوت سيئ الخلق مهجور سيئ الخلق مذكور بالذكر القبيح فإذا علم الإنسان أن سوء الخلق يفضي به إلى هذا فإنه يبتعد عنه.
رابعًا: أن يستحضر الإنسان دائمًا صورة خُلُق رسول الله ﷺ وكيف أنه كان يتواضع للخلق، ويحلم عليهم، ويعفو عنهم ويصبر على
_________________
(١) ١ يحذيك أي يعطيك بدون بيع. ٢ أخرجه البخاري ٢١٠١ كتاب البيوع. ورقم ٥٥٣٤ كتاب الذبائح وأخرجه مسلم ١٤٦ كتاب البر والصلة. قال النووي: وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الخلاق والورع والعلم والأدب والنهي عن مجالسة أهل الشر وأهل البدع ومن يغتاب الناس أو يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الأنواع المذمومة. أ. هـ انظر مسلم بشرح النووي ١٦/٣٩٤. ٣ أخرجه الترمذي ٢٣٧٨ كتاب الزهد وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأبو داود ٤٨٣٣ كتاب الأدب وأحمد في المسند ٢/٣٠٣،٣٣٤ وحسنه الألباني وهو في صحيح الجامع الصغير ٣٥٤٥ وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٩٢٧.
[ ٣٤ ]
أذاهم، فإذا استحضر الإنسان أخلاق النبي ﷺ وأنه خير البشر وأفضل من عبد الله تعالى، هانت على الإنسان نفسه وانكسرت صولة الكبر فيها فكان ذلك داعيًا إلى حسن الخلق.
[ ٣٥ ]