وهنا مسألة وهي:
أيهما أفضل رجل جُبل على خلق حميد، ورجل يجاهد نفسه على التخلق به، فأيهما أعلى منزلة من الآخر؟
ونقول جوابًا على هذه المسألة: إنه لاشك أن الرجل الذي جُبل على الخلق الحسن أكمل من حيث تخلقه بذلك، أو من حيث وجود هذا الخلق الحسن فيه، لأنه لا يحتاج إلى عناء ولا إلى مشقة في استدعائه، ولا يفوته في بعض الأماكن والمواطن، إذ أن حسن الخلق فيه سجيه وطبع، ففي أي وقت تلقاه تجده حَسَن الخلق، وفي أي مكان تلقاه حَسَن الخلق، وعلى أي حالٍ تلقاه حَسَن الخلق، فهو من هذه الناحية أكمل بلا شك.
وأما الآخر الذي يجاهد نفسه ويروضها على حسن الخلق، فلا شك أنه يؤجر على ذلك من جهة مجاهدة نفسه، وهو أفضل من هذه الجهة، لكنه من حيث كمالُ الخلق أنقص بكثير من الرجل الأول.
فإذا رزق الإنسان الخلقين جميعًا، طبعًا وتطبعًا كان ذلك أكمل، الأقسام هي:
١ - من حرُم حسن الخلق طبعًا وتطبعًا
٢ – من حرمه طبعًا لا تطبعًا
٣ - من رُزقه طبعًا لا تطبعا
[ ١٤ ]
٤ - من رُزقه طبعًا لا تطبعًا
ولا شك أن القسم الثالث هو أفضل الأقسام لأنه مع بين الطبع والتطبع في حسن الخلق١.
_________________
(١) ١ ويروي ابن القيم ﵀ أن جميع الأخلاق الفاضلة تنشأ عن أمرين: الأول: الخشوع. الثاني: علو الهمة. قال ﵀ في كتاب الفوائد ص ٢١٠، ٢١١: "وأما الأخلاق الفاضلة كالصبر، والشجاعة، والعدل، والمروءة، والعفة، والصيانة، والجود، والحلم، والعفو، والصفح، والاحتمال، والإيثار، وعزة النفس عن الدناءات، والتواضع، والقناعة، والصدق، والإخلاص، والمكافأة على الإحسان بمثله أو أفضل والتغافل عن زلات الناس، وترك الاشتغال بما لا يعنيه، ولامة القلب من تلك الأخلاق المذمومة ونحو ذلك، فكلها ناشته عن الخشوع وعلو الهمة. والله سبحانه أخبر عن الأرض بأنها تكون خاشعة، ثم ينزل عليها الماء فتهتز، وتأخذ زينتها وبهجتها، فذلك المخلوق منها إذا أصابه حظه من التوفيق. أ.هـ.
[ ١٥ ]