من تأمل كتاب الله عزوجل حق التأمل يري الآيات التي تتحدث في الأخلاقيات التي ينبغي أن يتحلي بها المسلم مما يجعله يَقِفُ وقفة دهشة وإعجاب. قال تعالي: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾ (١) ويقول تعالي: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ (٢) ويقول جل وعلا: ﴿فمن فرض فيهن الحج فلارفث ولا فسوق ولاجدال في الحج﴾ (٣) ويقول تعالي أيضا: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (٤)
فهذه الآيات غيض من فيض. واللبيب تكفيه الإشارة، ومن تأمل سيرة النبي صلي الله عليه وسلم وأحاديثه المباركة في الأخلاق يري عجب العجاب، وكيف لا والله جل وعلا مدح نبيه صلي الله عليه وسلم في آية عظيمة وذلك في قوله تعالي: ﴿وإنك لعلي خلق عظيم﴾ (٥)
ولما سئلت عائشة - رضي الله تعالي عنها - عن خلق النبي صلي الله عليه وسلم كان جوابها: [كان خلقه القرآن] (٦)
_________________
(١) آل عمران
(٢) . الأعراف
(٣) البقرة
(٤) البقرة
(٥) . القلم
(٦) رواه أحمد
[ ٨ ]
ويقول أنس - رضي الله تعالي عنه ـ[كان رسول الله صلي الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا] (١)
ويقول أيضا: [مامسست ديباجا ولا حريرا ألين من كف رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا شممت رائحة قط أطيب من رائحة رسول الله صلي الله عليه وسلم ولقد خدمت رسول الله صلي الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي قط: أف ولا قال لشيئ فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيئ لم أفعله: ألا فعلت كذا] (٢)
سبحان الله أي خلق هذا الذي كان يتخلق به صلي الله عليه وسلم، ولا غرو فلقد جاءت أحاديثه صلي الله عليه وسلم تؤكد وتعظم هذا الجانب في حياة الناس أعني جانب التخلق بالفضائل والمكارم والتخلي عن الرذائل والمنكرات، فعن النواس بن سمعان ﵁ قال: سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم عن البر والإثم فقال: [البر حسن الخلق والإثم ماحاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس] (٣)
وعن أبي الدرداء ﵁ أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: [مامن شيئ أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذي] (٤)
_________________
(١) . متفق عليه
(٢) متفق عليه
(٣) رواه مسلم
(٤) رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
[ ٩ ]
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: [إن من خياركم أحسنكم أخلاقا] (١)
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، قال: [تقوي الله وحسن الخلق] وسئل عن أكثر مايدخل الناس النار، فقال: [الفم والفرج] (٢)
وعن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: [إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم والقائم] (٣)
وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: [أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيت في أعلي الجنة لمن حسن خلقه] (٤) الله أكبر صاحب الخلق الحسن مسكنه وموطنه أعلي الجنان. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: [أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا وخياركم خياركم لنسائهم] (٥) وعن جابر ﵁ أن رسول الله صلي الله عليه
_________________
(١) . متفق عليه
(٢) . رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
(٣) . رواه أبوداؤد
(٤) رواه أبوداؤد بإسناد صحيح
(٥) . رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح
[ ١٠ ]
وسلم قال: [إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا] (١)
وبعد استعراض هذه الأحاديث المباركة العظيمة هل يبقي شك في أهمية الأخلاق ومكانتها في هذا الدين العظيم، فصاحب الخلق الحسن له من المزايا التي اختص بها عند الله وعند رسوله صلي الله عليه وسلم حتي في معاملة الكفار إننا مأمورون بإظهار الأخلاق السمحة التي هي روح الإسلام وجوهره، فالله جل في علاه لما بعث موسي وهارون ﵉ إلي فرعون الذي طغي وادعي الربوبية أمرهما بقوله تعالي: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشي﴾ (٢)