١ - قال اللَّه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (٢).
«﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: صدر منهم أعمال [سيئة] كبيرة، أو ما دون ذلك، بادروا إلى التوبة والاستغفار، وذكروا ربهم، وما توعَّد به العاصين، ووعد به المتقين، فسألوه المغفرة لذنوبهم، والستر لعيوبهم، مع إقلاعهم عنها، وندمهم عليها؛ فلهذا قال: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٩٦٨. والحديث يأتي تخريجه.
(٢) سورة آل عمران، الآيتان: ١٣٥ - ١٣٦.
[ ١٥ ]
﴿أُولَئِكَ﴾ الموصوفون بتلك الصفات ﴿جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ تزيل عنهم كل محذور ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فيها من النعيم المقيم، والبهجة والسرور والبهاء، والخير والسرور، والقصور والمنازل الأنيقة العاليات، والأشجار المثمرة البهية، والأنهار الجاريات في تلك المساكن الطيبات، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يحولون عنها، ولا يبغون بها بدلا ولا يغير ما هم فيه من النعيم، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ عملوا للَّه قليلًا فأجروا كثيرًا فـ «عند الصباح يحْمَد القوم السُّرَى» وعند الجزاء يجد العامل أجره كاملًا موفرًا (١).
٢ - وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢).
«أي: من تجرأ على المعاصي، واقتحم على الإثم، ثم استغفر الله استغفارًا تامًا يستلزم الإقرار بالذنب، والندم عليه، والإقلاع والعزم على أن لا يعود، فهذا قد وعده من لا يخلف الميعاد بالمغفرة والرحمة.
فيغفر له ما صدر منه من الذنب، ويزيل عنه ما ترتب عليه من النقص والعيب، ويعيد إليه ما تقدم من الأعمال الصالحة، ويوفقه فيما يستقبله من عمره، ولا يجعل ذنبه حائلًا عن توفيقه؛ لأنه قد
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ١٥٧.
(٢) سورة النساء، الآية: ١١٠.
[ ١٦ ]
غفره، وإذا غفره غفر ما يترتب عليه.
واعلم أن عمل السوء عند الإطلاق يشمل سائر المعاصي، الصغيرة والكبيرة، وسمي ﴿سُوءًا﴾ لكونه يسوء عامله بعقوبته، ولكونه في نفسه سيئًا غير حسن.
وكذلك ظلم النفس عند الإطلاق يشمل ظلمها بالشرك فما دونه، ولكن عند اقتران أحدهما بالآخر قد يفسر كل واحد منهما بما يناسبه، فيفسر عمل السوء هنا بالظلم الذي يسوء الناس، وهو ظلمهم في: دمائهم، وأموالهم، وأعراضهم.
ويُفسَّر ظلم النفس بالظلم والمعاصي التي بين اللَّه وبين عبده، وسمي ظلم النفس «ظلمًا» لأن نفس العبد ليست ملكًا له، يتصرف فيها بما يشاء، وإنما هي ملك للَّه تعالى قد جعلها أمانة عند العبد، وأمره أن يقيمها على طريق العدل، بإلزامها للصراط المستقيم علمًا وعملًا، فيسعى في تعليمها ما أمر به، ويسعى في العمل بما يجب، فسعيه في غير هذا الطريق ظلم لنفسه، وخيانة وعدول بها عن العدل، الذي ضده الجور والظلم» (١).
٣ - قال اللَّه تعالى: ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٢).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢١٧ - ٢١٨.
(٢) سورة هود، الآية: ٦١.
[ ١٧ ]
﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ مما صدر منكم، من الكفر، والشرك، والمعاصي، وأقلعوا عنها، ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ أي: ارجعوا إليه بالتوبة النصوح، والإنابة، ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ أي: قريب ممّن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب، واعلم أن قربه تعالى نوعان: عام، وخاص، فالقرب العام: قربه بعلمه، من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (١) والقرب الخاص: قربه من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (٢).
وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ (٣) وهذا النوع، قرب يقتضي إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن، باسمه «القريب» اسمه «المجيب» (٤).