المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد..
أما بعد..
فإن الله اصطفى من خلقه أنبياء ورسل وحمَّلهم رسالته إلى خلقه لتعليمهم دينه الذي ارتضاه لهم.
وجعل خاتمهم أفضلهم وإمامهم محمدًا ﷺ وجعل رسالته خاتمة الرسالات ودينه ناسخًا لما قبله.
ثم اختار لصحبته صفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد كانوا- بفضل الله- جديرين بذلك الاختيار، فحملوا الرسالة من بعده ﷺ وكانوا أمناء على أدائها على الوجه الأكمل، وكانوا المجتمع الأنموذج والتطبيق الفعلي لمبادئ تلك الرسالة، وخرجوا من جزيرتهم فاتحين ينشرون دين الله في الأرض ويعلِّمون البشرية مبادئ تلك الرسالة حاملين بأيديهم نوني السنان والبيان ووسيلتهم في ذلك:
ا- السلوك العملي الذي هو تطبيق لمبادئ الرسالة.
[ ٧ ]
٢- وتعليم الناس دين الله.
٣- والجهاد لإعلاء كلمة الله.
٤- والصبر على الأذى والمشاق في سبيل الله.
فتخرج على أيدي هؤلاء الأئمة الأعلام تلاميذ نجباء كانوا على حمل الرسالة من بعد أشياخهم أمناء، وهكذا خرّج كل جيل جيلًا بعده يحمل الرسالة ويؤدي الأمانة، وهذا من حفظ الله لهذا الدين، الذي ختم به الأديان.
وكان من يهتدي بهدي الرسول ﷺ وصحابته من بعده ويسلك منهجهم في كل صغيرة وكبيرة يُعرفون بأهل السنة والجماعة ومن هؤلاء أهل الحديث المشتغلون بالسنة النبوية وخدمتها قولًا وعملًا، بل أصبحت لفظة أهل الحديث ترادف كلمة "أهل السنة والجماعة" إذا أطلقت وخاصة من نهاية القرن الثالث وما بعده١، وإن كان يدخل فيها غير المحدثين ممن نهج نفس المنهج من الفقهاء والأصوليين وأهل اللغة وغيرهم.
ومن خالف منهج الرسول ﷺ وصحابته الكرام عُرفوا بأصحاب الأهواء أو "المبتدعة"، وعلى رأس هؤلاء الخوارج والروافض والجهمية والقدرية والمرجئة والمعتزلة وغيرهم من تلك الطوائف المنحرفة عن ذلك المنهج القويم.
وكلمة "أهل الحديث" أصبحت علمًا- في القرون الثلاثة المفضلة- على من اتصف بهذه الصفات:
_________________
(١) ١ انظر رسالة "عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي عثمان الصابوني ﵀". ط. الدار السلفية، بالكويت.
[ ١١ ]
١- الاشتغال بخدمة السنة النبوية سندًا ومتنًا حيث ظهر على أيديهم علم الرجال وعلم مصطلح الحديث الذي امتازت به الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم.
٢- الالتزام بالكتاب والسنة قولًا وعملًا، عقيدة وعبادة، معاملات وسلوكًا، سياسة واجتماعًا، مع فهمها الفهم الصحيح على نهج رسول الله ﷺ وصحابته الكرام.
٣- عدم تأويل آيات وأحاديث الصفات أو صرفها عن ظاهرها بغير دليل.
٤- عدم تحكيم العقل والهوى في النصوص بدون دليل صحيح، كما فعل المبتدعة من جهمية ومعتزلة وغيرهم ممن إنحرف عن منهج أهل السنة والجماعة.
٥- فضح أهل البدع والأهواء وهتك استارهم ببيان ضلالهم وانحرافهم وتحذير الأمة منهم ومن ضلالتهم، كل ذلك نصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
٦- الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله وأن يكون الدين كله لله وذلك بالسنان والبيان كما فعل سلفهم الصالح من الصحابة ﵃.
وقد وصف الحافظ ابن حبان في مقدمة صحيحه أهل الحديث فقال: " ثم اختار طائفة لصفوته، وهداهم للزوم طاعته، من إتباع سبل الأبرار، في لزوم السنن والآثار، فزين قلوبهم بالإيمان، وأنطق ألسنتهم بالبيان، من كشف أعلام دينه واتِّباع سنن نبيه بالدؤوب في الرحل والأسفار، وفراق الأهل والأوطار في جمع السنن ورفض
[ ١٢ ]
الأهواء، والتفقه فيها بترك الآراء فتجرد القوم للحديث وطلبوه، ورحلوا فيه وكتبوه، وسألوا عنه وأحكموه، وذاكروا به ونشروه، وتفقهوا فيه وأصّلوه، وفرّعوا عليه وبذلوه" ١
وسأعرض تحت هذا العنوان "من أعلام أهل السنة والجماعة" نماذج من أولئك الأئمة الأعلام مبينًا حسب الإمكان جهودهم العلمية والعملية في خدمة هذا الدين وتعلُّمه وتعليمه للناس، لعل شباب الإسلام اليوم يجدّون في الاقتداء بهؤلاء الأئمة ويحذون حذوهم فيحيون منهج أهل السنة والجماعة بين الناس ويكونون النموذج العملي لمبادئ تلك الرسالة كما كان أسلافهم من أهل القرون المفضلة.
_________________
(١) ١/ ٨٤-٨٥ من مقدمة صحيح ابن حبان، ط. مؤسسة الرسالة.
[ ١٣ ]