ونختم هذا البحث ببعض الدروس والعبر من تلك السيرة العطرة
لهذا الإمام المجاهد والعالم الرباني رحمة الله ورضي عنه.
أولًا:
إن العالم المسلم يجب أن يعيش لدينه وأمته ونشر العقيدة الصحيحة بين الأمة وأن يبذل في سبيل ذلك كل ما يستطيعه من نفس ونفيس وغال وثمين، وهذا ما عبر به عبد الرحمن بن مهدي عندما وصف ابن المبارك بأنه كان أنصح علماء الأمة للأمة.
ثانيًا:
الفهم الصحيح للزهد هو ترك ما بأيدي الناس والرغبة فيما عند الله، وأن طلب المال لصون العرض والاستعانة على طاعة الرب وإعانة طلبة العلم والصالحين لا ينافي الزهد.
وهذا الفهم جسده الإمام ابن المبارك في حياته العملية، وفي قوله عندما عاتبه الفضيل بن عياض على أمره لهم بالزهد والتقلل مع إشتغاله بالتجارة، فقال: إنما أفعل ذا لأصون به وجهي وأكرم به عرضي وأستعين به على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به، فقال الفضيل: ما أحسن ذا إن تم ذا.
ومن ذلك نفهم أن زهد الصوفية الداعي إلى االكسل والخمول وتعطيل الحياة ليس صحيحًا، بل هو خلاف فهم السلف الصالح للزهد وخلاف ما أراده الشارغ من المؤمنين.
[ ٤٦ ]
ثالثا:
إن مهمة العالم المسلم ليست منحصرة في تعليم الناس العلم وتلقينهم الأحكام وتحفيظهم المتون بل إن مهمته أوسع من ذلك، إنه القدوة العملية لمن يربيهم ويعلمهم الفهم الصحيح لطلب العلم والعمل به، والفهم الصحيح لوظيفة المال في الحياة الدنيا، والمعنى السليم للزهد.
فهو إلى جانب تعليمهم يتفقد أحوالهم وينفق عليهم ويوجههم توجيها عمليا، فلا يعلمهم أحكام الجهاد وهو قاعد متخلف مع القاعدين، ولا يعلمهم سبل الإنفاق وهو مقتر بخيل أو فقير عاطل، ولا يعلمهم التواضح وسعة الأفق وهو متكبر غليظ القلب ضيق الأفق.
رابعا:
تلك المكانة التي كان يحتلها علماؤنا من السلف الصالح بين الأمة وأنها مكانة عالية مكانها القلوب والأرواح، مكانة لا يبلغها الملوك ولا أرباب المال والجاه المتسلطين على الأمة بالقوة والقهر والذين غالبا ما تكون محبتهم مصحوبة بالرياء والمداهنة.
وأصدق تعبير عن هذه المكانة لأئمتنا من السلف الصالح أمران:
الأول: مكانة ابن المبارك الدليل العملي والقدوة المثلى في ذلك، وقد مر بنا في ثنايا البحث الكثير من ذلك.
والثاني: ما قالته أم ولد لهارون الرشيد عندما رأت بأم عينها مكانة الأمام عبد الله بن المبارك في قلوب ونفوس الأمة، فانطلق لسانها معبرا عن تلك المكانة: هذا والله الملك لا ملك هارون الذي لايجمع الناس إلا بشرط وأعوان أو ترغيب وترهيب.
[ ٤٧ ]
هذه المكانة لم يكن لينالها علماؤنا لو أن أعمالهم كانت تناقض أقوالهم أو كانوا يؤثرون الدعة والراحة على التعب والنصب أو كانوا يؤثرون أنفسهم بالرفاه والعافية عن باقي الأمة.
خامسًا:
إن لسلفنا الصالح منهجًا في طلب العلم يتدرج فيه الطالب حتى يبلغ درجة الإجتهاد ولا يتجاوز الطالب مرحلة من تلك المراحل إلى التي تليها حتى يتقن المرحلة السابقة.. وقد أوجز ابن المبارك المبادئ الأساسية لهذا المنهج فقال:
أول العلم النية ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم العمل، ثم الحفظ، ثم النشر.
وقال: كانوا يطلبون الأدب ثم العلم.
سادسًا:
العناية بالنابغين والأذكياء من طلبة العلم والعمل على تفرغهم لطلب العلم وتعليمه للأمة ومساعدتهم بما يحتاجونه من المال وغيره حتى لا يشغلهم طلب قوتهم ومن يعولون عما هم فيه من ميراث النبوة من طلب العلم وتعليمه لأمة محمد ﷺ، ولئلا يضطروا للوقوف على أبواب السلاطين وتقلد مناصبهم وهم يعلمون الناس ترك أبواب السلاطين.
هذا ما فعله ابن المبارك مع النابغين من طلبة العلم في عصر ومن قبله فعله شيخه أبوحنيفة ﵀ مع بعض تلاميذه النابهين.
هذا ما يسر الله لي أن أكتبه عن ابن المبارك وأسأله سبحانه أن يرزقنا العلم النافع وأن ينفعنا بما علمنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وكتبه
محمد بن مطر الزهراني
[ ٤٨ ]