من أعلام أهل السنة والجماعة عبد الله بن المبارك العالم المجاهد
تأليف: د. محمد بن مطر الزهراني
بسم الله الرحمن الرحيم
تمهيد
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ، أما بعد:
فإن منهج أهل السنة والجماعة هو ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه وهو منهج الفرقة الناجية كما أخبر عنها المصطفى ﷺ بقوله " هي من كان على ما أنا عليه وأصحابي ".
وذلك أن المراد بالسنة: سنة المصطفى ﷺ، والجماعة: جماعة الصحابة رضوان الله عليهم.
وهذا المنهج له تميزُّه عن غيره من المناهج الأخرى سواء في العقيدة- ربوبية وألوهية وأسماء وصفات- أو في العبادة والعمل والسلوك، وهذا التميز يقوم على الالتزام الدقيق والجاد بالكتاب والسنة وما كان عليه الصحابة ﵃، لذلك كان منهج أهل السنة والجماعة هو الدين كله، هو دين الفطرة، وهو الوسط بين إفراط وتفريط تلك المناهج المحدثة كما كان دين الإسلام وسطًا بين إفراط وتفريط تلك الأديان.
[ ١ ]
ولا شك أن رجال خير القرون- القرون المفضلة بنص الحديث١- هم خير من مثَّل هذا المنهج والتزم به وذب عنه ودعا إليه بالقول والعمل.
والمستقرئ لتاريخ القرون الثلاثة المفضلة يجد أنه رغم ظهور البدع وتأسيسها في هذه القرون إلاَّ أن المنهج السائد والمسيطر هو منهج أهل السنة والجماعة، وأن تلك البدع محصورة وأهلها معروفون ومحذرٌ منهم، حتى أن من لم تكن بدعته مكفرة وليس بداعية إليها واستجاز السلف قبول روايته كانوا معروفين، معدودين ومبين حالهم في كتب التواريخ والتراجم.
ولما قويت شوكت التجهُّم والإعتزال على أيدي المأمون والمعتصم والواثق لم يدم ذلك طويلًا ثم عادت النصرة لمنهج أهل السنة والجماعة بفضل الله ثم بوقفة ذلك الإمام الهمام الصديق الثاني أحمد بن حنبل، علما بأنه طوال محنة الأمة بهذه البدعة لم يكن المعتقدون لها كثير، وإنما أجاب إلى القول بها مَنْ أجاب خوفًا من السلطة مع اطمئنان قلبه بالإيمان.
أما فيما بعد تلك القرون المفضلة فلا شك أن طوفان البدع قد طفح كيله حتى طغى في كثير من العصور المتأخرة على منهج أهل السنة والجماعة إلاّ أن الغلبة كانت في النهاية لمنهج أهل السنة والجماعة، وهكذا المنهج القويم الذي كان عليه الأنبياء والرسل تكون الدالة له في العقبى كما جاء في حديث أبي سفيان مع هرقل في كتاب بدء الوحي من صحيح البخاري.
_________________
(١) ١ الذي رواه البخاري ومسلم خير الناس أو خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم أو كما قال ﷺ.
[ ٢ ]
وكان في كل زمان ومكان قمع البدعة وأهلها وفضح الباطل ومروجيه على أيدي أهل السنة والجماعة بفضل الله ﷿، والتاريخ شاهد بذلك١، ابتداءًا من عصر الصحابة الكرام الذين قمع الله بهم الشرك والوثنية في جزيرة العرب وأزال بهم دولتي الباطل فارس والروم ووقفوا حصنًا منيعًا للأمة عندما بدأت تظهر البدع في أواخر عمرهم، ثم مرورًا بعمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين الذي ملأ الله به الأرض عدلًا بعد أن ملئت جُورًا وأزال البدعة وأحيا السنة ثم المجدد الثاني الإمام الشافعي ﵀ الذي يعد من أوائل من فضح علم الكلام وأهله وحذر من شره وخطر انتشاره في الأمة، وهكذا الإمام أحمد
بن حنبل الصديق الثاني الذي نصر الله به السنة وقمع البدعة، وثبته الله وقواه حين ضعُف غيره، وموقفه في المحنة مشهور جعله الله إمامًا لأهل السنة بإجماع الموافق والمخالف.
وكذلك عندما عمت البدعة ديار الإسلام في ظل سيطرة الباطنيين والروافض على حكم العالم الإسلامي وخاصة في الشام ومصر وغيرها، وعندما خانوا الإسلام والمسلمين بتسليم حصون وقلاع الشام ومصر إلى الصليبيين الحاقدين على الإسلام وأهله، لم يكن للأمة منقذ مما حل بها من الذل والهوان بعد الله إلا أئمة أهل السنة والجماعة من أمثال عماد الدين زنكي ونور الدين زنكي ثم صلاح الدين الأيوبي، فأحيا الله بهم السنة وأمات البدعة.
وهكذا كان الأثر الأكبر للإمام ابن تيمية ومدرسته في مطلع القرن الثامن في القضاء على البدع والخرافات وقهر التتار الذين لم يقم لهم قائمة في بلاد الشام بعد موقعة شقحب٢ التي قادها الإمام ابن تيمية
_________________
(١) ١عن مزيد من التفصيل في هذا الموضوع راجع ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في اعتقاد السلف والخلف المطبوع مع نقض المنطق بتحقيق عبد الرزاق حمزة. ٢ عن موقعة شقحب انظر البداية والنهاية / ٤٣/١٤.
[ ٣ ]
وتلامذته، وكذلك كان إحياء السنة وقمع البدع والخرافات في القرن الثاني عشر الهجري وما بعده على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلامذته، الذي لم نزل نعيش على آثار بركة دعوته السلفية ﵀ وحملة هذا المنهج اليوم هم المؤهلون وحدهم لقمع البدع المحدثة وإزهاق الباطل المنتفش ومن الأدلة على ذلك هذا الإقبال الهائل من شباب الصحوة الإسلامية اليوم في كل أقطار الأرض على دراسة منهج أهل السنة والجماعة واعتقاده قولًا وعملًا.
إن أكثر شباب الدعوة الإسلامية اليوم يتلهف لهذا المنهج وأول ما يسأل عند اهتدائه عن منهج أهل السنة والجماعة وكيف يتلقاه وعلى يد من يتعلمه.
ولقد رأينا الشباب المهتدي حتى في تلك الديار التي سيطر فيها المنهج البدعي الكُلاَّبي أو الماتريدي حتى مُحِيَ أي أثر لمنهج أهل السنة والجماعة، بل وتلك الأقطار التي سيطرت فيها العلمانية والاشتراكية والقومية حتى لم يبقوا فيها ذكرًا للإسلام كله، نرى فيها جميعًا إقبال شبابها على منهج أهل السنة والجماعة وترك كل بدعة وركل كل باطل.
هذا الكلام لا أقوله ادعاءًا ولكنه حقيقة يلمسها اليوم كل مسلم منصف، ولقد رأيت ذلك بأُم عيني فيمن أدرسهم من أبناء العالم الإسلامي في الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية وكذلك رأيتهم في زياراتي إلى تركيا وتايلند والفلبين وغانا وتوغو ونيجيريا والسنغال وغيرها، وهذا واقع ملموس لا يحتاج إلى دليل في الجزيرة العربية جميعها وأرض الكنانة والجزائر والمغرب وليبيا والصومال والسودان وغيرها كثير.
ولا شك أن هذا الإقبال الشديد على منهج أهل السنة والجماعة يحتاج
[ ٤ ]
إلى أمور منها:
١- علماء عاملون بعلمهم جادين في نشر هذا المنهج وإحياء ما اندرس منه ليكون لهم شرف المشاركة في تجديد أمر هذا الدين كلما اندرس شيء من معالمه.
٢- السعي الحثيث في إحياء تراث السلف من أهل السنة والجماعة وإحياء منهجهم في العلم والعمل والاعتقاد.
٣- احتضان هؤلاء الشباب وتوجيههم وتوضيح المنهج الصحيح لهم وعدم الوقوف منهم موقف المتفرج فضلًا عن موقف المستريب كما يحصل ممن لا يريد الخير لهؤلاء الشباب.
٤- تنبيه هؤلاء الشباب إلى ضرورة معرفة واقعهم وإلى الأخطارالمحدقة بهم وبأمتهم وتوعيتهم بما يحتاجونه في تعاملهم مع مَنْ حولهم، وكذلك تثبيتهم في الطريق وتجنيبهم زلاَّة الأقدام ومضلات الفتن.
ومشاركة مني في إحياء منهج أهل السنة والجماعة وإسهامًا في توجيه شباب الصحوة الإسلامية الوجهة الصحيحة أقدم هذه السلسلة التي اخترت لها عنوان " من أعلام أهل السنة والجماعة ".
وقبل الشروع أحب أن أنبه إلى أمور بين يدي هذه السلسلة منها:
١- لم أذكر الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ضمن هذه السلسلة لشهرة أمرهم وظهور سيرتهم وجهادهم كما شهد بذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة. وكذلك كثير من الأعلام المشتهرة سيرتهم قد لا أتعرض لتراجمهم أيضًا.
٢- لم أقصد في هذه السلسلة مجرد الترجمة وإلا كان عملي مجرد تكرار لا فائدة منه.
[ ٥ ]
٣- أركز في تراجم هؤلاء الأعلام على جهودهم في خدمة منهج أهل السنة والجماعة في مجال العقيدة ومجال العلم ومنهج التعلم وفي مجال الجهاد بالنفس والمال واللسان والقلم.
٤- أحاول ما استطعت أن أربط بين تلك السيرة العطرة لسلفنا الصالح وواقعنا الذي نعيشه لنعرف الفهم الصحيح لذلك المنهج الذي كانوا يعيشون له وماتوا عليه، منهج أهل السنة والجماعة.
٥- أستخلص في نهاية كل ترجمة جملة من الدروس والعبر من حياة المترجم وجهوده وجهاده لتكون واضحة لشباب الصحوة الإسلامية ليقتدوا بها.
والله أسأل الحماية من الزلل والخطأ والتوفيق إلى الصواب من القول والعمل وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين.
المؤلف
[ ٦ ]