أجمع المؤرخون أَن للنَّبِي –ﷺ- أَربع بَنَات كُلهنَّ أدركن الْإِسْلَام، وهاجرن هن: (فَاطِمَة ﵍: ولدت قبل النُّبُوَّة بِخمْس سِنِين، وَزَيْنَب تزَوجهَا الْعَاصِ بن الرّبيع -﵁-، ورقية وَأم كُلْثُوم تزوجهما عُثْمَان بن عَفَّان –﵁- تزوج أم كُلْثُوم بعد رقية) ١.
وَفِي هَذَا يَقُول الشَّاعِر:
أولادهُ القاسمُ وهوَ يكنى
بهِ وَعبد الله هدىُ الأبنا
والطاهرُ الطّيب فاسمُ الثَّانِي
وقيلَ بلْ سواهُ أخوانِ
مَاتُوا صغَارًا لم يرواْ نبوَّة
وزينبُ فاطمةُ رقية
وأمُّ كلثومَ وكلهمْ ولدْ
خديجةٍ وبعدهمْ لهُ ولدْ
آخرا إبراهيمُ من سَرِيَّة
وتلكمُ ماريةُ الْقبْطِيَّة
وكلهمْ قدْ ماتَ فِي حَيَاته
إلاّ البتولَ فَإلَى وفاتهِ٢
والْحِكْمَة من أَن النَّبِي –ﷺ- أَبَا للبنات –الله أعلم بهَا- ويرجعها الْبَعْض لأسباب مِنْهَا: أَن الْبِنْت فِي عُرف الْعَرَب قبل الْإِسْلَام عَار يسْتَحق الدّفن حَيا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ
_________________
(١) ١جمال الدّين أبي الْفرج الْجَوْزِيّ، (صفة الصفوة) دَار الوعي، حلب، ط١، ١٣٨٩هـ، ج١،ص١٤٨ ٢مُحَمَّد بن الْحَاج حسن الآلاني الْكرْدِي (رفع الخفا شرح ذَات الشفا) تَحْقِيق حمدي عبد الْمجِيد السلَفِي، وصابر مُحَمَّد سعد الله الزيباري، ج٢،عَالم الْكتب. ط١،١٤٠٧، ص١٦- ١٩.
[ ٣٩٣ ]
الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
جَاءَ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة: بِأَن الكظيم هُوَ الكئيب من الْهم، ويمسكه على هون: أَي يبْقى الْبِنْت مهانة لَا يُورثهَا وَلَا يعتني بهَا ويفضل أَوْلَاده الذُّكُور عَلَيْهَا٢.
فشاء الله أَن يكون النَّبِي مُحَمَّد -ﷺ- أَبَا لبنات ليَكُون الْقدْوَة للْمُؤْمِنين فِيمَا يَنْبَغِي للْبِنْت من حُقُوق ومكانة لائقة أقرها لَهَا الدّين الإسلامي الحنيف.
فأبوة الرَّسُول –ﷺ- لبنَاته حَدثا جَدِيدا فِي حَيَاة الْمَرْأَة، وَفِي هَذَا قَالَ عمر بن الْخطاب – ﵁ –: "وَالله إِن كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّة مَا نعد للنِّسَاء أمرا حَتَّى أنزل الله فِيهِنَّ مَا أنزل وَقسم لَهُنَّ مَا قسم" ٣.
وَمِنْهَا أَيْضا -وَالله أعلم- (حَتَّى يكون النَّبِي –ﷺ- بَعيدا عَن تُهْمَة الاستنصار بِالْوَلَدِ، والاعتماد عَلَيْهِ) ٤ كَمَا هِيَ عَادَة الْعَرَب فِي ذَلِك الْوَقْت. بل أَن مَا جَاءَ بِهِ من دين نُشر فِي الأَرْض لِأَنَّهُ هُوَ الْحق وَلَا حق سواهُ، وَالْحق دَائِما أظهر وَأقوى.
وَقد كَانَ الْعَرَبِيّ فِي الْجَاهِلِيَّة يترقب الْأَوْلَاد للوقوف إِلَى جَانِبه ومساندته، والدفاع عَن الْحَوْزَة وحماية الْبَيْضَة، أما الْبِنْت فَكَانَ التخوف من عارها يحملهم على كراهتها٥ حَتَّى بعث الله نَبينَا مُحَمَّد –ﷺ- بِالدّينِ الإسلامي خَاتم الْأَدْيَان
_________________
(١) ١ سُورَة النَّحْل: آيَة ٥٩. ٢ ابْن كثير (تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم) دَار الْمعرفَة، بيروت، ط١،١٤٠٦هـ، ج٢،ص٥٩٤ ٣ مُتَّفق عَلَيْهِ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٨/٨٤٩ مَعَ فتح الْبَارِي) كتاب التَّفْسِير بَاب تبتغي مرضاة أَزوَاجك –ح٤٩١٣، وَمُسلم فِي صَحِيحه (٢/١١٠٨) كتاب الطَّلَاق –ح١٤٧٩. ٤ بنت الشاطئ، (تراجم سيدات بَيت النُّبُوَّة)، دَار الْكتاب الْعَرَبِيّ، بيروت، ط٣، ص ٤٨٧، بِتَصَرُّف، ١٤٠٢هـ ٥عطيه مُحَمَّد سَالم (وَصَايَا الرَّسُول ﷺ) مكتبة دَار التراث للنشر والتوزيع ص٣٤٧، ط٣،١٤١١هـ.
[ ٣٩٤ ]
الَّذِي ارْتَضَاهُ الله ﷿ لِعِبَادِهِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ ٢.
فحفظ الْإِسْلَام للْبِنْت حُقُوقهَا وأنزلها الْمنزلَة اللائقة بهَا ووعد من يرعاها وَيحسن إِلَيْهَا بِالْأَجْرِ الجزيل وَجعل حسن تربيتها ورعايتها وَالنَّفقَة عَلَيْهَا سَبَب من الْأَسْبَاب الموصلة إِلَى رضوَان الله وجنته، جَاءَ فِي الحَدِيث عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُول الله –ﷺ-: "من عَال جارتين حَتَّى تبلغا جَاءَ يَوْم الْقِيَامَة أَنا وَهُوَ كهاتين وَضم أَصَابِعه" ٣.
يُلَاحظ فِي هَذَا الحَدِيث أَن النَّبِي –ﷺ- ضم أَصَابِعه، وَلم يفرق بَينهمَا كِنَايَة عَن شدَّة قرب من عَال جارتين من الرَّسُول –ﷺ- فِي الْجنَّة. وَفِي الحَدِيث الآخر عَن عَائِشَة –﵂ – قَالَت: "دخلت علىّ امْرَأَة وَمَعَهَا ابنتان لَهَا تسْأَل، فَلم تَجِد عِنْدِي شَيْئا غير تَمْرَة وَاحِدَة، فأعطيتها إِيَّاهَا فقسمتها بَين ابنتيها وَلم تَأْكُل مِنْهَا، ثمَّ قَامَت فَخرجت، فَدخل النَّبِي –ﷺ- علينا، فَأَخْبَرته فَقَالَ: "من ابْتُلِيَ من هَذِه الْبَنَات بِشَيْء فَأحْسن إلَيْهِنَّ كن لَهُ سترا م ن النَّار" ٤
أَي حِجَابا ووقاية من النَّار.
أيُّ فضل أعظم من هَذَا الْفضل؟
وأيُّ أجر أعظم من هَذَا الْأجر؟.
_________________
(١) ١سُورَة آل عمرَان: آيَة ٨٥ ٢سُورَة الْمَائِدَة: آيَة ٣ ٣أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه (٤/٢٠٢٨) كتاب الْبر والصلة والآداب –ح٢٦٣١ ٤ مُتَّفق عَلَيْهِ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (١٠/٥٢٢ مَعَ فتح الْبَارِي) كتاب الْأَدَب، بَاب رَحْمَة الْوَلَد وَتَقْبِيله ومعانقته –ح٥٩٩٥، وَمُسلم فِي صَحِيحه (٤/٢٠٢٧) كتاب الْبر والصلة والآداب –ح٢٦٢٩.
[ ٣٩٥ ]
وعَلى الرغم من هَذَا الْأجر الْعَظِيم الْوَارِد فِي فضل تربية الْبَنَات وَالْإِحْسَان إلَيْهِنَّ إلاَّ أَن هُنَاكَ من النَّاس من لَا يُسر لمولد الْبِنْت –وَالْعِيَاذ بِاللَّه- فَيظْهر الهمَّ والحزن! وَمَا هَذَا إِلَّا جهل وَاعْتِرَاض على قدر الله، وَالْبَعْض يفرط وَيقصر فِي تربية وتوجيه بَنَاته وَلم يرعهن الرِّعَايَة الْمَطْلُوبَة مِنْهُ.
وَلَو أَن الْإِنْسَان تفقه فِي دين الله ووقف عِنْد حُدُوده واقتفى أثر الرَّسُول –ﷺ- فِي كل أَمر من أُمُور حَيَاته لعاش مطمئنًا مرتاح البال قرير الْعين، ولعرف كَيفَ يعبد ربه، وَكَيف يتعامل مَعَ إخوانه، وَأَهله، وَزَوجته، وَكَيف يُربي أَوْلَاده فَالْحَمْد لله أَنه مَا من خير إلاَّ ودلنا ديننَا الإسلامي الحنيف عَلَيْهِ وَمَا من شَرّ إلاَّ وحذرنا مِنْهُ.
[ ٣٩٦ ]