الزواج سنة من سنَن الله فِي خلقه، وَأمر مَرْغُوب فِيهِ حثَّ إِلَيْهِ ديننَا الحنيف ودعى إِلَيْهِ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٣ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ ٤.
والزواج من سنة الرَّسُول –ﷺ- جَاءَ فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ عَن أنس بن مَالك -﵁- قَالَ: "جَاءَ ثَلَاثَة رَهْط إِلَى بيُوت أَزوَاج النَّبِي –ﷺ-، يسْأَلُون عَن عبَادَة النَّبِي –ﷺ- فَلَمَّا أُخبروا كَأَنَّهُمْ تقالوها، فَقَالُوا: "وَأَيْنَ نَحن من النَّبِي –ﷺ-؟ قد غفر الله لَهُ مَا تقدم من ذَنبه وَمَا تَأَخّر"، قَالَ أحدهم: "أما أَنا فَإِنِّي أُصلي اللَّيْل أبدا"، وَقَالَ آخر: "أَنا أَصوم الدَّهْر وَلَا أفطر"، وَقَالَ آخر: "أَنا أعتزل النِّسَاء فَلَا أَتزوّج أبدا"، فجَاء رَسُول الله –ﷺ- فَقَالَ: "أَنْتُم الَّذين
_________________
(١) ٣ سُورَة الرّوم: آيَة٢١ ٤ سُورَة النَّحْل: آيَة ٧٢
[ ٣٩٩ ]
قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أما وَالله إِنِّي لأخشاكم لله وأتقاكم لَهُ، لكني أَصوم وَأفْطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النِّسَاء، فَمن رغب عَن سنتي فَلَيْسَ مني" ١
وامتثالًا لأمر الله ﷿ وَأمر رَسُوله –ﷺ- يجب على الْأَب أَن يُزَوّج بَنَاته ولَا يعضلهن ويمنعهن من الزواج لأي سَبَب من الْأَسْبَاب فَوَاجِب الْأَب أَن يُزَوّج ابْنَته وَأَن يخْتَار لَهَا الْكُفْء من الرِّجَال والكفء مَعْرُوف هُوَ صَاحب الدّين والخلق قَالَ النَّبِي –ﷺ– "إِذا أَتَاكُم من ترْضونَ خلقه وَدينه فَزَوجُوهُ، إِن لَا تَفعلُوا تكن فتْنَة فِي الأَرْض وَفَسَاد عريض" ٢.
وَقد زوج النَّبِي –ﷺ- جَمِيع بَنَاته من خيرة الرِّجَال: فزوج زَيْنَب –﵂- من أبي الْعَاصِ بن الرّبيع الْقرشِي -﵁- وَهُوَ ابْن خَالَتهَا هَالة بنت خويلد وَأَبُو الْعَاصِ كَانَ من رجال مَكَّة الْمَعْدُودين مَالا، وَأَمَانَة، وتجارة ٣.
وَقد أثنى النَّبِي –ﷺ- على أبي الْعَاصِ بن الرّبيع فِي مصاهرته خيرا وَقَالَ: "حَدثنِي فصدقني، ووعدني فوفى لي" وَكَانَ قد وعد النَّبِي أَن يرجع إِلَى مَكَّة، بعد وقْعَة بدر، فيبعث إِلَيْهِ بِزَيْنَب ابْنَته، فوفى بوعده، وفارقها مَعَ شدَّة حبه لَهَا٤.
_________________
(١) ١تفق عَلَيْهِ، أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٩/١٢٩ مَعَ فتح الْبَارِي) كتاب النِّكَاح، بَاب التَّرْغِيب فِي النِّكَاح –ح٥٠٦٣، وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم فِي صَحِيحه (٢/١٠٢٠) كتاب النِّكَاح –ح ١٤٠١ ٢أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي سنَنه (٣/٣٩٤) كتاب النِّكَاح، بَاب إِذا جَاءَكُم من ترْضونَ دينه فَزَوجُوهُ، ح١٤٠٨ ٣ ابْن كثير (الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة) ٣/٣١٢. ٤ انْظُر سير أَعْلَام النبلاء (١/٦٠) .
[ ٤٠٠ ]
وَمِمَّا يدل على شهامته وَصدقه قصَّة إِسْلَامه -﵁- فقد كَانَ فِي تِجَارَة لقريش إِلَى الشَّام وَفِي طَرِيق عودته إِلَى مَكَّة المكرمة لَقيته سَرِيَّة فَأخذُوا مَا مَعَه، وَجَاء تَحت اللَّيْل إِلَى زَوجته زَيْنَب – وَقد كَانَت فِي الْمَدِينَة وَفرق بَينهمَا الْإِسْلَام فَهُوَ لم يدْخل فِي الْإِسْلَام بعد – فَاسْتَجَارَ بهَا فَأَجَارَتْهُ وَخرجت وَالنَّبِيّ -ﷺ- صلى بِالنَّاسِ الْفجْر فَقَالَت: "أَيهَا النَّاس إِنِّي قد أجرت أَبَا الْعَاصِ بن الرّبيع" فَلَمَّا سلم الرَّسُول –ﷺ- أقبل على النَّاس فَقَالَ: "أَيهَا النَّاس هَل سَمِعْتُمْ الَّذِي سَمِعت؟ " قَالُوا:"نعم" قَالَ: "أما وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ مَا علمت بشيىء حَتَّى سَمِعت مَا سَمِعْتُمْ وَأَنه يجير على الْمُسلمين أَدْنَاهُم" ثمَّ انْصَرف رَسُول الله –ﷺ- فَدخل على ابْنَته زَيْنَب فَقَالَ: "أَي بنية أكرمي مثواه وَلَا يخلصن إِلَيْك فَإنَّك لَا تحلين لَهُ" قَالَ: وَبعث –ﷺ- فحثهم على رد مَا كَانَ مَعَه فَردُّوهُ بأسره لَا يفقد مِنْهُ شَيْئا فَأَخذه أَبُو الْعَاصِ فَرجع بِهِ إِلَى مَكَّة فَأعْطى كل إِنْسَان مَا كَانَ لَهُ ثمَّ قَالَ: "يَا معشر قُرَيْش هَل بَقِي لأحد مِنْكُم عِنْدِي مَال لم يَأْخُذهُ؟ " قَالُوا: "لَا فقد وجدناك وفيًا". قَالَ: "فَإِنِّي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله، وَالله مَا مَنَعَنِي عَن الْإِسْلَام عِنْده إلاَّ تخوف أَن يَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أردْت أَن آكل أَمْوَالكُم فَلَمَّا أَدَّاهَا الله إِلَيْكُم وفرغت مِنْهَا أسلمت"١.
وَقد زوجه النَّبِي –ﷺ- من ابْنَته زَيْنَب عِنْدَمَا طلبت مِنْهُ أمهَا خَدِيجَة بنت خويلد –﵂- أَن يُزَوّجهَا لَهُ فَوَافَقَ النَّبِي –ﷺ- على طلبَهَا٢؛ لما يعرف
_________________
(١) ١ ابْن كثير، (السِّيرَة النَّبَوِيَّة) ٢/٥٢٠ دَار الْمعرفَة للطباعة والنشر، بيروت، تَحْقِيق مصطفى عبد الْوَاحِد ٢ ابْن هِشَام (السِّيرَة النَّبَوِيَّة) ٢/٦٥١ مؤسسة عُلُوم الْقُرْآن، تَحْقِيق مصطفى السقا وَآخَرُونَ، ب ت.
[ ٤٠١ ]
من رجاحة عقلهَا وثقتها بِابْن أُخْتهَا فَكَانَت تعده بِمَنْزِلَة وَلَدهَا.
وَهنا درس نبوي كريم فِي تَزْوِيج الْبَنَات هُوَ أَنه لَا مَانع من أَخذ رَأْي وَالِدَة الْبِنْت والتشاور مَعهَا فَفِي ذَلِك إِكْرَاما لَهَا واعترافًا بِحَقِّهَا.
وزوَّج النَّبِي –ﷺ- رقية من عُثْمَان بن عَفَّان -﵁- الْخَلِيفَة الراشد الزَّاهِد الْجواد السخي الْحَيِي، وَكَانَ من أبرز أخلاقه وأشدها تمَكنا من نَفسه خلق الْحيَاء، الَّذِي تأصل فِي كيانه؛ لذا فقد أشاد الرَّسُول –ﷺ- بِهَذَا الْحيَاء الْوَاسِع العميم فَقَالَ: "إِن عُثْمَان رجلٌ حييّ" ١، وَقَالَ – ﷺ -: "ألاَّ أستحي من رجل تَسْتَحي مِنْهُ الْمَلَائِكَة" ٢.
وَكَانَ النَّبِي – ﷺ - يُحِبهُ كثيرا فَلَمَّا توفيت رقية –﵂– زوجه النَّبِي –ﷺ- بأختها أم كُلْثُوم وَلما مَاتَت أم كُلْثُوم قَالَ النَّبِي –ﷺ- "لَو كَانَ عِنْدِي ثَالِثَة لزوجتها عُثْمَان"، وَفِي رِوَايَة أُخْرَى "لَو كن عشرا لزوجتهن عُثْمَان" ٣.
وزوَّج فَاطِمَة –﵂– من عَليّ بن أبي طَالب -﵁- ابْن عَمه –ﷺ- وَكَانَ أول ذكر من النَّاس آمن برَسُول الله –ﷺ- وَكَانَ قد تربى فِي حجر الرَّسُول –ﷺ- قبل الْإِسْلَام وَلم يزل عَليّ مَعَ رَسُول الله –ﷺحَتَّى بَعثه الله نَبيا ٤.
يَقُول ابْن كثير ﵀: "كَانَ أَبُو طَالب ذَا عِيَال كَثِيرَة، فَقَالَ رَسُول الله –
_________________
(١) ١ أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه (٤/١٨٦٦) كتاب فَضَائِل الصَّحَابَة ح ٢٤٠٢. ٢ أخرجه مُسلم (الْمصدر نَفسه) ح٢٤٠١. ٣ ابْن كثير (السِّيرَة النَّبَوِيَّة)،٤/٦١٠. ٤ ابْن هِشَام، (السِّيرَة النَّبَوِيَّة)،١/٢٤٥.
[ ٤٠٢ ]
ﷺ- لِعَمِّهِ الْعَبَّاس، وَكَانَ من أيسر بني هَاشم: "يَا عَبَّاس إِن أَخَاك أَبَا طَالب كثير الْعِيَال وَقد أصَاب النَّاس مَا ترى من هَذِه الأزمة فَانْطَلق حَتَّى نخفف عَنهُ من عِيَاله"، فَأخذ رَسُول الله– ﷺ - عليا فضمه إِلَيْهِ، فَلم يزل مَعَ رَسُول الله حَتَّى بَعثه الله نَبيا فَاتبعهُ عَليّ وآمن بِهِ وَصدقه "١
والْبِنْت أَمَانَة فِي بَيت والديها ولابد أَن تنْتَقل إِلَى بَيت زَوجهَا يَوْمًا مَا، وَقد أوجب لَهَا ديننَا الإسلامي الحنيف حق الاسْتِئْذَان فِي الزواج فَلَا يحل لوَلِيّهَا أَن يعْقد لَهَا على رجل تكرههُ قَالَ النَّبِي –ﷺ-: "لَا تنْكح الأيم حَتَّى تستأمر، ولاتنكح الْبكر حَتَّى تستأذن". قَالُوا: "يَا رَسُول الله، وَكَيف إِذْنهَا؟ " قَالَ: " أَن تسكت" ٢.
فكلمة تستأمر فِي حق الثّيّب تفِيد طلب الْأَمر فَلَا يعْقد عَلَيْهَا إلاَّ بعد طلب أمرهَا وإذنها بذلك، وَكلمَة تستأذن فِي حق الْبكر تعنى طلب إِذْنهَا وموافقتها على النِّكَاح٣ وَإِذا عقد الْأَب لابنته وَهِي كارهة فَالْعقد مَرْدُود "عَن خنساء بنت خدام الْأَنْصَارِيَّة: أَن أَبَاهَا زَوجهَا وَهِي ثيب فَكرِهت ذَلِك، فَأَتَت رَسُول الله –ﷺ- فَرد نِكَاحهَا" ٤.
وَفِي رِوَايَة: عَن الْقَاسِم: " أَن امْرَأَة من ولد جَعْفَر، تخوفت أَن يُزَوّجهَا وَليهَا وَهِي كارهة، فَأرْسلت إِلَى شيخين من الْأَنْصَار – عبد الرَّحْمَن وَمجمع ابْني جَارِيَة –
_________________
(١) ١ ابْن كثير (السِّيرَة النَّبَوِيَّة) ١/٤٢٩ ٢ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٩/٢٣٩ مَعَ الْفَتْح) كتاب النِّكَاح، بَاب لَا يُنكح الْأَب وَغَيره الْبكر وَالثَّيِّب إِلَّا برضاهما – ح ٥١٣٦، وَمُسلم فِي صَحِيحه (٢/١٠٣٦) كتاب النِّكَاح – ح١٤١٩. ٣ انْظُر عبد الله بن عبد الرَّحْمَن البسام (توضيح الْأَحْكَام من بُلُوغ المرام) مؤسسة الخدمات الطباعية، لبنان،ج٤، ص٣٨٢ط٢، ١٤١٤هـ. ٤ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٩/٢٤٣ مَعَ الْفَتْح) كتاب النِّكَاح، بَاب إِذا زوج الرجل ابْنَته وَهِي كارهة فنكاحه مَرْدُود – ح ٥١٣٨.
[ ٤٠٣ ]
قَالَا: فَلَا تخشين، فَإِن خنساء بنت خدام، أنْكحهَا أَبوهَا وَهِي كارهة، فَرد النَّبِي –ﷺ- ذَلِك" ١.
وكَانَ النَّبِي –ﷺ- يستشير بَنَاته قبل تزويجهن فعندما خطب عَليّ -﵁- فَاطِمَة –﵂– قَالَ لَهَا الرَّسُول –ﷺ-: "إِن عليا يذكرك" فَسَكَتَتْ فَزَوجهَا٢.
وَكَانَ –ﷺ- يتحدث إِلَى بَنَاته فِي أَزوَاجهنَّ ويقنعهن بِفضل من تَزَوَّجن فقد قَالَ لفاطمة –﵂– مُبينًا فضل ومكانة عَليّ بن أبي طَالب –﵁- عِنْدَمَا قَالَت: "زوجتني بِرَجُل فَقير لَا شييء لَهُ" فَقَالَ –ﷺ-: "أما ترْضينَ يَا فَاطِمَة إِن الله اخْتَار من أهل الأَرْض رجلَيْنِ جعل أَحدهمَا أَبَاك، والأخر بعلك" ٣.
وَهنا يجب على الْآبَاء أَن يتأكدوا من مُوَافقَة الْبِنْت قبل إِجْرَاء العقد لَهَا.
ويخطئ بعض الْآبَاء من ترديد كلمة نَحن أعلم بمصلحتها –لَا شكّ– أَن الْأَب يفوق ابْنَته فِي الْخِبْرَة، وَطول التجربة فِي الْحَيَاة، وَمَعْرِفَة الرِّجَال وَلَكِن على الرغم من ذَلِك يجب عَلَيْهِ أَن لَا يحيد عَن تعاليم الْإِسْلَام، وَلَا يجْبر ابْنَته على رجل تكرههُ بل عَلَيْهِ أَن يستأذنها وَيعرف رأيها قبل إِجْرَاء عقد النِّكَاح، وَفِي ذَلِك خير كَبِير حَيْثُ تشعر الْبِنْت بكيانها وأهميتها وتبدى رأيها فِي الرجل الَّذِي
_________________
(١) ١ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (١٢/٤٢٠ مَعَ الْفَتْح) كتاب الْحِيَل، بَاب النِّكَاح – ح٦٩٦٩. ٢ابْن سعد (الطَّبَقَات الْكُبْرَى) ٨/٢٠، دَار بيروت للطباعة والنشر، بيروت ب ت. ٣أَبُو جَعْفَر أَحْمد الطَّبَرِيّ (الرياض النضرة فِي مَنَاقِب الْعشْرَة) دَار الْكتب العلمية، بيروت، ٣/١٤٤.
[ ٤٠٤ ]
ستنتقل إِلَى بَيته وَهُوَ أدعى لدوام السَّعَادَة والوفاق لاقتناع كل من الطَّرفَيْنِ بِصَاحِبِهِ فالزوج أَبَاحَ لَهُ الْإِسْلَام النّظر إِلَى من ينوى نِكَاحهَا، وَهِي كَذَلِك ترَاهُ وتستشار فِي الْمُوَافقَة على إِجْرَاء العقد وَهَذِه من عَظمَة ديننَا الإسلامي الحنيف.
وَالصَّدَاق فِي الزواج حق من حُقُوق الزَّوْجَة يَدْفَعهُ لَهَا الزَّوْج قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ ١ فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة يَأْمر الله تَعَالَى الْمُؤمنِينَ بِأَن يُعْطوا النِّسَاء مهورهن فَرِيضَة مِنْهُ تَعَالَى فَرضهَا على الرجل لامْرَأَته، فَلَا يحل لَهُ وَلَا لغيره أَن يَأْخُذ مِنْهُ شَيْئا إِلَّا برضى الزَّوْجَة٢، والنحلة فِي كَلَام الْعَرَب الْوَاجِب وَلَا تنْكح الْمَرْأَة إِلَّا بِشَيْء وَاجِب لَهَا، وَيجب على الرجل دفع الصَدَاق إِلَى الْمَرْأَة حتما، وَأَن يكون طيب النَّفس بذلك٣.
وَلَيْسَ هُنَاكَ حدٌ فِي أقل الصَدَاق وَأَكْثَره، وَيصِح فِيهِ أَن يكون شَيْئا يَسِيرا جدا بِكُل مَا يتراضى عَلَيْهِ الزَّوْجَانِ، أَو من لَهُ ولَايَة العقد وَإِن لم يكن عينا كَالْمَالِ وَالذَّهَب وَنَحْوه، فقد يكون الصَدَاق خدمَة، كقصة مُوسَى ﵇ مَعَ صَاحب مَدين، وَقد يكون تَعْلِيما فقد، ورد فِي الحَدِيث الْمُتَّفق عَلَيْهِ: "أَن امْرَأَة جَاءَت إِلَى رَسُول –ﷺ- فَقَالَت: "يَا رَسُول الله جِئْت لأهب لَك نَفسِي"، فَنظر إِلَيْهَا رَسُول الله –ﷺ- فَصَعدَ النّظر إِلَيْهَا وَصَوَّبَهُ، ثمَّ طأطأ رَأسه، فَلَمَّا رَأَتْ الْمَرْأَة أَنه لم يقْض فِيهَا شَيْئا جَلَست، فَقَامَ رجل من أَصْحَابه فَقَالَ:
"أَي رَسُول الله، إِن لم يكن لَك بهَا حَاجَة فزوجنيها"، فَقَالَ: "هَل عنْدك من شيىء؟ " فَقَالَ: "لَا وَالله
_________________
(١) ١ سُورَة النِّسَاء: آيَة ٤. ٢ انْظُر أَبُو بكر الجزائري، (أيسر التفاسير لكَلَام الْعلي الْكَبِير)، راسم للدعاية والاعلام، جدة، ط٣،ج١، ص٤٣٥-٤٣٦. ٣ ابْن كثير (تَفْسِير الْقُرْآن الْعَظِيم) ج١، ص٤٦٢.
[ ٤٠٥ ]
يَا رَسُول الله"،قَالَ: "اذْهَبْ إِلَى أهلك فَانْظُر هَل تَجِد شَيْئا؟ ".فَذهب ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: "لَا وَالله يَا رَسُول الله مَا وجدت شَيْئا"، فَقَالَ: "انْظُر وَلَو خَاتمًا من حَدِيد" فَذهب ثمَّ رَجَعَ فَقَالَ: "لَا يَا رَسُول الله وَلَا خَاتمًا من حَدِيد، وَلَكِن هَذَا إزَارِي" – فَقَالَ رَسُول الله –ﷺ-: "مَا تصنع بإزارك، إِن لَبِسْتَهُ لم يكن عَلَيْهَا مِنْهُ شيىء، وَإِن لَبِسَتْهُ لم يكن عَلَيْك مِنْهُ شيىء" فَجَلَسَ الرجل حَتَّى طَال مَجْلِسه، ثمَّ قَامَ فرأه رَسُول الله –ﷺ- موليا، فَأمر بِهِ فدعي، فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: "مَاذَا مَعَك من الْقُرْآن؟ " قَالَ: "معي سُورَة كَذَا وَسورَة كَذَا وَسورَة كَذَا"، عدَّها، قَالَ: "أتقرؤهن عَن ظهر قَلْبك؟ " قَالَ: "نعم" قَالَ: "اذْهَبْ فقد ملكتكها بِمَا مَعَك من الْقُرْآن" ١.
وَسنة النَّبِي –ﷺ– وهديه عدم التغالي فِي الصَدَاق، بل إِن خير الصَدَاق أيسره قَالَ الإِمَام ابْن الْقيم –يرحمه الله-: "إِن المغالاة فِي الْمهْر مَكْرُوهَة فِي النِّكَاح، وَأَنَّهَا من قلَّة بركته وعسره"٢. " فقد زوَّج النَّبِي –ﷺ- بَنَاته على الْيَسِير من الصَدَاق فَبعد أَن تمت الْمُوَافقَة على زواج عَليّ بن أبي طَالب -﵁- من فَاطِمَة حُب رَسُول الله –ﷺ- وأصغر بَنَاته جَاءَ إِلَى النَّبِي –ﷺ- فَسَأَلَهُ النَّبِي "مَا تصدقها؟ " فَقَالَ عَليّ: "مَا عِنْدِي مَا أصدقهَا" فَقَالَ الرَّسُول –ﷺ- "فَأَيْنَ درعك الحطمية الَّتِي كنت قد منحتك؟ " قَالَ عَليّ: "عِنْدِي". قَالَ النَّبِي
_________________
(١) ١خرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٩/٢٢٥/٢٢٦ مَعَ الْفَتْح) كتاب النِّكَاح، بَاب النّظر إِلَى المخطوبة قبل التَّزْوِيج – ح ٥١٢٦، وَاللَّفْظ لَهُ وَمُسلم فِي صَحِيحه (٢/١٠٤٠،١٠٤١) كتاب النِّكَاح – ح١٤٢٥. ٢ابْن قيم الجوزية (زَاد الْمعَاد) ٥/١٧٨.
[ ٤٠٦ ]
-ﷺ- " أصدقهَا إِيَّاهَا" فَأَصْدقهَا وتزَوجهَا وَكَانَ ثمنهَا أَرْبَعمِائَة درهما " ١.
هَذَا هُوَ صدَاق بنت رَسُول الله –ﷺ- وحبه وأصغر بَنَاته سيدة نسَاء أهل الْجنَّة فَعَن ابْن عَبَّاس – ﵁ – قَالَ: "خطّ رَسُول الله –ﷺ- فِي الأَرْض أَرْبَعَة خطوط، وَقَالَ: " أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ " فَقَالُوا: " الله وَرَسُوله أعلم "، فَقَالَ رَسُول الله –ﷺ- " أفضل نسَاء أهل الْجنَّة خَدِيجَة بنت خويلد، وَفَاطِمَة بنت مُحَمَّد، وآسيا بنت مُزَاحم امْرَأَة فِرْعَوْن، وَمَرْيَم ابْنة عمرَان ﵅ أَجْمَعِينَ" ٢.
وَمَا يَفْعَله بعض النَّاس فِي زَمَاننَا من التغالي فِي المهور هُوَ أبعد مَا يكون عَن هدي رَسُول الله –صلى الله عَلَيْهِ- وهُوَ أَمر خطير لَهُ أضراره على الْفَرد وعَلى الْمُجْتَمع وَالدّين الإسلامي دين الْيُسْر والسهولة وَفِي أَمر الزواج لَا يقْتَصر الْيُسْر على الصَدَاق بل يَمْتَد إِلَى الْوَلِيمَة الَّتِي يُشهر بهَا الزواج وَهِي أَمر دعى إِلَيْهِ الْإِسْلَام وحثَّ عَلَيْهِ فَكَانَ النَّبِي –ﷺ- يولم فِي زواجه باليسير من النَّفَقَة، فَعَن صَفِيَّة بنت شيبَة قَالَت: " أولم النَّبِي –ﷺ- على بعض نِسَائِهِ بمدين من شعير " ٣.
وَكَذَلِكَ فِي زواج أَصْحَابه ﵃ فَعَن أنس -﵁ -:
" أَن النَّبِي –ﷺ- رأى على عبد الرَّحْمَن بن عَوْف أثر صفرَة، قَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالَ: " إِنِّي تزوجت امْرَأَة على وزن نواة من ذهب "، قَالَ: "بَارك الله لَك، أولم وَلَو بِشَاة " ٤.
_________________
(١) ١ ابْن سعد (الطَّبَقَات الْكُبْرَى) ٨/٢٠. ٢ رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي مُسْنده ١/٢٩٣ ٣ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٩/٢٩٦ مَعَ الْفَتْح) كتاب النِّكَاح، بَاب من أولم بِأَقَلّ من شَاة –ح٥١٧٢ ٤ أخرجه البُخَارِيّ فِي صَحِيحه (٩/٢٧٦ مَعَ الْفَتْح) كتاب النِّكَاح، بَاب كَيفَ يدعى للمتزوج –ح٥١٥٥، وَمُسلم فِي صَحِيحه (٢/١٠٤٢) كتاب النِّكَاح، ح١٤٢٧.
[ ٤٠٧ ]
وَفِي زواج بَنَاته ﵅ كَذَلِك مظهر من مظَاهر الْيُسْر فِي الْوَلِيمَة فَفِي لَيْلَة زواج فَاطِمَة ﵂ قَالَ الرَّسُول –ﷺ-: "يَا عَليّ لَا بُد للعروس من وَلِيمَة ". فَقَالَ سعد بن معَاذ -﵁-: "عِنْدِي كَبْش". وَجمع رَهْط من الْأَنْصَار أصواعًا من ذرة وأولم الرَّسُول –ﷺ- ١.
ونشهد من بعض النَّاس إسرافًا وَاضحا فِي ولائم الزواج وتباهيًا وتفاخرًا غير مَحْمُود وَهَذَا أَيْضا مُخَالف لهدي النَّبِي –ﷺ- وسنته، وَيعود هَذَا الْإِسْرَاف وَغَلَاء المهور على الْأَفْرَاد والمجتمعات بمشاكل وسلبيات كَثِيرَة، أهمها: كَثْرَة العوانس فِي الْبيُوت، وَتَأَخر سنّ الزواج بَين الشَّبَاب، فقد أثبت عبد الرب نواب الدّين فِي دراسة لَهُ: أَن ٩٢% من الْبَنِينَ و٦٩% من الْبَنَات يرَوْنَ أَن غلاء المهور سَبَب قوي ومباشر من أَسبَاب العنوسة وَتَأَخر سنّ الزواج، واستنتج أَن هَذِه النِّسْبَة الْعَالِيَة تدل على أَن غلاء المهور مشكلة قَائِمَة فِي الْمُجْتَمع، وَهِي مشكلة مستفحلة يعاني مِنْهَا قطاع كَبِير جدا من الشَّبَاب، وَأَنَّهَا السَّبَب الأول والمباشر لظاهرة العنوسة أَو تَأَخّر سنّ الزواج، أَو العزوف عَن الزواج من ذَوي المهور الغالية والتكاليف الْعَالِيَة! واللجوء من ثمّ إِلَى الْخَارِج للزواج من ذَوَات المهور الْيَسِيرَة والمؤونة السهلة٢.
_________________
(١) ١ ابْن سعد (الطَّبَقَات الْكُبْرَى) ٨/٢١، دَار بيروت للطباعة والنشر بيروت، ب ت. ٢ انْظُر عبد الرب نواب الدّين آل نواب (تَأَخّر سنّ الزواج أَسبَابه، وأخطاره، وطرق علاجه على ضوء الْقُرْآن وَالسّنة)،دَار العاصمة للنشر والتوزيع، الرياض، ط١ ١٤١٥هـ، ص١٧٤.
[ ٤٠٨ ]