- كررها مرتين أو ثلاثًا (١).
يا مظهر الكبر إعجابًا بصورته انظر خلاك فإن النتن تثريب
لو فكر الناس فيما في بطونهم ما استشعر الكبر شبان ولا شيب
هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة وهو بخمس من الأقذار مضروب
أنف يسيل وأذن ريحها سهك والعين مرفضة والثغر ملعوب
يابن التراب ومأكول التراب غدًا أقصر فإنك مأكول ومشروب (٢)
وثوب الشهرة قد يكون ثوبًا رديئًا ليظهر الإنسان حاله أنه من الزهاد والصالحين! ! رأى ابن عمر على ابنه ثوبًا قبيحًا دونًا فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة (٣).
أخي الحبيب:
كيف حالك مع الفقراء والمساكين والمعدمين؟ ! هذا سبط رسول الله - ﷺ - وقد حاز الشرف الرفيع والنسب العالي ومع هذا يتواضع وهو أهل لذلك:
عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه مر بمساكين وهم يأكلون كسرًا لهم على كساء فقالوا: يا أبا عبد الله، الغذاء، قال: فنزل وقال: إنه لا يحب المستكبرين، فأكل معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، فانطلقوا معه فلما أتوا المنزل قال لجاريته:
_________________
(١) الإحياء ٣/ ٣٥٩.
(٢) أدب الدنيا والدين، ص ٢٣٣.
(٣) التواضع والخمول، ص ١٢٩.
[ ٥١ ]
أخرجي ما كنت تدخرين (١).
وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه أتاه ذات ليلة ضيف فلما صلى العشاء وكان يكتب شيئًا والضيف عنده كاد السراج أن ينطفئ، فقال الضيف: يا أمير المؤمنين، أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ قال: ليس من مروءة الرجل أن يستعمل ضيفه. قال: أفأنبه الغلام؟ قال: لا، هي أول نومة نامها، فقام عمر وأخذ البطة فملأ المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر وخير الناس عند الله من كان متواضعًا.
وقال قيس بن أبي حازم: لما قدم عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه علماؤها وكبراؤها فقيل: اركب هذا البرذون يرك الناس، فقال: إنكم ترون الأمر من ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيلي.
وروي في رواية أخرى أن عمر رضي الله تعالى عنه جعل بينه وبين غلامه مناوبة، فكان يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ عمر بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ، فلما قربا من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة، فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء ونعله تحت إبطه اليسرى وهو آخذ بزمام
_________________
(١) تبينه الغافلين، ص ٩٥.
[ ٥٢ ]
الناقة، فخرج أبو عبيدة بن الجراح وكان أميرًا على الشام وقال: يا أمير المؤمنين، إن عظماء الشام يخرجون إليك فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إنما أعزنا الله تعالى بالإسلام فلا نبالي من مقالة الناس (١).
وقال عروة بن الزبير ﵄: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها.
وولي أبو هريرة ﵁ إمارة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره ويقول: طرقوا للأمير (٢).
وقال أنس: كان بين كتفي عمر أربع رقاع وإزاره مرقوع بأدم. وخطب عمر على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة (٣).
وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ (٤): أي يتبختر.
ودخل ابن السماك على هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك، فقال: ما أحسن ما قلت! فقال: يا أمير المؤمنين إن امرءًا آتاه الله جمالًا في خلقته
_________________
(١) تنبيه الغافلين، ص ٩٧.
(٢) مدارج السالكين، ص ٣٤٣.
(٣) البداية والنهاية ٧/ ١٤٨.
(٤) سورة القيامة، الآية: ٣٣.
[ ٥٣ ]
وموضعًا في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتواضع في حسبه - كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده.
وكان سليمان بن داود ﵉ إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول: مسكين مع مساكين.
وقال بعضهم: كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة (١).
وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر، فعلاه، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ ! فقال: إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع (٢).
وقال جرير بن عبد الله: انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت النطع فسويته عليه، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي، فذكرت له ما صنعت فقال لي: يا جرير، تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع في الدنيا رفعه الله يوم القيامة. يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا (٣).
وقال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي
_________________
(١) الإحياء ٣/ ٣٦١.
(٢) التواضع والخمول، ص ١٢٣.
(٣) الإحياء ٣/ ٣٦١.
[ ٥٤ ]
الله عنه وهو يخطب باثني عشر درهمًا. وكانت قباء وعمامة وقميصًا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة (١).
نعم هذا تواضع الخليفة الأموي الذي ملأ الأرض عدلًا وزان حياته بالزهد والورع ﵀.
قيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك.
وتأمل أخي الحبيب في قول كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقًا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه (٢).
أخي المسلم:
هذا حديث الصادق الصدوق الذي لا ينطق عن الهوى - ﷺ - اجعله على رأسك وأمام عينيك حيث قال: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٣).
رزقنا الله التواضع، وألزمنا جادة المؤمنين، وجعلنا ووالدينا وذرياتنا وأزواجنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) مدارج السالكين، ص ٣٤٤.
(٢) الإحياء ٣/ ٣٦١.
(٣) رواه مسلم.
[ ٥٥ ]