أخي المسلم:
تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة فإن رفيع القوم من يتواضع
قال أبو حاتم ﵁: أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة، ولا يترك المرء التواضع إلا عند استحكام التكبر، فلا يتكبر على الناس أحد إلا بإعجابه بنفسه، وعجب المرء بنفسه أحد حماد عقله، وما رأيت أحدًا تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه (١).
وتأمل أخي الحبيب في صورة التواضع العجيبة من خير هذه الأمة بعد رسول الله - ﷺ - أبي بكر وعمر ﵄ وقد ضربا أروع الأمثلة على جلالة قدرهما وعظم منزلتهما:
قال علماء السير: كان أبو بكر ﵁ يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها فقال: بل أحلبها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه، عن خلق كنت فيه، فكان يحلب لهم (٢).
وهذا ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ﵁ يضرب لنا مثلًا في التواضع، قال طلحة بن عبيد الله: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتًا، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت،
_________________
(١) روضة العقلاء، ص ٦٢.
(٢) صفة الصفوة ١/ ٢٥٨.
[ ٤٠ ]
فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع (١).
ومن خصال المتكبرين التي نراها ونشاهدها:
- جر الثياب بطرًا ورياء، والتفاخر بها والتعالي على الناس بكل ملبوس غالي الثمن.
- أن لا يمشي إلا ومعه أحد يمشي خلفه.
- أن لا يزور أحدًا تكبرًا على الناس.
- أن يستنكف من جلوس أحد إلى جانبه أو مشيه معه.
- أن لا يتعاطى بيده شغلًا في بيته.
- أن لا يحمل متاعه من سوقه إلى بيته.
- ذكر ما لديه من الأموال والدور والقصور تكبرًا ومباهاة.
وجماع ذلك كله أن يرى أنه فوق الناس وهم دونه سواء في أمر معين كالعلم أو المال أو الجمال أو الحسب والنسب أو بها جميعًا.
ومن تأمل في تلك علم أنها ربما تزول في لحظات؛ فالعلم إلى زوال، والمال إلى نهاية، والجمال إلى شيخوخة أو قبل ذلك بطارق من طوارق الزمن .. ولنا في ما ذكره الله ﷿ عن صاحب المال
_________________
(١) البداية والنهاية ٧/ ١٣٩.
[ ٤١ ]
والغنى عبرة وتذكرة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (١).
أخي الحبيب:
لا تفخرن بما أوتيت من نعم على سواك وخف من كسر جبار
فأنت في الأصل بالفخار مشتبه ما أسرع الكسر في الدنيا لفخار (٢)
قال علي بن ثابت: لو لقيت سفيان الثوري في طريق مكة ومعك فلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف سفيان ظننت
_________________
(١) سورة الكهف، الآيات: ٣٢ - ٤٢.
(٢) شذرات الذهب ٦/ ٢٤٨.
[ ٤٢ ]
أنك ستضعها في يده. وما رأيت سفيان في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط ويجمع بين ركبتيه.
إذا شئت أن تزداد قدرًا ورفعة فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا (١)
قال سعيد بن عامر: قيل إن يونس بن عبيد قال: إني لأعد مائة خصلة من خصال البر ما في خصلة واحدة (٢).
وتأمل في المجالس إلى من يزكون أنفسهم ويمجدون أفعالهم حبًا في الثناء وطمعًا في الشهرة .. وقد كثر هذا في الناس لقلة العلم الشرعي وضعف التقوى ومحبة الدنيا.
قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: إن الرجل إذا أخذ يمدح نفسه ذهب بهاؤه (٣).
وقال الفضيل: إن استطعت أن لا تكون محدثًا ولا قارئًا ولا متكلمًا. إن كنت بليغًا، قالوا: ما أبلغه، وأحسن حديثه، وأحسن صوته، ليعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغًا ولا حسن الصوت، قالوا: ليس يحسن يحدث، وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائيًا، وإذا جلست فتكلمت فلم تبال من ذمك ومن مدحك، فتكلم (٤).
قال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب (السختياني) لحاجة، فلا
_________________
(١) التواضع والخمول، ص ١٢.
(٢) السير ٦/ ٢٩١.
(٣) السير ٨/ ١٠٩.
(٤) السير ٨/ ١٠٩.
[ ٤٣ ]