أخي المسلم:
هاك مواقف جميلة وعبر ناصعة من سلف هذه الأمة وحرصهم على التواضع والبعد عن الشهرة والثناء.
عن خالد بن معدان قال: كان يحيى بن سعيد إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة.
قال ليث عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام.
وقال أبو بكر بن عياش: سألت الأعمش كم رأيت أكثر ما رأيت عند إبراهيم؟ قال: أربعة، خمسة.
قال أبو بكر، ما رأيت عند حبيب بن أبي ثابت غلمة ثلاثة قط (١).
وقال: قال بشر بن الحارث: لا أعلم رجلًا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح.
وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس (٢).
حقيق بالتواضع من يموت ويكفي المرء من دنياه قوت
فما للمرء يصبح ذا هموم وحرص ليس تدركه النعوت
صنيع مليكنا حسن جميل وما أرزاقه عنا تفوت
فيا هذا سترحل عن قليل إلى قوم كلامهم السكوت (٣)
قال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب
_________________
(١) التواضع والخمول، ص ١٢٢.
(٢) التواضع والخمول، ص ١٣٠.
(٣) البداية والنهاية ٨/ ١٢.
[ ٤٩ ]
كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن. وإن قلوب الأبرار تغلي بأعمال البر وإن قلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور. والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله (١).
وليتبد كل قارئ ويظهر همه ومنتهى أمله؟ ! أهو لدنيا فانية ودار زائلة وكرسي متحرك؟ ! أم هو هم الدين ورفعته والدعوة إليه والصبر على ذلك!
مر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له: ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله، كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك! داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم (٢).
وحال المتكبر تدعوه إلى رد الحق وعدم قبوله وهذه عين فساد القلب وخبثه. قال رسول الله - ﷺ - لرجل: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، فقال النبي - ﷺ -: «لا استطعت ما منعه إلا الكبر» فما رفعها إلى فيه (٣).
ورأى محمد بن واسع ولده يختال فدعاه وقال: أتدري من أنت؟ أما أمك فاشتريتها بمائتي درهم. وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله!
ورأى ابن عمر رجلًا يجر إزاره فقال: إن للشيطان إخوانًا
_________________
(١) روضة العقلاء، ونزهة الفضلاء، ص ٢٧.
(٢) الإحياء ٣/ ٣٥٩.
(٣) رواه مسلم.
[ ٥٠ ]