لتكريمه وتفضيله.
والفضائل تلك هي أخلاق رفيعة تحمل صاحبها على السير بين الناس بسيرة حسنة من صدق، وكرم، ومروءة، وحب في الله، وحب الخير، وغير ذلك من الآداب.
والتواضع أحد تلك الفضائل، بل وركيزة مهمة من ركائز التربية الإيمانية في حياة المسلم، ذلك لأنه يضعه في المكان اللائق به -أعني مكان العبودية- فلا يبارح هذا المكان ولا يعتدي عليه.
أفلا ترى أن أكثر من نبذوا هذا الخلق إنما هم في الحقيقة معتدون على مقام الألوهية؟ لأن الكبرياء والعظمة لله وحده، ولا يجوز للعبد أن يتصف بهما أو بإحداهما فقد قال - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: «الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما ألقيته في جهنم» فليس بغريب إذًا أن نجد التواضع من سيماء الصالحين، ومن أخص خصال المؤمنين المتقين، ومن كريم سجايا العلماء (١).
عن المبارك بن فضالة قال: كان بين عمر بن الخطاب ﵁ وبين رجل كلام في شيء، فقال له الرجل: اتق الله يا أمير المؤمنين، فقال له رجل من القول: أتقول لأمير المؤمنين اتق الله؟ !
فقال عمر: دعه فليقلها لي، نعم ما قال.
ثم قال عمر: لا خير فيكم إذا لم تقولوها، ولا خير فينا إذا لم
_________________
(١) تأريخ الخلفاء، ص ٢٤٩.
[ ٣١ ]
نقبلها (١).
وقال رجل لأبي حنيفة ﵀: اتق الله! !
فانتفض واصفر، وأطرق وقال: جزاك الله خيرًا، ما أحوج الناس كل وقت إلى ما يقول هذا (٢).
الله أكبر! الأول خليفة والآخر عالم زمانه وهذا جوابهم، واليوم يخشى البعض وهو يقول ناصحًا لعامة الناس: اتقوا الله أن يصيبه من بذاءة ألسنتهم وفحش ألفاظهم.
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرًا
وعند الله للأتقى مزيد
أخي المسلم:
واعلم أن الزمان لا يثبت على حال كما قال ﷿: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ (٣).
فتارة فقر، وتارة غنى، وتارة عز، وتارة ذل، وتارة يفرح الموالي، وتارة يشمت الأعادي.
فالسعيد من لازم أصلًا واحدًا على كل حال، وهو تقوى الله ﷿، فإنه إن استغنى زانته، وإن افتقر فتحت له أبواب الصبر،
_________________
(١) تأريخ عمر لابن الجوزي، ص ١٧٦.
(٢) السير ٦/ ٤١٥.
(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٤٠.
[ ٣٢ ]
وإن عوفي تمت النعمة عليه، وإن ابتلي حملته، ولا يضره إن نزل به الزمان أو صعد، أو أعراه أو أشبعه أو أجاعه.
لأن جميع تلك الأشياء تزول وتتغير، والتقوى أصل السلامة حارس لا ينام، يأخذ باليد عند العثرة، ويوافق على الحدود.
والمتكبر من غرته لذة حصلت مع عدم التقوى، فإنها ستحول وتخليه خاسرًا.
ولازم التقوى في كل حال، فإنك لا ترى في الضيق إلا السعة، وفي المرض إلا العافية. هذا نقدها العاجل. والآجل معلوم (١).
قال يحيى بن معين: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، صحبناه خمسين سنة ما افتخر علينا بشيء مما كان فيه في الصلاح والخير (٢).
وكان ﵀ يقول: نحن قوم مساكين ..
وقال إسماعيل بن إسحاق الثقفي: قلت لأبي عبد الله (أحمد بن حنبل) أول ما رأيته: يا أبا عبد الله، ائذن لي أن أقبل رأسك، فقال: لم أبلغ أنا ذاك.
﵀ وأجزل مثوبته .. صبر على المحن وثبت على الفتنة التي أصابته وكان إمامًا للمسلمين وهو مع هذا يقول: لم أبلغ أنا ذاك!
_________________
(١) صيد الخاطر، ص ١٨١.
(٢) مناقب الإمام أحمد، ص ٣٣٤.
[ ٣٣ ]
وهذا سبط رسول الله - ﷺ - وهو يؤدي شعيرة عظيمة خاشعًا متذللًا .. ترك الكبر والبطر والمباهاة والفخر ..
فقد حج الحسين بن علي عشر حجج ماشيًا ونجبه تقاد إلى جنبه (١).
وعن عمر بن ثابت قال: لما مات علي بن الحسين بن علي فغسلوه، فجعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره، فقالوا: ما هذا؟ فقالوا: كان يحمل جراب الدقيق ليلًا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة (٢).
أخي المسلم:
قال عمر ﵁: إن العبد إذا تواضع لله رفع حكمته وقال: انتعش رفعك الله، وإذا تكبر وعدا طوره رهصه الله في الأرض وقال: اخسأ خسأك الله، فهو في نفسه كبير وفي أعين الناس حقير حتى أنه لأحقر عندهم من الخنزير (٣).
وذكر أن العلاء بن زياد قال له رجل: رأيت كأنك في الجنة، فقال له: ويحك، أما وجد الشيطان أن أحدًا يسخر به غيري وغيرك؟ (٤).
وعندما مر المهلب على مالك بن دينار متبخترًا، فقال: أما
_________________
(١) روضة العقلاء، ص ٦٢.
(٢) انظر: السير ٤/ ١٣٩.
(٣) الإحياء ٣/ ٣٦١.
(٤) حلية الأولياء ٢/ ٢٤٥.
[ ٣٤ ]