وطريقها الشرعي، قال قتادة: من أعطي مالًا أو جمالًا أو ثيابًا أو علمًا؛ ثم لم يتواضع فيه كان عليه وبالًا يوم القيامة (١).
ولأن مما شاع في هذه الأيام المباهاة بالمآكل والمشارب والملابس والمراكب حتى أصبحت شغل الكثير وأضاعت من الأموال الكثير ..
وقد قال رسول الله - ﷺ -: «البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان، البذاذة من الإيمان» (٢).
قال عبد الله (ابن أحمد بن حنبل) سألت أبي قلت: ما البذاذة؟ قال: التواضع في اللباس (٣).
وأثر التواضع في الدنيا محسوس ملموس.
قال أبو حاتم ﵁: التواضع يرفع المرء قدرًا، ويعظم له خطرًا، ويزيده نبلًا (٤).
وقد حرصوا على طلب مرضاة الله ﷿ بالتواضع ونفي الكبر والبعد عنه وأخذ النفس على الحق.
قال بكر بن عبد الله (المزني): إذا رأيت من هو أكبر منك فقل: هذا سبقني بالإيمان والعمل الصالح فهو خير مني، وإذا رأيت من هو أصغر منك فقل: سبقته إلى الذنوب والمعاصي فهو خير مني،
_________________
(١) التواضع والخمول، ص ١٤٢.
(٢) رواه الحاكم وابن ماجه وأبو داود.
(٣) الزهد للإمام أحمد، ص ٢٠.
(٤) روضة العقلاء، ص ٦٠.
[ ٢٤ ]
وإذا رأيت إخوانك يكرمونك ويعظمونك فقل: هذا فضل أخذوا به، وإذا رأيت منهم تقصيرًا فقل: هذا ذنب أحدثته.
هذا في أمر الآخرة أما في أمر الدنيا وشرفها فكما قال عروة بن الزبير: التواضع أحد مصائد الشرف، وكل ذي نعمة محسود عليها إلا التواضع. لأنها تثمر ثمرة يشرف المرء بها على قومه ومن حوله؛ وذلك طاعة لله ﷿، وامتثالًاَ لأمره، ومعرفة بنعمته وفضله.
قال بعض الحكماء: ثمرة القناعة الراحة، وثمرة التواضع المحبة.
أخي الحبيب: أين نحن من هؤلاء؟
كان الحسن بن علي ﵄: يمر بالسؤال وبين أيديهم كسر، فيقولون: هلم إلى الغداء يا ابن رسول الله، فكان ينزل ويجلس على الطريق ويأكل معهم ويركب، ويقول: إن الله لا يحب المستكبرين (١).
وكان عثمان ﵁ يلي وضوء الليل بنفسه، فقيل له: لو أمرت بعض الخدم فكفوك، قال: لا. الليل لهم يستريحون فيه (٢).
وعن عمرو بن قيس: أن عليًا ﵁ رئي عليه إزار مرقوع فعوتب في لبوسه، فقال: يقتدي به المؤمن، ويخشع القلب (٣).
_________________
(١) الإحياء ٢/ ٢٦٢.
(٢) تأريخ الخلفاء، ص ١٥٣.
(٣) التواضع والخمول لابن أبي الدنيا ص ١٦٥.
[ ٢٥ ]
قال نوح ﵇ لابنه سام: يا بني لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الشرك بالله فإنه من يأت الله مشركًا فلا حجة له، ويا بني لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من الكبر فإن الكبرياء رداء الله ﷿ فمن ينازع الله رداءه يغضب عليه، ويا بني لا تدخلن القبر وفي قلبك مثقال ذرة من القنط فإنه لا يقنط من رحمة الله إلا ضال (١).
وللمسرفين والمسرفات والمبذرين والمبذرات في فستان يلبس ليلة واحدة، أو حلي للمباهاة والمفاخرة؛ إليهم نصح الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز لأحب وأقرب الناس إليه.
فقد بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنًا له اشترى خاتمًا بألف درهم، فكتب إليه عمر: بلغني أنك اشتريت فصًا بألف درهم، فإذا أتاك كتابي، فبع الخاتم وأشبع به ألف بطن، واتخذ خاتمًا بدرهمين، واجعل فصه حديدًا حينيًا، واكتب عليه: «رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه».
ولو فعل البعض مثل ذلك أو قريبًا منه لما مات جائع مسلم في آسيا .. ولما تنصرت أم مسلمة في أفريقيا .. ولما اغتصبت فتاة مسلمة في أوربا .. والله المستعان .. البعض يهنأ بالمراكب والفرش والحرير وإخوانه يموتون جوعًا وهو يرى ويسمع .. ووسائل الإعلام تقيم عليه الحجة ليلًا ونهارًا .. فما عذره أمام الله ﷿؟ !
_________________
(١) كتاب الزهد للإمام أحمد، ص ٨٨.
[ ٢٦ ]