أولًا: الكبر على الله ﷿ مثل قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ (٥) إذ استنكف أن يكون عبدًا لله.
ثانيًا: الكبر على الرسل من حيث تعزز النفس وترفعها على الانقياد لبشر مثل سائر الناس، ولذا لا تطاوعه نفسه للانقياد للحق والتواضع للرسل كما حكى الله قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ (٦)، وقولهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ (٧).
_________________
(١) سورة الحجر، الآية: ٨٨.
(٢) سورة الشعراء، الآية: ٢١٥.
(٣) سورة القلم، الآية: ٤.
(٤) تنبيه الغافلين، ص ٩٧.
(٥) سورة النازعات، الآية: ٢٤.
(٦) سورة المؤمنون، الآية: ٤٧.
(٧) سورة إبراهيم، الآية: ١٩.
[ ٣٦ ]
ثالثًا: التكبر على العباد، وذلك بأن يستعظم نفسه ويستحقر غيره ويزدريهم. ويكون التكبر على العباد بأمور دنيوية منها:
* العلم: وبعض من آتاه الله علمًا دينيًا أو دنيويًا يستعظم نفسه ويستحقر الناس وينظر إليهم نظرة البهائم وأنه ينبغي أن يخدموه، وأن يكرموه وأن يكونوا أذلاء بين يديه .. وهو يفرح بكل ذلك مع كثرة جدله وحبه للمراء والمناظرة والغلبة على الخصوم بحق أو باطل.
* العبادة: بأن يرى أن الناس هالكين ويرى نفسه ناجيًا، ولذا يرى أنه أحق بالزيارة والتوسع له في المجلس وذكر زهده وعلمه وورعه.
* التكبر بالحسب والنسب: فالذي له نسب شريف يستحقر من ليس له ذلك النسب وإن كان أرفع منه علمًا وعملًا، وقد يتكبر بعضهم فيرى أن الناس له أموال وعبيد، وكان من عادات الجاهلية التفاخر بالأحساب والأنساب.
* التفاخر بالجمال: وذلك أكثر ما يجري بين النساء ويدعو إلى التنقص والغيبة والاستهزاء.
* الكبر بالمال: وذلك يجري بين الملوك في خزائنهم ومن التجار في بضائعهم. وتأمل في حال قارون وهو في ماله ثم أين انتهى به الكبر والعياذ بالله: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو
[ ٣٧ ]
حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١).
* الكبر بالقوة: وذلك في أهل القوة الجسمية والعسكرية وذلك بالبطش بالضعفاء وإهانتهم وتعذيبهم.
* التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والعشيرة والأقارب والبنين.
قال أبو سليمان: لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه.
وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالًا. وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه ﷿ ومعرفته بنفسه.
قال وهب بن منبه: آية المنافق أنه يكره الذم ويحب الحمد (٢).
ولقد كثر ذلك في زماننا والله المستعان، فأصبح البعض يحب المدح والثناء ويسر به ويكرم من يقوم له بذلك ويغدق عليه الأموال، وبعض المدراء والرؤساء يقرب المداحين المنافقين ويبعد الناصحين المحبين! ! والمسلم إن مدح بحق فهو لا يؤجر على هذا المدح .. فما بالك بمن يمدح بباطل ويحرص على أن تجمع له الكلمات وتصف له الحروف؟ !
قال أبو سليمان: لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي
_________________
(١) سورة القصص، الآية: ٧٩.
(٢) الزهد للإمام أحمد، ص ٥١٧.
[ ٣٨ ]
عند نفسي ما قدروا عليه.
وقال عروة بن الورد: التواضع أحد مصائد الشرف. وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع (١).
ولا شك أن من علامة التواضع أن يكره المرء أن يذكر بالبر والتقوى والصلاح والتقى بين الناس.
هذا إما أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ عندما ذكر عنده أخلاق الورعين فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟ (٢)
وهذا علم آخر من أعلام السلف لا يرى لنفسه حقًا على غيره مع علمه وورعه وطاعته وعبادته! !
قال أحمد بن عبد الله العجلي: آجر سفيان نفسه من جمال إلى مكة، فأمروه أن يعمل خبزة، فلم تجئ جيدة، فضربه الجمال، فلما قدموا مكة، دخل الجمال فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس، فسأل، فقالوا: هذا سفيان الثوري، فلما انفض عنه الناس تقدم الجمال إليه وقال: لم نعرفك يا أبا عبد الله، قال: من يفسد طعام الناس يصبه أكثر من ذلك (٣).
_________________
(١) الإحياء ٣/ ٣٦٢.
(٢) السير ١١/ ٢٢٦.
(٣) السير ٧/ ٢٧٥.
[ ٣٩ ]