أيها الأحبة: وسريعًا أوجز لحضراتكم أهم ثمار الاستغفار وفوائده العظيمة الجمّة على الفرد والمجتمع:
أولًا: في المداومة على الاستغفار "مغفرة للذنوب، وتكفير للسيئات" قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] ودققوا في هذا التعبير القرآني" يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا" لماذا التعبير بالوجدان هنا؟ ! قال: لأن التائب المستغفر يجد أثر المغفرة في نفسه أولًا بكراهة الذنب وذهاب داعيته، ثم يجد بعد ذلك أثر الرحمة بالرغبة فى الأعمال الصالحة التي تطهر النفس وتزيل الدّرن منها (^١). إذن الاستغفار هو دواؤك الناجع وعلاجك الناجح من الذنوب والخطايا، لذلك أمر النبي ﷺ بالاستغفار دائمًا وأبدًا بقوله: "يا أيها الناس استغفروا الله وتوبوا إليه فإني استغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة (^٢) " كلما وقعت في ذنب بادر إلى التوبة والاستغفار واجعل لنفسك وردًا يوميًا أقله في اليوم مائة مرة كما فعل رسول قالَ رياح القيسيُّ وكان من السلف الصالح وهو من أقران مالك بن دينار. قال: "لي نيف وأربعونَ ذنبًا، قدِ استغفرتُ لكل ذنب مائةَ ألفِ مرَّةٍ (^٣) " وكان عبد الله ابن عمر ﵄ يصلِّي من الليل. ثم يقول لخادمه نافع: (يا نافع، هل جاء السَّحَر؟) فإذا قال: نعم، أقبَل على الدعاء والاستغفارِ حتى يصبح (^٤).
ثانيًا: في المداومة على الاستغفار أمان من العقوبة والعذاب، وسبب لدفع البلاء والنقم عن العباد والبلاد، ورفع الفتن والمحن عن الأمم والأفراد، لاسيما إذا صدر ذلك من قلوب موقنة مؤمنة
مخلصة خالصة. ألم يقل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
_________________
(١) تفسير المراغي ٥/ ١٥٠ بتصرف
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، والطبراني، وابن مردويه عن أبى بردة عن رجل من المهاجرين، الحكيم عن أبي بردة عن الأغر)
(٣) صفة الصفوة ٢/ ٢١٨
(٤) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/ ٢٣
[ ٤ ]
فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال ٣٣] قال أَبو مُوسَى الأشعري ﵁: " أَمَانَانِ كَانَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، رُفِعَ أَحَدُهُمَا - وهو النبي ﷺ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وَبَقِي الآخَرُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^١).
ثالثًا: في المداومة على الاستغفار: تفريج للهموم، وجلب للأرزاق وخروج من الضوائق والعوارض. مِن أينَ لك ذلك؟ ! اسمع معي إلى قول رسول الله في الحديث الذي رواه الإمام أبو داود وابن ماجة وأحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " مَنْ لَزِمَ الاِسْتِغْفَارَ، جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ (^٢) ". يا من يعاني عدم البركة في رزقه هلا جربت الحلول التي وضعها رسول الله بين يديك لذا قال لقمان الحكيم لابنه ذات يوم: "يا بُنيَّ؛ عوِّد لسانَكَ: اللهَمَّ اغفرْ لِي، فإنَّ للَّهِ ساعاتٍ لا يَردُّ فيهنَّ سائلًا (^٣) ".
رابعًا: في المداومة على الاستغفار إيذان بنزول الغيث المدرار من السماء، وحصول البركة في الأرزاق والثمار والأنْسَال، كما قال سبحانه حكاية عن نبيه نوح ﵇: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا، مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [سورة نوح: ١٠_١٤]
_________________
(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل ٣٢/ ٢٦٤.
(٢) قال المنذري: رواه أبو داود والنسائي، وابن ماجه، والحاكم والبيهقي، كلهم من رواية الحكم بن مصعب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ٢/ ٤٦٨. وقد صحح إسناده العلامة أحمد شاكر في تعليقه على " المسند " رقم (٢٢٣٤) بناء على أنه ثقة عند البخاري لأنه لم يذكر فيه جرحًا فانظره.
(٣) لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص: (٢١٤) لابن رجب الحنبلي.
[ ٥ ]
ولقد ذكر الإمام القرطبي _رحمه الله_ (^١): أن رجلًا جاء إلى التابعي الجليل الحسن البصري يشكو إليه الجدب والقحط فأجابه قائلًا ياهذا: "استغفر الله "، ثم جاءه رجلُ آخر يشكو الحاجة والفقر فقال له يا هذا: "استغفر الله"، ثم جاءه ثالثُ يشكو قلة الولد فقال له: " استغفر الله"، فعجب القوم من إجابته وقالوا: لقد أتاك رجال يشكون أنواعًا من البلاء فأمرتهم كلهم بالاستغفار .. كيف ذلك. فقال لهم وهو يرشدهم إلى الفقه الإيماني والفهم القرآني والهدي النبوي .. ألم تقرؤا قول الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا، مَّا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾.
خامسًا: من ثمار المداومة الاستغفار: أن المستغفرين يمتعهم ربهم متاعًا حسنًا، فيبدِّل خوفهم أمنًا، وفقرهم غنىً، وشقاءهم سعادةً، فيهنئون بطيب العيش، وينعمون بالسعادة في الحياة، ويسبغ عليهم سبحانه المزيدَ المزيد من خيره وإنعامه. اقرأ معي قول الله تعالى: (وَأَنِ؟ سْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى؟ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ). [سورة هود: ٣] ووصف المتاع بالحسن؛ ليدل على أنه عطاء ليس مشوبًا بالمكدرات والمنغصات التي تقلق الإنسان في دنياه، وإنما هو عطاء يجعل المؤمن يتمتع بنعم الله التي أسبغها عليه، مع المداومة على شكره- سبحانه- على هذه النعم (^٢).