والشاهد هنا عناية الله بأوليائه، وما بلغوا ذلك إلا بتجريد محبتهم لمعبودهم سبحانه، فهم كما قال ابن القيم – ﵀ -: (فالنفوس العليّة الزكيّة تعبده لأنه أهل أن يُعبد ويُجَلّ ويُحَبّ ويُعظّم، فهو لذاته مستحق للعبادة، ولا يكون العبد كأجير السوء إن أُعطي أُجرةً عَمِل، وإن لم يُعط لم يعمل، فهذا عبد الأجرة لا عبد المحبة والإرادة!) انتهى (١).
وذكر - ﵀ - محبة خواص أولياء الله، وأنهم يريدون قربه، ووصولهم إليه، واشتغالهم به عما سواه والتنعم بحبه، ولذّة الشوق إلى لقائه.
وذكر أن هذا هو مطلوبهم الأعظم وأنه إذا انضاف إلى هذا المطلب الأعظم المقصود بالقصد الأول طلبهم لِثوابه المخلوق المنفصل فلا عِلّة في هذه العبودية.
وعلماء السلف - ﵏ - يُبيّنون التوحيد ليتجرّد ويتصفى من العِلل والشوائب.
ولذلك يقول ابن القيم - ﵀ -: (والعارفون عملهم على المنزلة والدرجة، والعمال عملهم على الثواب والأجرة، وشتّان ما بينهما) (٢).
وليس المراد مما تقدم عَيْب سؤال الله الجنة، وإنما العَيْب أن يكون مبلغ
_________________
(١) مدارج السالكين، ٢/ ٧٦.
(٢) المصدر السابق.
[ ٤٤ ]
العلم ومنتهى الإرادةِ والطلبِ هو الجنة المخلوقة، والغيْبَة عن حقيقة التعَبُّدِ والتألّه، فالشأن كلّ الشأن في العلم بالله تعالى ومعرفته وحُبه.
والنبي - ﷺ - قال: (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهَارُ الجنة) (١).
ولذلك قال ابن القيم في هذا الحديث: (ومعلوم أن هذا مسْكن خاصة الخاصة وسادات العارفين، فسؤالهم إياه ليس عِلّةً ولا قدحًا فيه) (٢).
وقال - ﵀ - عن الجنة:) (وقد حَضّ النبي - ﷺ - عليها أصحابه وأمته فَوصفها وجلاّها لهم ليخطبوها وقال: " ألا مشمرٌ للجنة!، فإنَّ الجنةَ لا خطر لها، هي وربِّ الكعبةِ نور يتلألأ، وريحانه تهتز، وقصْر مَشِيد، ونهر مُطَّرِد، وفاكهة كثيرة نَضِيجَة، وزوجة حسناء جميلة، وحُلَل كثيرة في مقامٍ أبدًا، في حَبْرة ونضْرَة، في دُورٍ عاليةٍ سليمةٍ بَهيةٍ "، فقال الصحابة: نحن المشمرون لها. فقال - ﷺ -: " قولوا: إن شاء الله " (٣).
إذًا ليس المراد الشَّطَح، وإنما المراد بيان حقيقة التوحيد والعبودية والفرقان
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٢٦٣٧)، وأحمد برقم (٨٤٠٠) والترمذي برقم (٢٥٣٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) مدارج السالكين، ١/ ٤٨٠.
(٣) رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٧٣٨١)، وابن ماجه برقم (٤٣٣٢)، والطبراني في " المعجم الكبير " برقم (٣٨٨)، كلهم عن أسامة بن زيد – ﵄ – مرفوعًا، وزاد ابن حبان في روايته في آخر الحديث (ثم ذكر - ﷺ - الجهاد وحَضَّ عليه).
[ ٤٥ ]