قَالَ الله ﷿ يَا أَيهَا النَّاس أَنْتُم الْفُقَرَاء إِلَى الله ٢
الْفقر اسْم للبراءة من رُؤْيَة الملكة وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
[ ٧١ ]
الدرجَة الأولى فقر الزهاد وَهُوَ نفض الْيَدَيْنِ من الدُّنْيَا ضبطا أَو طلبا وإسكات اللِّسَان عَنْهَا ذما أَو مدحا والسلامة مِنْهَا طلبا أَو تركا وَهَذَا هُوَ الْفقر الَّذِي تكلمُوا فِي شرفه
والدرجة الثَّانِيَة الرُّجُوع إِلَى السَّبق بمطالعة الْفضل وَهُوَ يُورث الْخَلَاص من رُؤْيَة الْأَعْمَال وَيقطع شُهُود الْأَحْوَال ويمحص من أدناس مطالعة المقامات
والدرجة الثَّالِثَة صِحَة الِاضْطِرَار والوقوع فِي يَد التقطع الوحداني والاحتباس فِي قيد التَّجْرِيد وَهَذَا فقر الصُّوفِيَّة
٤٩ - بَاب الْغنى
قَالَ الله ﷿ ووجدك عائلا فأغنى ١
الْغنى اسْم للْملك التَّام
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
[ ٧٢ ]
الدرجَة الأولى غنى الْقلب وَهُوَ سَلَامَته من السَّبَب ومسالمته الحكم وخلاصة من الْخُصُومَة
والدرجة الثَّانِيَة عَنى النَّفس وَهُوَ استقامتها على المرغوب وسلامتها من المسخوط وبراءتها من المراياة
والدرجة الثَّالِثَة الْغنى بِالْحَقِّ وَهُوَ على ثَلَاث مَرَاتِب
الْمرتبَة الأولى شُهُود ذكره إياك وَالثَّانيَِة دوَام مطالعة أوليته وَالثَّالِثَة الْفَوْز بِوُجُودِهِ ٥٠ بَاب مقَام المُرَاد
قَالَ الله ﷿ وَمَا كنت ترجو أَن يلقى إِلَيْك الْكتاب ١
أَكثر الْمُتَكَلِّمين فِي هَذَا الْعلم جعلُوا المُرَاد والمريد اثْنَيْنِ
[ ٧٣ ]
وَجعلُوا مقَام المُرَاد فَوق مقَام المريد
وَإِنَّمَا أشاروا باسم المُرَاد إِلَى الضنائن الَّذين ورد فيهم الْخَبَر وللمراد ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى أَن يعْصم العَبْد وَهُوَ يستشرف للجفاء اضطرارا بتنغيص الشَّهَوَات وتعويق الملاذ وسد مسالك المعاطب عَلَيْهِ إِكْرَاها
والدرجة الثَّانِيَة أَن يضع عَن العَبْد عوار النَّقْص ويعافيه من سمة اللائمة ويملكه عواقب الهفوات كَمَا فعل بِسُلَيْمَان فِي قتل الْخَيل حمله على الرّيح الرخَاء والعاصف فأغناه عَن الْخَيل وَفعل بمُوسَى حِين ألْقى الألواح وَأخذ بِرَأْس أَخِيه لم يعتب عَلَيْهِ كَمَا عتب على آدم ونوح وَدَاوُد وَيُونُس
والدرجة الثَّالِثَة اجتباء الْحق عَبده واستخلاصه إِيَّاه بخالصته كَمَا ابْتَدَأَ مُوسَى وَهُوَ خرج يقتبس نَارا فاصطنعه لنَفسِهِ وَأبقى مِنْهُ رسما معارا
[ ٧٤ ]
قسم الأودية
وَأما قسم الأودية فَهُوَ عشرَة أَبْوَاب وَهِي
الْإِحْسَان وَالْعلم وَالْحكمَة والبصيرة والفراسة والتعظيم والإلهام والسكينة والطمأنينة والهمة ٥١ بَاب الْإِحْسَان
قَالَ الله ﷿ هَل جَزَاء الْإِحْسَان إِلَّا الْإِحْسَان ٢
قد ذكرنَا فِي صدر الْكتاب أَن الْإِحْسَان اسْم جَامع نبوي يجمع أَبْوَاب الْحَقَائِق وَهُوَ أَن تعبد الله كَأَنَّك ترَاهُ
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى الْإِحْسَان فِي الْقَصْد
[ ٧٥ ]
بتهذيبه علما وإبرامه عزما وتصفيته حَالا
والدرجة الثَّانِيَة الْإِحْسَان فِي الْأَحْوَال وَهُوَ أَن تراعيها غَيره وتسترها تظرفا وتصححها تَحْقِيقا
والدرجة الثَّالِثَة الْإِحْسَان فِي الْوَقْت وَهُوَ أَن لَا تزايل الْمُشَاهدَة أبدا وَلَا تلحظ لهمتك أمدا وَتجْعَل هجرتك إِلَى الْحق سرمدا
٥٢ - بَاب الْعلم
قَالَ الله ﷿ وعلمناه من لدنا علما ١
الْعلم مَا قَامَ بِدَلِيل وَرفع الْجَهْل
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات الدرجَة الأولى علم جلي
[ ٧٦ ]
يَقع بعيان أَو استفاضة صَحِيحَة أَو صِحَة تجربة قديمَة
والدرجة الثَّانِيَة علم خَفِي ينْبت فِي الْأَسْرَار الطاهرة من الأبراز الزاكية بِمَاء الرياضة الْخَالِصَة وَيظْهر فِي الأنفاس الصادقة لأهل الهمة الْعَالِيَة فِي الْأَحَايِين الخالية فِي الأسماع الصاخبة
وَهُوَ علم يظْهر الْغَائِب ويغيب الشَّاهِد وَيُشِير إِلَى الْجمع
والدرجة الثَّالِثَة علم لدني إِسْنَاده وجوده وإدراكه عيانه ونعته حكمه لَيْسَ بَينه وَبَين الْغَيْب حجاب
[ ٧٧ ]
٥٣ - بَاب الْحِكْمَة
قَالَ الله ﷿ يُؤْتِي الْحِكْمَة من يَشَاء وَمن يُؤْت الْحِكْمَة فقد أُوتِيَ خيرا كثيرا ١
الْحِكْمَة اسْم لأحكام وضع الشَّيْء فِي مَوْضِعه وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى أَن تُعْطِي كل شَيْء حَقه وَلَا تعديه حَده وَلَا تعجله وقته
والدرجة الثَّانِيَة أَن تشهد نظر الله فِي وعيده وتعرف عدله فِي حكمه وتلحظ بره فِي مَنعه
والدرجة الثَّالِثَة أَن تبلغ فِي استدلالك البصيرة وَفِي إرشادك الْحَقِيقَة وَفِي إشارتك الْغَايَة ٥٤ بَاب البصيرة
قَالَ الله ﷿ قل هَذِه سبيلي ادعو إِلَى الله على بَصِيرَة
[ ٧٨ ]
أَنا وَمن اتبعني ١
البصيرة مَا يخلصك من الْحيرَة وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى أَن تعلم أَن الْخَبَر الْقَائِم بتمهيد الشَّرِيعَة يصدر عَن عين لَا تخَاف عواقبها فترى من حَقه أَن تلذه يَقِينا وتغضب لَهُ غيرَة
والدرجة الثَّانِيَة أَن تشهد فِي هِدَايَة الْحق وإضلاله إِصَابَة الْعدْل وَفِي تلوين أقسامه رِعَايَة الْبر وتعاين فِي جذبه حَبل الْوِصَال
والدرجة الثَّالِثَة بَصِيرَة تفجر الْمعرفَة وَتثبت الْإِشَارَة وتنبت الفراسة
٥٥ - بَاب الفراسة
قَالَ الله ﷿ إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين ١
[ ٧٩ ]
التوسم التفرس وَهُوَ استئناس حكم غيب من غير اسْتِدْلَال بِشَاهِد وَلَا اختبار بتجربة
وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى فراسة طارئة نادرة تسْقط على لِسَان وَحشِي فِي الْعُمر مرّة لحَاجَة سمع مُرِيد صَادِق إِلَيْهَا لَا يُوقف على مخرجها وَلَا يوبه بصاحبها
وَهَذَا شَيْء لَا يلخص من الكهانة وَمَا ضاهاها لِأَنَّهَا لم تشر عَن عين وَلم تصدر عَن علم وَلم تسق بِوُجُود
والدرجة الثَّانِيَة فراسة تجني من غرس الْإِيمَان وتطلع من صِحَة الْحَال وتلمع من نور الْكَشْف
والدرجة الثَّالِثَة فراسة سَرِيَّة لم تجتلبها روية على لِسَان مصطنع
[ ٨٠ ]
تَصْرِيحًا أَو رمزا ٥٦ بَاب التَّعْظِيم
قَالَ الله ﷿ مالكم لَا ترجون لله وقارا ١
التَّعْظِيم معرفَة العظمة مَعَ التذلل لَهَا
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى تَعْظِيم الْأَمر وَالنَّهْي وَهُوَ أَن لَا يعارضا بترخص جَاف وَلَا يعرضا لتشديد غال وَلَا يحملا على عِلّة توهن الانقياد
والدرجة الثَّانِيَة تَعْظِيم الحكم أَن يبغى لَهُ عوج أَو يدافع بِعلم أَو يرضى بعوض
والدرجة الثَّالِثَة تَعْظِيم الْحق وَهُوَ أَن لَا تجْعَل دونه سَببا أَو ترى عَلَيْهِ حَقًا
[ ٨١ ]
أَو تنَازع لَهُ اخْتِيَارا
٥٧ - بَاب الإلهام
قَالَ الله ﷿ قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب أَنا آتِيك بِهِ قبل أَن يرْتَد إِلَيْك طرفك ١
الإلهام مقَام الْمُحدثين وَهُوَ فَوق الفراسة لِأَن الفراسة رُبمَا وَقعت نادرة أَو استصعبت على صَاحبهَا وقتا واستعصت عَلَيْهِ والإلهام لَا يكون إِلَّا فِي مقَام عتيد وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى إلهام نبأ يَقع وَحيا قَاطعا مَقْرُونا بِسَمَاع أَو مُطلقًا
والدرجة الثَّانِيَة إلهام يَقع عينا وعلامة صِحَّته أَنه لَا يخرق سترا وَلَا يُجَاوز حدا
[ ٨٢ ]
وَلَا يُخطئ أبدا
والدرجة الثَّالِثَة إلهام يجلو عين التَّحْقِيق صرفا وينطق عَن عين الْأَزَل مَحْضا
وللإلهام غَايَة تمْتَنع عَن الْإِشَارَة إِلَيْهَا
٥٨ - بَاب السكينَة
قَالَ الله ﷿ هُوَ الَّذِي أنزل السكينَة فِي قُلُوب الْمُؤمنِينَ ١
اسْم السكينَة لثَلَاثَة أَشْيَاء
أَولهَا سكينَة بني إِسْرَائِيل الَّتِي أعطوها فِي التابوت قَالَ أهل التَّفْسِير هِيَ ريح هفافة وَذكروا صفتهَا وفيهَا ثَلَاثَة أَشْيَاء
هِيَ لانبيائهم معْجزَة ولملوكهم كَرَامَة وَهِي آيَة النُّصْرَة تخلع قُلُوب الْعَدو بصوتها رعْبًا إِذْ التقى الصفان لِلْقِتَالِ
والسكينة الثَّانِيَة الَّتِي تنطق على ألسن الْمُحدثين لَيست هِيَ شَيْئا يملك
[ ٨٣ ]
إِنَّمَا هِيَ شَيْء من لطائف صَنِيع الْحق يلقى على لِسَان الْمُحدث الْحِكْمَة كَمَا يلقى الْملك الْوَحْي على قُلُوب الْأَنْبِيَاء وتنطق الْمُحدثين بنكت الْحَقَائِق مَعَ ترويح الاسرار وكشف الشّبَه
والسكينة الثَّالِثَة هِيَ الَّتِي أنزلت فِي قلب النَّبِي ﷺ ﷺ وَقُلُوب الْمُؤمنِينَ وَهِي شَيْء يجمع نورا وَقُوَّة وروحا يسكن إِلَيْهِ الْخَائِف ويتسلى بِهِ الحزين والضجر ويستكين لَهُ العصي والجري والأبي
وَأما سكينَة الْوَقار الَّتِي ترَاهَا نعتا أَرْبَابهَا فَإِنَّهَا ضِيَاء تِلْكَ السكينَة الثَّالِثَة الَّتِي ذَكرنَاهَا وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى سكينَة الْخُشُوع عِنْد الْقيام بِالْخدمَةِ رِعَايَة وتعظيما وحضورا
والدرجة الثَّانِيَة السكينَة عِنْد الْمُعَامَلَة بمحاسبة النَّفس وملاطفة الْخلق
[ ٨٤ ]
ومراقبة الْحق
والدرجة الثَّالِثَة السكينَة الَّتِي تنْبت الرضى بالقسم وتمنع من الشطح الْفَاحِش وتقف صَاحبهَا على حد الرُّتْبَة ٥٩ بَاب الطمأنينه قَالَ الله ﷿ يَا أيتها النَّفس المطمئنة ١
الطُّمَأْنِينَة سُكُون يقويه أَمن صَحِيح شَبيه بالعيان
وَبَينه وَبَين السكينَة فرقان
أَحدهمَا أَن السكينَة صولة تورث خمود الهيبة أَحْيَانًا والطمأنينة سُكُون أَمن فِيهِ استراحة أنس
وَالثَّانِي أَن السكينَة تكون نعتا وَتَكون حينا بعد حِين والطمأنينة نعت لَا يزايل صَاحبه
وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى طمأنينة الْقلب بِذكر الله وَهِي طمأنينة الْخَائِف إِلَى الرَّجَاء
[ ٨٥ ]
والضجر إِلَى الحكم والمبتلي إِلَى المثوبة
والدرجة الثَّانِيَة طمأنينة الرّوح فِي الْقَصْد إِلَى الْكَشْف وَفِي الشوق إِلَى الْعدة وَفِي التَّفْرِقَة إِلَى الْجمع
والدرجة الثَّالِثَة طمأنينة شُهُود الحضرة إِلَى اللطف وطمأنينة الْجمع إِلَى الْبَقَاء وطمأنينة الْمقَام إِلَى نور الْأَزَل
٦٠ - بَاب الهمة
قَالَ الله ﷿ مَا زاغ الْبَصَر وَمَا طَغى ١
الهمة مَا يملك الانبعاث للمقصود صرفا لَا يَتَمَالَك صَاحبهَا وَلَا يلْتَفت عَنْهَا
وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى همة تصون الْقلب من خسة الرَّغْبَة فِي الفاني وتحمله على الرَّغْبَة فِي الْبَاقِي وتصفية من كدر التواني
[ ٨٦ ]
والدرجة الثَّانِيَة همة تورث أَنَفَة من المبالاة بالعلل وَالنُّزُول على الْعَمَل والثقة بالأمل
والدرجة الثَّالِثَة همة تصاعد عَن الْأَحْوَال والمقامات وتزرى بالأعواض والدرجات وتنحو عَن النعوت نَحْو الذَّات
[ ٨٧ ]
قسم الْأَحْوَال
وَأما قسم الْأَحْوَال فَهُوَ عشرَة أَبْوَاب وَهِي
الْمحبَّة والغيرة والشوق والقلق والعطش والوجد والدهش والهيمان والبرق والذوق
٦١ - بَاب الْمحبَّة
قَالَ الله ﷿ من يرْتَد مِنْكُم عَن دينه فَسَوف يَأْتِي الله بِقوم يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ١
الْمحبَّة تعلق الْقلب بَين الهمة والأنس فِي الْبَذْل وَالْمَنْع على الْإِفْرَاد
والمحبة أول أَوديَة الفناء والعقبة الَّتِي ينحدر مِنْهَا على منَازِل المحو وَهِي آخر منزل تلقى فِيهِ مُقَدّمَة الْعَامَّة ساقة الْخَاصَّة
[ ٨٨ ]
وَمَا دونهَا أغراض لأعواض
والمحبة هِيَ سمة الطَّائِفَة وعنوان الطَّرِيقَة ومعقد النِّسْبَة
وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى محبَّة تقطع الوساوس وتلذ الْخدمَة وتسلي عَن المصائب
وَهِي محبَّة تنْبت من مطالعة الْمِنَّة وَتثبت بِاتِّبَاع السّنة وتنمو على الْإِجَابَة للفاقة
والدرجة الثَّانِيَة محبَّة تبْعَث على إِيثَار الْحق على غَيره وتلهج اللِّسَان بِذكرِهِ وَتعلق الْقلب بشهوده
وَهِي محبَّة تظهر من مطالعة الصِّفَات وَالنَّظَر فِي الْآيَات والارتياض بالمقامات
والدرجة الثَّالِثَة محبَّة خاطفة تقطع الْعبارَة وتدقق الْإِشَارَة
[ ٨٩ ]
وَلَا تَنْتَهِي بالنعوت
وَهَذِه الْمحبَّة هِيَ قطب هَذَا الشَّأْن وَمَا دونهَا محاب نادت عَلَيْهَا الألسن وادعتها الخليقة وأوجبتها الْعُقُول
٦٢ - بَاب الْغيرَة
قَالَ الله ﷿ حاكيا عَن سُلَيْمَان ﵇ ردوهَا عَليّ فَطَفِقَ مسحا بِالسوقِ والأعناق ٢
الْغيرَة سُقُوط الِاحْتِمَال ضنا والضيق عَن الصَّبْر نفاسة
وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى غيرَة العابد على ضائع يسْتَردّ ضيَاعه ويستدرك فَوَاته ويتدارك تواه
والدرجة الثَّانِيَة غيرَة المريد على وَقت فَاتَ وَهِي غيرَة قاتلة
[ ٩٠ ]
فَإِن الْوَقْت وَحي الْغَضَب أبي الْجَانِب بطيء الرُّجُوع
والدرجة الثَّالِثَة غيرَة الْعَارِف على عين غطاها غين وسر غشيه رين وَنَفس علق برجاء أَو الْتفت إِلَى عَطاء
٦٣ - بَاب الشوق
قَالَ الله ﷿ من كَانَ يَرْجُو لِقَاء الله فَإِن أجل الله لآت ١
الشوق هبوب الْقلب إِلَى غَائِب وَفِي مَذْهَب هَذِه الطَّائِفَة عِلّة الشوق عَظِيمَة فَإِن الشوق إِنَّمَا يكون إِلَى غَائِب وَمذهب هَذِه الطَّائِفَة إِنَّمَا قَامَ على الْمُشَاهدَة ولهذه الْعلَّة لم ينْطق الْقُرْآن باسمه
ثمَّ هُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
[ ٩١ ]
الدرجَة الأولى شوق العابد إِلَى الْجنَّة ليأمن الْخَائِف ويفرح الحزين ويظفر الآمل
والدرجة الثَّانِيَة شوق إِلَى الله ﷿ زرعه الْحبّ الَّذِي نبت على حافات المنن فعلق قلبه بصفاته المقدسة فاشتاق إِلَى مُعَاينَة لطائف كرمه وآيات بره وأعلام فَضله
وَهَذَا الشوق تفثأه المبار وتخالجه المسار ويقاويه الاصطبار
والدرجة الثَّالِثَة نَار أضرمها صفو الْمحبَّة فنغصت الْعَيْش وسلبت السلوة وَلم ينهنهها معز دون اللِّقَاء
٦٤ - بَاب القلق
قَالَ الله ﷿ حاكيا عَن مُوسَى ﵇
[ ٩٢ ]
وعجلت إِلَيْك رب لترضي ١
الفلق تَحْرِيك الشوق بِإِسْقَاط الصَّبْر وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى قلق يضيق الْخلق وَيبغض الْخلق ويلذ الْمَوْت
والدرجة الثَّانِيَة قلق يغالب الْعقل ويخلي السّمع ويصاول الطَّاقَة
والدرجة الثَّالِثَة قلق لَا يرحم أبدا وَلَا يقبل أمدا وَلَا يبقي أحدا
٦٥ - بَاب الْعَطش
قَالَ الله ﷿ حاكيا عَن خَلِيله ﵇ فَلَمَّا جن عَلَيْهِ اللَّيْل رأى كوكبا قَالَ هَذَا رَبِّي ٢
[ ٩٣ ]
الْعَطش كِنَايَة عَن غَلَبَة ولوع بمأمول وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى عَطش المريد إِلَى شَاهد يرويهِ أَو إِشَارَة تشفيه أَو عطفة تؤويه
والدرجة الثَّانِيَة عَطش السالك إِلَى أجل يطويه وَيَوْم يرِيه مَا يُغْنِيه ومنزل يستريح فِيهِ
والدرجة الثَّالِثَة عَطش الْمُحب إِلَى جلوة مَا دونهَا سَحَاب عِلّة وَلَا يغطيها حجاب تَفْرِقَة وَلَا يعرج دونهَا على انْتِظَار
٦٦ - بَاب الوجد
قَالَ الله ﷿ وربطنا على قُلُوبهم إِذْ قَامُوا ١
الوجد لَهب يتأجج من شُهُود عَارض مقلق
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى وجد عَارض
[ ٩٤ ]
يستفيق لَهُ شَاهد السّمع أَو شَاهد الْبَصَر أَو شَاهد الْفِكر أبقى على صَاحبه أثرا أَو لم يبْق
والدرجة الثَّانِيَة وجد يستفيق لَهُ الرّوح بلمع نور أزلي أَو سَماع نِدَاء أولي أَو جذب حَقِيقِيّ إِن أبقى على صَاحبه لِبَاسه وَإِلَّا أبقى عَلَيْهِ نوره
والدرجة الثَّالِثَة وجد يخطف العَبْد من يَد الكونين ويمحص مَعْنَاهُ من درن الْحَظ ويسلبه من رق المَاء والطين إِن سلبه أنساه اسْمه وَإِن لم يسلبه أَعَارَهُ رسمه
٦٧ - بَاب الدهش
قَالَ الله ﷿ فَلَمَّا رأينه أكبرنه ١
[ ٩٥ ]
الدهش بهتة تَأْخُذ العَبْد إِذْ فَجْأَة مَا يغلب عقله أَو صبره أَو علمه
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى دهشة المريد عِنْد صولة الْحَال على علمه والوجد على طاقته والكشف على همته
والدرجة الثَّانِيَة دهشة السالك عِنْد وصولة الْجمع على رسمه والسبق على وقته والمشاهدة على روحه
والدرجة الثَّالِثَة دهشة الْمُحب عِنْد وصولة الِاتِّصَال على لطف الْعَطِيَّة وُصُوله نور الْقرب على نور الْعَطف وصولة شوق العيان على شوق الْخَبَر
٦٨ - بَاب الهيمان
قَالَ الله ﷿ وخر مُوسَى صعقا ١
[ ٩٦ ]
الهيمان ذهَاب عَن التماسك تَعَجبا أَو حيرة وَهُوَ أثبت دواما وأملك بالنعت من الدهش وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى هيمان فِي شيم أَوَائِل برق اللطف عِنْد قصد الطَّرِيق مَعَ مُلَاحظَة العَبْد خسة قدره وسفال مَنْزِلَته وتفاهة قِيمَته
والدرجة الثَّانِيَة هيمان فِي تلاطم أمواج التَّحْقِيق عِنْد ظُهُور براهينه وتواصل عجائبه ولياح أنواه
والدرجة الثَّالِثَة هيمان عِنْد الْوُقُوع فِي عين الْقدَم ومعاينة سُلْطَان الْأَزَل وَالْغَرق فِي بَحر الْكَشْف
٦٩ - بَاب الْبَرْق
قَالَ الله ﷿ إِذْ رأى نَارا ٣
[ ٩٧ ]
الْبَرْق باكورة تلمع للْعَبد فتدعوه إِلَى الدُّخُول فِي هَذَا الطَّرِيق وَالْفرق بَينه وَبَين الوجد أَن الوجد يَقع بعد الدُّخُول فِيهِ فالوجد زَاد والبرق إِذن وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى برق يلمع من جَانب الْعدة فِي عين الرَّجَاء يستكثر فِيهِ العَبْد الْقَلِيل من الْعَطاء ويستقل فِيهِ الْكثير من الأعباء ويستحلي فِيهِ مرَارَة الْقَضَاء
والدرجة الثَّانِيَة برق يلمع من جَانب الْوَعيد فِي عين الحذر فيستقصر فِيهِ العَبْد الطَّوِيل من الأمل ويزهد فِي الْخلق على الْقرب ويرغب فِي تَطْهِير السِّرّ
والدرجة الثَّالِثَة برق يلمع من جَانب اللطف فِي عين الافتقار فينشئ سَحَاب السرُور ويمطر قطر الطَّرب وَيجْرِي نهر الافتخار
[ ٩٨ ]
٧٠ - بَاب الذَّوْق
قَالَ الله ﷿ هَذَا ذكر ١ الذَّوْق أبقى من الوجد وَأجلى من الْبَرْق وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى ذوق التَّصْدِيق طعم الْعدة فَلَا يعقله ضن وَلَا يقطعهُ أمل وَلَا تعوقه أُمْنِية
والدرجة الثَّانِيَة ذوق الْإِرَادَة طعم الْأنس فَلَا يعلق بِهِ شاغل وَلَا يفتنه عَارض وَلَا تكدره تَفْرِقَة
والدرجة الثَّالِثَة ذوق الِانْقِطَاع طعم الِاتِّصَال وذوق الهمة طعم الْجمع وذوق المسامرة طعم العيان
[ ٩٩ ]
قسم الولايات
وَأما قسم الولايات فَهُوَ عشرَة أَبْوَاب وَهِي
اللحظ وَالْوَقْت والصفاء وَالسُّرُور والسر وَالنَّفس والغربة وَالْغَرق والغيبة والتمكن
٧١ - بَاب اللحظ
قَالَ الله ﷿ انْظُر إِلَى الْجَبَل فَإِن اسْتَقر مَكَانَهُ فَسَوف تراني ١
اللحظ لمح مسترق وَهُوَ فِي هَذَا الْبَاب على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى مُلَاحظَة الْفضل سبقا
[ ١٠٠ ]
وَهِي تقطع طَرِيق السُّؤَال إِلَّا مَا استحقته الربوبية من إِظْهَار التذلل لَهَا وتنبت السرُور إِلَّا مَا يشوبه من حذر الْمَكْر وتبعث على الشُّكْر إِلَّا مَا قَامَ بِهِ الْحق ﷿ من حق الصّفة
والدرجة الثَّانِيَة مُلَاحظَة نور الْكَشْف وَهِي تسبل لِبَاس التولي وتذيق طعم التجلي وتعصم من عوار التسلي
والدرجة الثَّالِثَة مُلَاحظَة عين الْجمع وَهِي توقظ لاستهانة المجاهدات وتخلص من رعونة المعارضات وتفيد مطالعة البدايات
٧٢ - بَاب الْوَقْت
قَالَ الله ﷿ ثمَّ جِئْت على قدر يَا مُوسَى ١
الْوَقْت اسْم لظرف الْكَوْن وَهُوَ اسْم فِي هَذَا الْبَاب لثَلَاثَة معَان على ثَلَاث دَرَجَات
الْمَعْنى الأول حِين وجد صَادِق لإيناس ضِيَاء فضل جذبه صفاء رَجَاء
[ ١٠١ ]
أَو لقصمة جذبها صدق خوف أَو لتلهيب شوق جذبه اشتعال محبَّة
وَالْمعْنَى الثَّانِي اسْم لطريق سالك يسير بَين تمكن وتلون لكنه إِلَى التَّمَكُّن مَا هُوَ يسْلك الْحَال ويلتفت إِلَى الْعلم فالعلم يشْغلهُ فِي حِين وَالْحَال يحملهُ فِي حِين
فبلاؤه بَينهمَا يذيقه شُهُودًا طورا ويكسوه غيرَة طورا ويريه غبرة تفرق طورا
وَالْمعْنَى الثَّالِث قَالُوا الْوَقْت الْحق أَرَادوا بِهِ استغراق رسم الْوَقْت فِي وجود الْحق وَهَذَا الْمَعْنى يشق على هَذَا الِاسْم عِنْدِي
لكنه هُوَ اسْم فِي هَذَا الْمَعْنى الثَّالِث لحين يتلاشى فِيهِ الرسوم كشفا لَا وجودا مَحْضا وَهُوَ فَوق الْبَرْق والوجد وَهُوَ يشارف مقَام الْجمع لَو دَامَ وَبَقِي وَلَا يبلغ وَادي الْوُجُود لكنه يَكْفِي مُؤنَة الْمُعَامَلَة ويصفي عين المسامرة ويشم رَوَائِح الْوُجُود
[ ١٠٢ ]
٧٣ - بَاب الصفاء
قَالَ الله ﷿ وَإِنَّهُم عندنَا لمن المصطفين الأخيار ١
الصفاء اسْم للبراءة من الكدر وَهُوَ فِي هَذَا الْبَاب سُقُوط التلون وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى صفاء علم يهذب لسلوك الطَّرِيق ويبصر غَايَة الْجد ويصحح همة القاصد
والدرجة الثَّانِيَة صفاء حَال تشاهد بِهِ شَوَاهِد التَّحْقِيق وتذاق بِهِ حلاوة الْمُنَاجَاة وينسى بِهِ الْكَوْن
والدرجة الثَّالِثَة صفاء اتِّصَال يدرج حَظّ الْعُبُودِيَّة فِي حق الربوبية ويغرق نهايات الْخَبَر فِي بدايات العيان ويطوى خسة التكاليف فِي عزل الْأَزَل
[ ١٠٣ ]
٧٤ - بَاب السرُور
قَالَ الله ﷿ قل بفظل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وَالسُّرُور اسْم لاستبشار جَامع وَهُوَ أصفى من الْفَرح لِأَن الأفراح رُبمَا شابها الأحزان وَلذَلِك نزل الْقُرْآن باسمه فِي أفراح الدُّنْيَا فِي مَوَاضِع وَورد اسْم السرُور فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِي الْقُرْآن فِي حَال الْآخِرَة
وَهُوَ فِي هَذَا الْبَاب على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى سرُور ذوق ذهب بِثَلَاثَة أحزان
حزن أورثه خوف الِانْقِطَاع وحزن هاجته ظلمَة الْجَهْل وحزن اغشته وَحْشَة التَّفَرُّق
والدرجة الثَّانِيَة سرُور شُهُود كشف حجاب الْعلم وَفك رق التَّكَلُّف وَنفي صغَار الِاخْتِيَار
والدرجة الثَّالِثَة سرُور سَماع الْإِجَابَة
[ ١٠٤ ]
وَهُوَ سرُور يمحو آثَار الوحشة ويقرع بَاب الْمُشَاهدَة ويضحك الرّوح
٧٥ - بَاب السِّرّ
قَالَ الله ﷿ الله أعلم بِمَا فِي أنفسهم ١
أَصْحَاب السِّرّ هم الأخفياء الَّذين ورد فيهم الْخَبَر وهم ثَلَاث طَبَقَات على ثَلَاث دَرَجَات
الطَّبَقَة الأولى طَائِفَة علت هممهم وصفت قصودهم وَصَحَّ سلوكهم وَلم يُوقف لَهُم على رسم وَلم ينسبوا إِلَى اسْم وَلم تشر إِلَيْهِم الْأَصَابِع
أُولَئِكَ ذخائر الله ﷿ حَيْثُ كَانُوا
والطبقة الثَّانِيَة طَائِفَة أشاروا عَن منزل وهم فِي غَيره ووروا بِأَمْر وهم لغيره
[ ١٠٥ ]
وَنَادَوْا على شَأْن وهم على غَيره بَين غَيره عَلَيْهِم تسترهم وأدب فيهم يصونهم وظرف يهذبهم
والطبقة الثَّالِثَة طَائِفَة أسرهم الْحق عَنْهُم فألاح لَهُم لائحا أذهلهم عَن إِدْرَاك مَا هم فِيهِ وهيمهم عَن شُهُود مَا هم لَهُ وضن بحالهم على علمهمْ معرفَة مَا هم بِهِ فاستسروا عَنْهُم مَعَ شَوَاهِد تشهد لَهُم بِصِحَّة مقامهم من قصد صَادِق يهيجه غيب وَحب صَادِق يخفى عَلَيْهِم علمه وَوجد غَرِيب لَا ينْكَشف لَهُم موقده
وَهَذَا من أرق مقامات أهل الْولَايَة
٧٦ - بَاب النَّفس
قَالَ الله ﷿ فَلَمَّا أَفَاق قَالَ سُبْحَانَكَ ١
يُسمى النَّفس نفسا لتروح المتنفس بِهِ وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
[ ١٠٦ ]
وَهِي تشابه دَرَجَات الْوَقْت
والأنفاس ثَلَاثَة
النَّفس الأول نفس فِي حِين استتار مَمْلُوء من الكظم مُعَلّق بِالْعلمِ إِن تنفس تنفس نفس المتأسف وَإِن نطق نطق بِالْحَرْبِ
وَعِنْدِي هُوَ يتَوَلَّد من وَحْشَة الاستتار وَهِي الظلمَة الَّتِي قَالُوا إِنَّهَا مقَام
وَالنَّفس الثَّانِي نفس فِي حِين التجلي وَهُوَ نفس شاخص عَن مقَام السرُور إِلَى روح المعاينة مَمْلُوء من نور الْوُجُود شاخص إِلَى مُنْقَطع الْإِشَارَة
وَالنَّفس الثَّالِث نفس مطهر بِمَاء الْقُدس قَائِم بإشارات الْأَزَل وَهُوَ النَّفس الَّذِي يُسمى صدف النُّور
فَالنَّفْس الأول للغيور سراج وَالنَّفس الثَّانِي للقاصد مِعْرَاج وَالنَّفس الثَّالِث للمحقق تَاج
[ ١٠٧ ]
٧٧ - بَاب الغربة
قَالَ الله ﷿ فلولا كَانَ من الْقُرُون من قبلكُمْ أولو بَقِيَّة ينهون عَن الْفساد فِي الأَرْض إِلَّا قَلِيلا مِمَّن أنجينا مِنْهُم ١
الاغتراب اسْم يشار بِهِ إِلَى الِانْفِرَاد عَن الْأَكفاء وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى الغربة عَن الأوطان وَهَذَا الْغَرِيب مَوته شَهَادَة وَيُقَاس لَهُ فِي قَبره من متوفاه إِلَى وَطنه وَيجمع يَوْم الْقِيَامَة إِلَى عِيسَى بن مَرْيَم ﵇
والدرجة الثَّانِيَة غربَة الْحَال وَهَذَا من الغرباء الَّذين طُوبَى لَهُم وَهُوَ رجل صَالح فِي زمَان فَاسد بَين قوم فاسدين أَو عَالم بَين قوم جاهلين أَو صديق بَين قوم منافقين
والدرجة الثَّالِثَة غربَة الهمة وَهِي غربَة طلب الْحق وَهِي غربَة الْعَارِف
[ ١٠٨ ]
لِأَن الْعَارِف فِي شَاهده غَرِيب ومصحوبه فِي شَاهده غَرِيب وموجوده فِيمَا يحملهُ علم أَو يظهره وجد أَو يقوم بِهِ رسم أَو تُطِيقهُ إِشَارَة أَو يَشْمَلهُ اسْم غَرِيب
فغربة الْعَارِف غربَة الغربة لِأَنَّهُ غَرِيب الدُّنْيَا وغريب الْآخِرَة
٧٨ - بَاب الْغَرق
قَالَ الله ﷿ فَلَمَّا أسلما وتله للجبين ١
هَذَا اسْم يشار بِهِ فِي هَذَا الْبَاب إِلَى من توَسط الْمقَام وَجَاوَزَ حد التَّفَرُّق
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى استغراق الْعلم فِي عين الْحَال وَهَذَا رجل قد ظفر بالاستقامة وَتحقّق فِي الْإِشَارَة فَاسْتحقَّ صِحَة النِّسْبَة
والدرجة الثَّانِيَة استغراق الْإِشَارَة فِي الْكَشْف وَهَذَا رجل ينْطق عَن موجوده
[ ١٠٩ ]
ويسير مَعَ مشهوده وَلَا يحس برعونة رسمه
والدرجة الثَّالِثَة استغراق الشواهد فِي الْجمع وَهَذَا رجل شملته أنوار الأولية وَفتح عينه فِي مطالعة الأزلية فتخلص من الهمم الدنية
٧٩ - بَاب الْغَيْبَة
قَالَ الله ﷿ وَتَوَلَّى عَنْهُم وَقَالَ يَا أسفي على يُوسُف ١
الْغَيْبَة الَّتِي يشار بهَا فِي هَذَا الْبَاب على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى غيبَة المريد فِي مخلص الْقَصْد عَن أَيدي العلائق ودرك الْعَوَائِق لالتماس الْحَقَائِق
والدرجة الثَّانِيَة غيبَة السالك عَن رسوم الْعلم وَعلل السَّعْي وَرخّص الفتور
[ ١١٠ ]
والدرجة الثَّالِثَة غيبَة الْعَارِف عَن عُيُون الْأَحْوَال والشواهد والدرجات فِي حصن الْجمع
٨٠ - بَاب التَّمَكُّن
قَالَ الله ﷿ وَلَا يستخفنك الَّذين لَا يوقنون ١
التَّمَكُّن فَوق الطُّمَأْنِينَة وَهُوَ إِشَارَة إِلَى غَايَة الِاسْتِقْرَار وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى تمكن المريد وَهُوَ أَن تَجْتَمِع لَهُ صِحَة قصد تسيره ولمع شُهُود يحملهُ وسعة طَرِيق تروحه
والدرجة الثَّانِيَة تمكن السالك وَهُوَ أَن تَجْتَمِع لَهُ صِحَة انْقِطَاع وبرق كشق وصفاء حَال
[ ١١١ ]
والدرجة الثَّالِثَة تمكن الْعَارِف وَهُوَ أَن يحصل فِي الحضرة فَوق حجب الطّلب لابسا نور الْوُجُود
[ ١١٢ ]
قسم الْحَقَائِق
وَأما قسم الْحَقَائِق فَهُوَ عشرَة أَبْوَاب وَهِي
المكاشفة والمشاهدة والمعاينة والحياة وَالْقَبْض والبسط وَالسكر والصحو والاتصال والانفصال
٨١ - بَاب المكاشفة
قَالَ الله ﷿ فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى ١
المكاشفة مهاداة السِّرّ بَين متباطنين وَهِي فِي هَذَا الْبَاب بُلُوغ مَا وَرَاء الْحجاب وجودا وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى مكاشفة تدل على التَّحْقِيق الصَّحِيح وَهِي أَن تكون مستديمة
[ ١١٣ ]
فَإِذا كَانَت حينا دون حِين لم يُعَارضهُ تفرق غير ان الْغَيْن رُبمَا شَاب مقَامه على انه قد بلغ مبلغا لَا يلفته قَاطع وَلَا يلويه سَبَب وَلَا يقتطعه حَظّ وَهِي دَرَجَة القاصد فَإِذا استدامت فَهِيَ الدرجَة الثَّانِيَة
واما الدرجَة الثَّالِثَة فمكاشفة عين لَا مكاشفة علم وَلَا مكاشفة حَال وَهِي مكاشفة لَا تذر سمة تُشِير الى التذاذ أَو تلجئ الى توقف أَو تنزل على ترسم
وَغَايَة هَذِه المكاشفة الْمُشَاهدَة
٨٢ - بَاب الْمُشَاهدَة
قَالَ الله ﷿ إِن فِي ذَلِك لذكرى لمن كَانَ لَهُ قلب
[ ١١٤ ]
أَو ألْقى السّمع وَهُوَ شَهِيد ١
الْمُشَاهدَة سُقُوط الْحجاب بتا وَهِي فَوق المكاشفة لِأَن المكاشفة ولَايَة النَّعْت وَفِيه شَيْء من بَقَاء الرَّسْم والمشاهدة ولَايَة الْعين والذات
وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى مُشَاهدَة معرفَة تجْرِي فَوق حُدُود الْعلم فِي لوائح نور الْوُجُود منيخة بِفنَاء الْجمع
والدرجة الثَّانِيَة مُشَاهدَة مُعَاينَة تقطع حبال الشواهد وتلبس نعوت الْقُدس وتخرس أَلْسِنَة الإشارات
والدرجة الثَّالِثَة مُشَاهدَة جمع تجذب إِلَى عين الْجمع
[ ١١٥ ]
مالكة لصِحَّة الْوُرُود راكبة بَحر الْوُجُود
٨٣ - بَاب المعاينة
قَالَ الله ﷿ ألم تَرَ إِلَى رَبك كَيفَ مد الظل ١
المعاينات ثَلَاث
إِحْدَاهَا مُعَاينَة الْأَبْصَار وَالثَّانيَِة مُعَاينَة عين الْقلب وَهِي معرفَة الشَّيْء على نَعته علما يقطع الرِّيبَة وَلَا تشوبه حيرة وَهَذِه مُعَاينَة بشواهد الْعلم
والمعاينة الثَّالِثَة مُعَاينَة عين الرّوح وَهِي الَّتِي تعاين الْحق عيَانًا مَحْضا والأرواح إِنَّمَا طهرت وأكرمت بِالْبَقَاءِ لتناغي سناء الحضرة وتشاهد بهاء الْعِزَّة وتجذب الْقُلُوب إِلَى فنَاء الحضرة
[ ١١٦ ]
٨٤ - بَاب الْحَيَاة
قَالَ الله ﷿ أَو من كَانَ مَيتا فأحييناه ١
اسْم الْحَيَاة فِي هَذَا الْبَاب يشار بِهِ إِلَى ثَلَاثَة أَشْيَاء
الْحَيَاة الأولى حَيَاة الْعلم من موت الْجَهْل لَهَا ثَلَاثَة أنفاس
نفس الْخَوْف وَنَفس الرَّجَاء وَنَفس الْمحبَّة
والحياة الثَّانِيَة حَيَاة الْجمع من موت التَّفْرِقَة لَهَا ثَلَاثَة أنفاس
نفس الِاضْطِرَار وَنَفس الافتقار وَنَفس الافتخار
والحياة الثَّالِثَة حَيَاة الْوُجُود وَهِي حَيَاة بِالْحَقِّ لَهَا ثَلَاثَة أنفاس
نفس الهيبة وَهُوَ يُمِيت الاعتلال
[ ١١٧ ]
وَنَفس الْوُجُود وَهُوَ يمْنَع الِانْفِصَال وَنَفس الِانْفِرَاد وَهُوَ يُورث الِاتِّصَال وَلَيْسَ وَرَاء ذَلِك ملحظ للنظارة وَلَا طَاقَة للْإِشَارَة
٨٥ - بَاب الْقَبْض
قَالَ الله ﷿ ثمَّ قبضناه إِلَيْنَا قبضا يَسِيرا ١
الْقَبْض فِي هَذَا الْبَاب اسْم يشار بِهِ إِلَى مقَام الضنائن الَّذين ادخرهم الْحق اصطناعا لنَفسِهِ وهم ثَلَاث فرق
فرقة قبضهم إِلَيْهِ قبض التوفي فضن بهم على أعين الْعَالمين
وَفرْقَة بضهم بسترهم فِي لِبَاس التلبيس وأسبل عَلَيْهِم أَكلَة الرسوم فأخفاهم عَن عُيُون الْعَالم
وَفرْقَة قبضهم مِنْهُم إِلَيْهِ فصافاهم مصافاة سر
[ ١١٨ ]
فضن بهم عَلَيْهِم
٨٦ - بَاب الْبسط
قَالَ الله ﷿ يذرؤكم فِيهِ ١
الْبسط أَن ترسل شَوَاهِد العَبْد فِي مدارج الْعلم ويسبل على بَاطِنه رِدَاء الِاخْتِصَاص وهم أهل التلبيس وَإِنَّمَا بسطوا فِي ميدان الْبسط لأحد ثَلَاثَة معَان لكل معنى طَائِفَة
فطائفة بسطت رَحْمَة لِلْخلقِ يباسطونهم ويلابسونهم فيستضئون بنورهم والحقائق مَجْمُوعَة والسرائر مصونة
وَطَائِفَة بسطت لقُوَّة معانيهم وتصميم مناظرهم لأَنهم طَائِفَة لَا تَخَالَجَ الشواهد مشهودهم وَلَا تضرب ريَاح الرسوم موجودهم فهم منبسطون فِي قَبْضَة الْقَبْض
[ ١١٩ ]
وَطَائِفَة بسطت أعلاما على الطَّرِيق وأئمة للهدى ومصابيح للسالكين
٨٧ - بَاب السكر
قَالَ الله ﷿ قَالَ رب أَرِنِي انْظُر إِلَيْك ١
السكر فِي هَذَا الْبَاب اسْم يشار بِهِ إِلَى سُقُوط التمالك فِي الطَّرب وَهَذَا من مقامات المحبين خَاصَّة فَإِن عُيُون الفناء لَا تقبله ومنازل الْعلم لَا تبلغه
وللسكر ثَلَاث عَلَامَات
الضّيق عَن الِاشْتِغَال بالْخبر والعظيم قَائِم واقتحام لجة الشوق والتمكن دَائِم وَالْغَرق فِي بَحر السرُور وَالصَّبْر هائم
وَمَا سوى ذَلِك فحيرة تنْحَل اسْم السكر جهلا أَو هيمان يُسمى باسمه جورا
[ ١٢٠ ]
وَمَا سوى ذَلِك فكله نقائص البصائر
كسكر الْحِرْص وسكر الْجَهْل وسكر الشَّهْوَة ٨٨ بَاب الصحو
قَالَ الله ﷿ حَتَّى إِذا فزع عَن قُلُوبهم قَالُوا مَاذَا قَالَ ربكُم قَالُوا الْحق ١
الصحو فَوق السكر وَهُوَ يُنَاسب مقَام الْبسط
والصحو مقَام صاعد عَن الِانْتِظَار مغن عَن الطّلب طَاهِر من الْحَرج
فَإِن السكر إِنَّمَا هُوَ فِي الْحق والصحو إِنَّمَا هُوَ بِالْحَقِّ وكل مَا كَانَ فِي عين الْحق لم يخل من حيرة لَا حيرة الشُّبْهَة
[ ١٢١ ]
بل الْحيرَة فِي مُشَاهدَة نور الْعِزَّة
وَمَا كَانَ بِالْحَقِّ لم يخل من صِحَة وَلم يخف عَلَيْهِ من نقيصه وَلم تتعاوره عِلّة
والصحو من منَازِل الْحَيَاة وأودية الْجمع ولوائح الْوُجُود ٨٩ بَاب الِاتِّصَال
قَالَ الله ﷿ ثمَّ دنا فَتَدَلَّى فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى ١
أيأس الْعُقُول فَقطع الْبَحْث بقوله أَو أدنى
وللاتصال ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى اتِّصَال الِاعْتِصَام ثمَّ اتِّصَال الشُّهُود ثمَّ اتِّصَال الْوُجُود
فاتصال الِاعْتِصَام تَصْحِيح الْقَصْد
[ ١٢٢ ]
ثمَّ تصفية الْإِرَادَة ثمَّ تَحْقِيق الْحَال
والدرجة الثَّانِيَة اتِّصَال الشُّهُود وَهُوَ الْخَلَاص من الاعتلال والغنى عَن الِاسْتِدْلَال وَسُقُوط شتات الْأَسْرَار
والدرجة الثَّالِثَة اتِّصَال الْوُجُود وَهَذَا الِاتِّصَال لَا يدْرك مِنْهُ نعت وَلَا مِقْدَار إِلَّا اسْم معار ولمح إِلَيْهِ مشار
٩٠ - بَاب الِانْفِصَال
قَالَ الله ﷿ ويحذركم الله نَفسه ٣
لَيْسَ فِي المقامات شَيْء فِيهِ من التَّفَاوُت مَا فِي الِانْفِصَال ووجوهه ثَلَاثَة
أَحدهَا انْفِصَال هُوَ شَرط الِاتِّصَال وَهُوَ الِانْفِصَال عَن الكونين بانفصال إِلَيْهِمَا
[ ١٢٣ ]
وانفصال توقفك عَلَيْهِمَا وانفصال مبالاتك بهما
وَالثَّانِي انْفِصَال عَن رُؤْيَة الِانْفِصَال الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَهُوَ أَن لَا يتزنا عنْدك فِي شُهُود التَّحْقِيق شَيْئا يُوصل بالانفصال مِنْهُمَا إِلَى شَيْء
وَالثَّالِث انْفِصَال عَن الِاتِّصَال وَهُوَ انْفِصَال من شُهُود مزاحمة الِاتِّصَال عين السَّبق فَإِن الِانْفِصَال والاتصال على عظم تفاوتهما فِي الِاسْم والرسم فِي الْعلَّة سيان
[ ١٢٤ ]
قسم النهايات
وَأما قسم النهايات فَهُوَ عشرَة أَبْوَاب وَهِي
الْمعرفَة والفناء والبقاء وَالتَّحْقِيق والتلبيس والوجود والتجريد والتفريد وَالْجمع والتوحيد
٩١ - بَاب الْمعرفَة
قَالَ الله ﷿ وَإِذا سمعُوا مَا أنزل إِلَى الرَّسُول ترى أَعينهم تفيض من الدمع مِمَّا عرفُوا من الْحق ١
الْمعرفَة إحاطة بِعَين الشَّيْء كَمَا هُوَ وَهِي على ثَلَاث دَرَجَات
والخلق فِيهَا ثَلَاث فرق
[ ١٢٥ ]
الدرجَة الأولى معرفَة الصِّفَات والنعوت وَقد وَردت أساميها بالرسالة وَظَهَرت شواهدها فِي الصَّنْعَة بتبصير النُّور الْقَائِم فِي السِّرّ وَطيب حَيَاة الْعقل لزرع الْفِكر وحياة الْقلب بِحسن النّظر بَين التَّعْظِيم وَحسن الِاعْتِبَار وَهِي معرفَة الْعَامَّة الَّتِي لَا تَنْعَقِد شَرَائِط الْيَقِين إِلَّا بهَا
وَهِي على ثَلَاثَة أَرْكَان
أَحدهَا إِثْبَات الصّفة باسمها من غير تَشْبِيه وَنفى التَّشْبِيه عَنْهَا من غير تَعْطِيل والإياس من إِدْرَاك كنهها وابتغاء تَأْوِيلهَا
والدرجة الثَّانِيَة معرفَة الذَّات مَعَ إِسْقَاط التَّفْرِيق بَين الصِّفَات والذات وَهِي تنْبت بِعلم الْجمع وتصفو فِي ميدان الفناء وتستكمل بِعلم الْبَقَاء وتشارف عين الْجمع
[ ١٢٦ ]
وَهِي على ثَلَاثَة أَرْكَان
إرْسَال الصِّفَات على الشواهد وإرسال الوسائط على المدارج وإرسال الْعبارَات على المعالم وَهِي معرفَة الْخَاصَّة الَّتِي تؤنس من أفق الْحَقِيقَة
والدرجة الثَّالِثَة معرفَة مستغرقة فِي مَحْض التَّعْرِيف لَا يُوصل إِلَيْهَا الِاسْتِدْلَال وَلَا يدل عَلَيْهَا شَاهد وَلَا تستحقها وَسِيلَة
وَهِي على ثَلَاثَة اركان
مُشَاهدَة الْقرب والصعود عَن الْعلم ومطالعة الْجمع
وَهِي معرفَة خَاصَّة الْخَاصَّة
٩٢ - بَاب الفناء
قَالَ الله ﷿ كل من عَلَيْهَا فان وَيبقى وَجه
[ ١٢٧ ]
رَبك ١
الفناء فِي هَذَا الْبَاب اضمحلال مَا دون الْحق علما ثمَّ جحدا ثمَّ حَقًا
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى فنَاء الْمعرفَة فِي الْمَعْرُوف وَهُوَ الفناء علما وفناء العيان فِي المعاين وَهُوَ الفناء جحدا وفناء الطّلب فِي الْوُجُود وَهُوَ الفناء حَقًا
والدرجة الثَّانِيَة فنَاء شُهُود الطّلب لإسقاطه وفناء شُهُود الْمعرفَة لإسقاطها وفناء شُهُود العيان لإسقاطه
والدرجة الثَّالِثَة الفناء عَن شُهُود الفناء وَهُوَ الفناء حَقًا شائما برق الْعين رَاكِبًا بَحر الْجمع
[ ١٢٨ ]
سالكا سَبِيل الْبَقَاء
٩٣ - بَاب الْبَقَاء
قَالَ الله ﷿ وَالله خير وَأبقى ١
الْبَقَاء اسْم لما بَقِي قَائِما بعد فنَاء الشواهد وسقوطها وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى بَقَاء الْمَعْلُوم بعد سُقُوط الْعلم عينا لَا علما وَبَقَاء الْمَشْهُود بعد سُقُوط الشُّهُود وجودا لَا نعتا وَبَقَاء مَا لم يزل حَقًا بِإِسْقَاط مَا لم يكن محوا
٩٤ - بَاب التَّحْقِيق
قَالَ الله ﷿ أَو لم تؤمن قَالَ بلَى وَلَكِن لِيَطمَئِن قلبِي ١
التَّحْقِيق تَلْخِيص مصحوبك من الْحق ثمَّ الْحق ثمَّ فِي الْحق وَهَذِه أَسمَاء درجاته الثَّلَاث
[ ١٢٩ ]
أما دَرَجَة تَلْخِيص مصحوبك من الْحق فَأن لَا يخالج علمك علمه
وَأما الدرجَة الثَّانِيَة فَأن لَا يُنَازع شهودك شُهُوده وَأما الدرجَة الثَّالِثَة فَإِن لَا يناسم رسمك سبقة
فَتسقط الشَّهَادَات وَتبطل الْعبارَات وتفنى الإشارات
٩٥ - بَاب التلبيس
قَالَ الله ﷿ وللبسنا عَلَيْهِم مَا يلبسُونَ ١
التلبيس تورية بِشَاهِد معار عَن مَوْجُود قَائِم وَهُوَ اسْم لثَلَاثَة معَان
أَولهَا تلبيس الْحق بالكون على أهل التَّفْرِقَة وَهُوَ تَعْلِيقه الكوائن بالأسباب والأماكن والأحايين وتعليقه المعارف بالوسائط والقضايا بالحجج وَالْأَحْكَام بالعلل والانتقام بالجنايات والمثوبة بالطاعات فأخفى الرضى والسخط اللَّذين يوجبان الْوَصْل والفصل
[ ١٣٠ ]
ويظهران السَّعَادَة والشقاوة
والتلبيس الثَّانِي تلبيس أهل الْغيرَة على الْأَوْقَات بإخفائها وعَلى الكرامات بِكِتْمَانِهَا والتلبيس بالمكاسب والأسباب وَتَعْلِيق الظَّاهِر بالشواهد والمكاسب تلبيسا على الْعُيُون الكليلة والعقول العليلة مَعَ تَصْحِيح التَّحْقِيق عقدا وسلوكا ومعاينة وَهَذِه الطَّائِفَة رَحْمَة من الله ﷿ على أهل التَّفْرِقَة والأسباب فِي ملابستهم
والتلبيس الثَّالِث تلبيس أهل التَّمَكُّن على الْعَالم ترحما عَلَيْهِم بملابسة الْأَسْبَاب توسيعا على الْعَالم لَا لأَنْفُسِهِمْ وَهَذِه دَرَجَة الْأَنْبِيَاء ثمَّ هِيَ للأئمة الربانيين الصادرين عَن وَادي الْجمع المشيرين عَن عينه
٩٦ - بَاب الْوُجُود
أطلق الله ﷿ فِي الْقُرْآن اسْم الْوُجُود صَرِيحًا فِي مَوَاضِع
[ ١٣١ ]
فَقَالَ يجد الله غَفُورًا رحِيما ١
لوجدوا الله تَوَّابًا رحِيما ٤ وَوجد الله عِنْده ٥
الْوُجُود اسْم للظفر بِحَقِيقَة الشَّيْء وَهُوَ اسْم لثَلَاثَة معَان
أَولهَا وجود علم لدني يقطع عُلُوم الشواهد فِي صِحَة مكاشفة الْحق إياك
وَالثَّانِي وجود الْحق وجود عين مقتطعا عَن مساغ الْإِشَارَة
وَالثَّالِث وجود مقَام اضمحلال رسم الْوُجُود فِيهِ بالاستغراق فِي الأولية
٩٧ - بَاب التَّجْرِيد
قَالَ الله ﷿ فاخلع نعليك ١
[ ١٣٢ ]
التَّجْرِيد انخلاع عَن شُهُود الشواهد وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
الدرجَة الأولى تَجْرِيد عين الْكَشْف عَن كسب الْيَقِين والدرجة الثَّانِيَة تَجْرِيد عين الْجمع عَن دَرك الْعلم والدرجة الثَّالِثَة تَجْرِيد الْخَلَاص من شُهُود التَّجْرِيد
٩٨ - بَاب التفريد
قَالَ الله ﷿ ﴿ويعلمون أَن الله هُوَ الْحق الْمُبين﴾
التفريد اسْم لتخليص الْإِشَارَة إِلَى الْحق ثمَّ الْحق ثمَّ عَن الْحق فَأَما تفريد الْإِشَارَة إِلَى الْحق فعلى ثَلَاث دَرَجَات
تفريد الْقَصْد عطشا ثمَّ تفريد الْمحبَّة تلفا ثمَّ تفريد الشُّهُود اتِّصَالًا
وَأما تفريد الْإِشَارَة بِالْحَقِّ فعلى ثَلَاث دَرَجَات
تفريد الْإِشَارَة بالافتخار بوحا وتفريد الْإِشَارَة بالسلوك مطالعة وتفريد الْإِشَارَة بِالْقَبْضِ غيرَة
[ ١٣٣ ]
وَأما تفريد الْإِشَارَة عَن الْحق فانبساط ببسط ظَاهر يتَضَمَّن قبضا خَالِصا للهداية إِلَى الْحق والدعوة إِلَيْهِ
٩٩ - بَاب الْجمع
قَالَ الله ﷿ ﴿وَمَا رميت إِذْ رميت وَلَكِن الله رمى﴾ ٢
الْجمع مَا اسقط التَّفْرِقَة وَقطع الْإِشَارَة وشخص عَن المَاء والطين بعد صِحَة التَّمْكِين والبراءة من التلوين والخلاص من شُهُود الثنوية والتنافي من إحساس الاعتلال والتنافي من شُهُود شهودها
وَهُوَ على ثَلَاث دَرَجَات
جمع علم ثمَّ جمع وجود ثمَّ جمع عين فَأَما جمع الْعلم فَهُوَ تلاشي عُلُوم الشواهد فِي الْعلم اللدني صرفا
[ ١٣٤ ]
فَأَما جمع الْوُجُود فَهُوَ تلاشي نِهَايَة الِاتِّصَال فِي عين الْوُجُود محقا فَأَما جمع الْعين فَهُوَ تلاشي كل مَا تقله الْإِشَارَة فِي ذَات الْحق حَقًا
وَالْجمع غَايَة مقامات السالكين وَهُوَ طرف بَحر التَّوْحِيد
١٠٠ - بَاب التَّوْحِيد
قَالَ الله ﷿ ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ﴾
التَّوْحِيد تَنْزِيه الله تَعَالَى عَن الْحَدث وَإِنَّمَا نطق الْعلمَاء بِمَا نطقوا بِهِ وَأَشَارَ الْمُحَقِّقُونَ بِمَا أشاروا إِلَيْهِ فِي هَذَا الطَّرِيق لقصد تَصْحِيح التَّوْحِيد
وَمَا سواهُ من حَال أَو مقَام فكله مصحوب الْعِلَل
والتوحيد على ثَلَاثَة وُجُوه
الْوَجْه الأول تَوْحِيد الْعَامَّة الَّذِي يَصح بالشواهد وَالْوَجْه الثَّانِي تَوْحِيد الْخَاصَّة وَهُوَ الَّذِي يثبت بالحقائق وَالْوَجْه الثَّالِث تَوْحِيد قَائِم بالقدم وَهُوَ تَوْحِيد خَاصَّة الْخَاصَّة
فَأَما التَّوْحِيد الأول فَهُوَ شَهَادَة أَن ﴿لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ وَحده لَا شريك لَهُ الْأَحَد الصَّمد الَّذِي لم يلد وَلم يُولد وَلم يكن
[ ١٣٥ ]
﴿لَهُ كفوا أحد﴾ ١
هَذَا هُوَ التَّوْحِيد الظَّاهِر الْجَلِيّ الَّذِي نفى الشّرك الْأَعْظَم وَعَلِيهِ نصبت الْقبْلَة وَبِه وَجَبت الذِّمَّة وَبِه حقنت الدِّمَاء وَالْأَمْوَال وانفصلت دَار الْإِسْلَام من دَار الْكفْر وَصحت بِهِ الْملَّة للعامة وَإِن لم يقومُوا بِحَق الِاسْتِدْلَال بعد أَن سلمُوا من الشُّبْهَة والحيرة والريبة بِصدق شَهَادَة صححها قبُول الْقلب
هَذَا تَوْحِيد الْعَامَّة الَّذِي يَصح بالشواهد والشواهد هِيَ الرسَالَة والصنائع يجب بِالسَّمْعِ وَيُوجد بتبصير الْحق وينمو على مُشَاهدَة الشواهد
وَأما التَّوْحِيد الثَّانِي الَّذِي يثبت بالحقائق فَهُوَ تَوْحِيد الْخَاصَّة
[ ١٣٦ ]
وَهُوَ إِسْقَاط الْأَسْبَاب الظَّاهِرَة والصعود عَن منازعات الْعُقُول وَعَن التَّعَلُّق بالشواهد
وَهُوَ أَن لَا تشهد فِي التَّوْحِيد دَلِيلا وَلَا فِي التَّوَكُّل سَببا وَلَا للنجاة وَسِيلَة فَتكون مشاهدا سبق الْحق بِحكمِهِ وَعلمه وَوَضعه الْأَشْيَاء موَاضعهَا وتعليقه إِيَّاهَا بأحايينها وإخافة إِيَّاهَا فِي رسومها وَتحقّق معرفَة الْعِلَل وتسلك سَبِيل إِسْقَاط الْحَدث
هَذَا تَوْحِيد الْخَاصَّة الَّذِي يَصح بِعلم الفناء ويصفو فِي علم الْجمع ويجذب إِلَى تَوْحِيد أَرْبَاب الْجمع
وَأما التَّوْحِيد الثَّالِث فَهُوَ تَوْحِيد اختصه الْحق لنَفسِهِ واستحقه بِقَدرِهِ وألاح مِنْهُ لائحا إِلَى أسرار طَائِفَة من صفوته وأخرسهم عَن نَعته وأعجزهم عَن بثه
[ ١٣٧ ]
وَالَّذِي يشار بِهِ غليه على ألسن المشيرين أَنه إِسْقَاط الْحَدث وَإِثْبَات الْقدَم على أَن هَذَا الرَّمْز فِي ذَلِك التَّوْحِيد عِلّة لَا يَصح ذَلِك التَّوْحِيد إِلَّا باسقاطها
هَذَا قطب الْإِشَارَة إِلَيْهِ على ألسن عُلَمَاء هَذَا الطَّرِيق وَإِن زخرفوا لَهُ نعوتا وفصلوه فصولا فَإِن ذَلِك التَّوْحِيد تزيده الْعبارَة خَفَاء وَالصّفة نفورا والبسط صعوبة
وَإِلَى هَذَا التَّوْحِيد شخص أهل الرياضة وأرباب الْأَحْوَال وَله قصد أهل التَّعْظِيم وإياه عني المتكلمون فِي عين الْجمع
وَعَلِيهِ تصطلم الإشارات ثمَّ لم ينْطق عَنهُ لِسَان وَلم تشر إِلَيْهِ عبارَة فَإِن التَّوْحِيد وَرَاء مَا يُشِير إِلَيْهِ مكون أَو يتعاطاه حِين أَو يقلهُ سَبَب
[ ١٣٨ ]
وَقد أجبْت فِي سالف الزَّمَان سَائِلًا سَأَلَني عَن تَوْحِيد الصُّوفِيَّة بِهَذِهِ القوافي الثَّلَاث
مَا وحد الْوَاحِد من وَاحِد إِذْ كل من وَحده جَاحد
تَوْحِيد من ينْطق عَن نَعته عَارِية أبطلها الْوَاحِد
توحيده إِيَّاه توحيده ونعت من يَنْعَتهُ لَاحَدَّ
[ ١٣٩ ]