ما المقصود بالدين؟ وما علاقة الدين بمناهج التربية والتعليم؟
الدين هو المنهج أو النظام الذي يحكم حركة الكون والإنسان والحياة، ويحكم العلاقات والارتباطات بين كلياتها وجزئياتها في تكامل واتساق، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ١.
وبناء على ذلك ينبغي أن نعلم أبناءنا في بيوتنا وفي مدارسنا أن "الدين" هو منهج الحياة، ونظام لتوجيه النشاط الإنساني في الحياة الدنيا، ولمجازاة الإنسان على عمله في الحياة الآخرة، وأن كل "دين" هو "منهج حياة"، وكل "منهج للحياة" هو "دين". وعليه فدين الجماعة من البشر هو المنهج أو النظام الذي يصرف حياة هذه الجماعة، فإن كان "الدين" أو "المنهج" الذي يصرف حياة الجماعة عبارة عن فلسفة من صنع البشر أو تصور من صنع القبيلة أو الحاكم، فهذه الجماعة تتبع غير دين الله.
هذا التصور للدين وعلاقته بالكون والإنسان والحياة يجب أن تؤكده مناهج التربية الدينية، ومناهج العلوم الطبيعية، ومناهج العلوم الإنسانية كل حسب طبيعته.
والدين باعتباره منهجا للحياة ذو شقين: الشق الأول هو العقيدة أو التصور الاعتقادي، والشق الثاني هو التصور الاجتماعي النابع من الشق الأول، فعقيدة الإنسان هي التي توجه سلوكه الاجتماعي ونشاطه في الحياة كلها، وبذلك فإن الدين الإسلامي بتصوره الشامل للألوهية والكون والإنسان والحياة هو الإطار المرجعي للإنسان المسلم وللحياة الإسلامية.
يجب أن نؤكد لأبنائنا في مناهج التربية أن تعبير "لا إله إلا الله" إنما يعني أن الله المعبود وحده دون سواه، وأنه أنزل للخلق منهجا ونظاما، أي: دينا يسيرون
_________________
(١) ١ انظر: أبو الأعلى المودودي: معنى كلمة "دين" في كتاب "المصطلحات الأربعة"، وانظر أيضا سيد قطب: "المستقبل لهذا الدين"، دار الشروق، تحت عنوان: كل دين منهج حياة، ص١٢-١٥.
[ ٢٣ ]
عليه في الحياة، وأن هذا النظام أو المنهج موجود في مواد العلوم الشرعية عموما، وفي القرآن والسنة على وجه الخصوص، وأنه موجود في مناهج العلوم الكونية أيضا مثل الطبيعة والكيمياء والأحياء، وخاصة أنه ينبغي أن ندرس الكون على أنه مخلوق من مخلوقات الله، وأن مهمة المناهج هي أن يقف التلاميذ على قوانين الله في الكون حتى يستطيعوا بعد ذلك تسخيرها وتطبيقها في إعمار الحياة. إن هذه المناهج عندما تفعل ذلك فهي تعلم "الدين" بأيسر أسلوب وبأجمل طريقة.
إذا كان الدين قد أنزله الله لتنظيم حياة الإنسان، فما حقيقة الإنسان؟ لا بد أن توضح مناهج التربية للصغار والكبار أن الإنسان عبد الله، سيد الكون، وأن الله خلقه من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، فهو جسم وروح ممتزجان متكاملان، وأن الله قد خلقه ليفعل ذلك بإرادته الحرة، وأنه عائد إلى الله ليجازيه على قدر قيامه بالمهمة التي خلق من أجلها.
إن الدين ينظم حركة الإنسان مع حركة الكون، ومهمة المناهج التربوية أن تعد الإنسان القادر على التعامل الحسن مع الكون الرحيب الذي صممه الله لخدمته، وسخره ليكون متناسقا مع حركته المستقيمة مع منهج الله، فإذا انحرفت حركة الإنسان عن استقامة فطرة الله فيه، اختلت حركة الكون من حوله، وحدث الجفاء بينه وبين النظام الكوني المصمم أصلا لخدمته.
إن الإنسان يتعامل على سبيل المثال، مع الكون المشهود بهوائه ومائه، وبحاره، وأنهاره، وأرضه وسمائه، وجماده ونباته، ويتعامل مع الكون المغيب بروحه وملائكته وجنه وشياطينه. فإن تعامل مع كل هذا وفق ما أمر الله ونهى، دانت له كل مفردات الكون بالطاعة، وإن تعامل معها بما يخالف منهج الله حدث الخلل والاضطراب، وتحولت مظاهر الكون إلى أعداء للإنسان، وتحول الكون المسخر للإنسان إلى عدو لدود، ومن أمثلة ذلك خرق طبقة الأوزون، وتلوث الماء، وتلوث الهواء.. إلخ.
إن الدين ينظم -أيضا- حركة الحياة الاجتماعية فالدين له نظام للسياسة، ونظام للاقتصاد، ونظام للعلاقات الاجتماعية، ونظام للتربية، ونظام للثقافة والحضارة، ونظام للأسرة، ونظام للفنون والآداب، ونظام للإعلام والإعلان، إلخ. فإذا تعامل الإنسان مع نظم الحياة بما يتسق مع دين الله ونظامه عمرت الحياة، وازدانت الأرض بالخير والنماء، وإذا انحرف في تعامله مع مفردات الحياة ونظمها عن منهج الله، سادت الفوضى، وعم الظلم والاستبداد والخراب والدمار.
[ ٢٤ ]
إن هذا يعني أن مناهج العلوم الشرعية ومناهج العلوم الاجتماعية ومناهج اللغات والفنون والآداب يجب أن تتعاون في إيضاح نظم الحياة السابقة بما يتفق مع دين الله ومنهجه للحياة. إن إهمال ذلك في مناهج التربية والتعليم إما أن يؤدى إلى الغلو في الدين واتهامه بما ليس فيه، وإما إلى الابتعاد عن دين الله وعبادة الشيطان.
يجب علينا جميعا -آباء ومعلمين ومربين- أن نعلم أبناءنا أن الله إنما خلقهم لإعمار الدنيا وترقية الحياة. فلا معنى للعمل للآخرة ونسيان الدنيا، ولا معنى للاستغراق في الدنيا ونسيان الآخرة. فالحياة الدنيا ليست بديلا ولا نقيضا للحياة الآخرة، فمن حسنت دنياه حسنت آخرته، ومن ساءت دنياه ساءت آخرته. قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٧٧] .
إن منهج تربية المسلم المعاصر لا بد وأن يأخذ في اعتباره عند تخطيطه، وتنفيذه، وتطويره، أن الإسلام هو الإطار المرجعي لهذه الأمة، وأنه وحده هو الكفيل بالحيلولة دون انسحاقها أو تبعيتها.
[ ٢٥ ]