للمعرفة في منهج التربية مصدران رئيسيان، فهناك معرفة مصدرها تفكر الإنسان وتدبره في كتاب الكون المفتوح، وفي علوم الكون والحياة وكل ما يتصل بأحوال الناس المادية، وشئونهم المعيشية. وهذا اللون من المعرفة لا يقبل منه منهج التربية إلا ما جاء نتيجة للمنطق التجريبي أو الرياضي. أو التفكير العلمي والتجارب العلمية والصحيح من تشريعات الفقهاء واجتهادتهم في كل عصر في ضوء التصور الإسلامي للكون والإنسان والحياة. أما إذا كانت المعارف والمعلومات متصلة بما وراء المادة وبما وراء خبرات الإنسان في الأمور المادية والمعيشية، فإن كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- هما السبيل الفذة التي لا يقبل منهج للتربية سبيلا غيرها١. أما ما تركه الفلاسفة والعلماء الذين بحثوا فيما وراء المادة أو فيما وراء الطبيعة، فهو خليط عجيب من النظريات والأفكار والآراء التي تستطيع تمييز الصحيح من السقيم فيها. فهم ينتمون إلى كثير من الشرائع والنحل، فجاءت فروضهم خاطئة، وبحوثهم حائرة، وآراؤهم متناقضة، فورثوا لأتباعهم الحيرة وعدم الاستقرار في كل حال.
إذن فالإسلام هو القرآن والسنة. وما عداهما من الاجتهادات في ضوئهما هو فقه إسلامي، تسترشد به الأجيال المتعاقبة، فيساعدها على الفهم والاستنتاج والتطبيق.
ومما سبق يمكن استنتاج أمرين:
الأمر الأول: هو أنه لما كانت الحالات الاجتماعية لا تتكرر أبدا في التاريخ، إنما تتشابه مجرد تشابه؛ فإن أي حكم تطبيقي في حالة مضت -ليس من شرع الله ولا من عمل رسول الله، ﷺ- إنما يصلح للاسترشاد به والاستشهاد في الحالات المشابهة التي تعرض للأجيال المتجددة، ولكنه لا يبلغ حد الإلزام المطلق؛ لأنه مجرد رأي بشري في شريعة الله، ليس جزءا من الشريعة الثابتة الصادرة من الله"٢.
الأمر الثاني: هو أن الصور التاريخية للمجتمع الإسلامي لا تحدد ولا تستوعب كل الصور الممكنة للمجتمع الإسلامي، ولكل جيل أن يبدع نظمه الاجتماعية في حدود المبادئ الإسلامية، وأن يلبي حاجات زمانه باجتهادات فقهية قائمة على الأصول
_________________
(١) ١ محمد عمارة: "تعدد مصادر المعرفة بين الحضارتين الإسلامية والغربية" في "المسلمون" العدد ٢٤٣، في ٢٩ صفر ١٤١٠هـ-٢٩/ ١١/ ١٩٨٩م، ص٧. ٢ المرجع السابق، ص٧-٩.
[ ١٦٠ ]
الأصول الكلية للشريعة، على شرط اتباع مناهج صحيحة في الاجتهاد، واتفاق بين جمهرة فقهاء الأمة الإسلامية في كل جيل، بحيث لا ندع الأمر فوضى لكل من شاء كيف شاء.
والحادث في معظم أقطار الأمة الإسلامية أننا تركنا استيحاء مقومات المجتمع الإسلامي ونظمه السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية من الشريعة والفقه معا، وارتمينا في أحضان النظم الوضعية غربية كانت أم شرقية.
إن منهج التربية عندما يلجأ إلى تدريس مذاهب الفقه المختلفة لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن حزم وغيرهم، فإنه يدرسها "على أنها وجهات نظر متساوية القيمة". وأنها تعبر عن حاجات الناس ومطالب المجتمع في أزمنة وأمكنة مختلفة، فهي ليست ملزمة للناس بطريقة مطلقة في كل عصر ولكل مكان، وعلى هذا فهي تناقش، وتوزن "بحياد علمي وصدر مفتوح، لا مكان فيه للخصومة، والجفاء وتفريق الأمة".
مصادر التلقي في منهج التربية:
إن الحق -﷾- يوجه الخطاب إلى رسول الله -ﷺ- فيقول له: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: ١٤٧] . ورسول الله -ﷺ- ما امترى يوما ولا شك. وحينما قال له ربه في آية أخرى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] .. قال: "لا أشك ولا أسأل".
ولكن توجيه الخطاب هكذا إلى شخصية رسول الله -ﷺ- يحمل إيحاء قويا إلى من وراءه من المسلمين. سواء منهم من كان في ذلك الحين يتأثر بأباطيل اليهود وأحابيلهم، ومن يأتي بعده ممن تؤثر فيهم أباطيل اليهود وغير اليهود في أمر دينهم.
وما أجدرنا نحن اليوم أن نستمع إلى هذا التحذير؛ ونحن -في بلاهة منقطعة النظير- نروح نستفتي المستشرقين والشيوعيين في أمر ديننا. وقد يهون الأمر لو اقتصر تلقينا عنهم على العلوم البحتة كالرياضيات، والعلوم الطبيعية، وعلوم الصناعة، والزراعة وعلوم الحرب وفنون القتال.. إلى آخر ذلك من العلوم التي لا تتأثر كثيرا بالفلسفة وتفسير السلوك الإنساني.
ولكن الكارثة هي أننا نتلقى عنهم -أيضا- تاريخنا، وفنوننا، وآدابنا، وسياستنا، واقتصادنا، واجتماعنا وتربيتنا. ونأمنهم على القول في تراثنا، ونسمع لما يدسونه من شكوك في دراساتهم لقرآننا وحديث نبينا، وسيرة أوائلنا. ونرسل إليهم
[ ١٦١ ]
بعثات من طلابنا يتلقون عنهم علوم الإسلام، ويتخرجون في جامعاتهم، ثم يعودون إلينا مدخولي العقل والضمير!
إن هذا القرآن قرآننا. قرآن الأمة الإسلامية. وهو كتابها الخالد الذي يخاطبها فيه ربها بما تعلمه وما تحذره: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] .. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] .
والخلاصة: منهج التربية يجب أن يعتمد أساسا على كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ- وهو عندما يتعرض للاجتهادات الفقهية القديمة، لا يتحرج من وزنها على أساس موضوعي، فيقبل ما يراه مناسبا للاسترشاد به، ويدع ما لا يتناسب مع معطيات الزمان، والمكان، وحاجات الناس، والتلقي في هذا المنهج لا يتم فيما يتصل بعلوم الشريعة، والفنون والآداب والتربية، وكل العلوم الإنسانية -لا يتم إلا على يد مسلم يوثق في علمه وتقواه. أما فيما يتصل بالعلوم البحتة فيجوز التلقي فيها على يد غير المسلمين عند الضرورة.
[ ١٦٢ ]