إذا كانت وظيفة العلم هي عمارة المجتمع الإنساني وترقيته، فإن العلم إذا لم يكن مستندا إلى عدل الله ينقلب إلى وسيلة للخراب والدمار للمجتمع البشري كله! فالعدل -إذن- هو القيمة التي توجه غايات العلم، نحو خير الإنسان والبشرية جميعا.
والعدل كما وضحه بعض الفقهاء والمفسرين هو تنفيذ حكم الله، أي: أن يحكم الناس وفقا لما جاءت به الشرائع السماوية، ولما كانت الشريعة الإسلامية هي كمال هذه الشرائع، فإن العمل بها إذن هو تحقيق للعدل الذي أمر الله به، ويندرج تحت هذا المعنى العام للعدل معانيه الخاصة، فهناك العدل في الحكم، والعدل في النظام الاجتماعي للدولة، والعدل في القضاء، والعدل الاقتصادي، والعدل بين الرجل والمرأة، والعدل في الحقوق والواجبات والمعاملة.. إلخ.
أسس النظام:
يقوم نظام الحكم في التصور الإسلامي على أربعة أسس:
- اختيار المحكومين للحكام.
- العدل من الحكام.
- الطاعة من المحكومين.
- الشورى بين الحكام والمحكومين١.
١- يقوم النظام السياسي الإسلامي على أساس اختيار المحكومين للحكام، فقد تم اختيار أبي بكر في سقيفة بني ساعدة، وقال بعد اختيار الناس له: لقد وليت عليكم ولست بخيركم، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم، وهكذا تم اختيار عمر وعثمان وعلي -﵃.
٢- العدل من الحكام فرض لا يقوم الحكم الإسلامي إلا به، ولذلك ورد الأمر بالعدل في القرآن صريحا، فحثت عليه آيات كثيرة، وجعله الله غاية الحكم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨] وقد ورد في تفسير الرازي لهذه الآية قوله: "أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل" واستشهد بقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، وقوله:
_________________
(١) ١ سيد قطب: العدالة الاجتماعية في الإسلام، مرجع سابق، ص٨٠.
[ ١٩٠ ]
﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ . وقوله: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦] . وهذه الآية الأخيرة تدل على أن العدل واجب حتى على الأنبياء، والعدل واجب حتى للأعداء، وهذه من أعظم فضائل الإسلام، وقد ورد النص على ذلك صريحا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨] .
٣- والطاعة من المحكومين للحكام واجبة إذا سار الحكام وفق منهج الله وشريعته، وحكموا بالعدل المفروض عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] . فإذا لم يعترف الحكام بأن الحاكمية لله، ولم ينفذوا شريعة الله، سقطت طاعتهم، ولم يجب لأمرهم النفاذ.
٤- والشورى بين الحكام والمحكومين هي الأساس الرابع لنظام الإسلام في الحكم قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٩٥] . ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] . فلأن الإسلام دين ودولة، ونظام كامل للحياة، فقد كفل لأتباعه حريتهم السياسية، وهي أن يكون لكل إنسان قادر الحق في الاشتراك في توجيه سياسة أمته، ومراقبة السلطة فيها. وقد كفل الإسلام للإنسان هذا الحق حين جعل نظام الحكم قائما على الشورى.
[ ١٩١ ]