وتقوم السياسة الاقتصادية في الإسلام على ثلاثة أسس:
أولا: إن المال مال الله، والناس مستخلفون فيه: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]، ويقول الله في شأن المكاتبين من الأرقاء: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣] .
ثانيا: كراهية أن يحبس المال في أيدي فئة قليلة من الناس يتداول بينهم بينما يمنع عن الآخري: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، حتى إن الإسلام قد أجاز للحاكم بشريعة الله أن يأخذ بعض المال من الأغنياء ويملكه للفقراء، وذلك عندما يرى أن المجتمع قد اختل توازنه بظهور آفة الغنى إلى حد الترف الشديد
[ ١٩١ ]
في جانب، والفقر المدقع في جانب آخر، وهذا ما فعله الرسول ﵊ حين أعطى فيء بني النضير كله للمهاجرين.
ومن أجل منع المال من أن يحبس في أيدي فئة قليلة، لجأ الإسلام إلى وسائل أهمها الزكاة، والإرث، والصدقات، والمال العام أو الملكية العامة، وتربية الضمير الإنساني.
ثالثا: الملكية الفردية، فالمال مال الله، والناس مستخلفون في ملكية التصرف فيه والانتفاع به، لكنه التصرف والانتفاع الذي لا يصل إلى السفه، والناس يملكون المال بالعمل والكسب: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: ٣٢]، وبالإرث: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] .
العدالة بين الفرد والمجتمع:
كما أن الفرد كل له أجزاء فهو أيضا جزء من كل هو المجتمع، وقد جسم الرسول ﵊ العلاقة بين الفرد والجماعة في حديثه الشريف.
"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" "أخرجه الشيخان".
فالعدالة تقتضي أن يسهم الفرد في حركة عمارة المجتمع وترقيته، لأنه لن يصلح أمر الفرد إذا ساءت أحوال المجتمع، وحركة العمارة في حياة المجتمع ليست واحدة، فالمجتمع لا يريد أفراده أطباء أو مهندسين أو قضاة أو مدرسين أو عمالا أو مزارعين، بل يريد كل هؤلاء، ومن رحمة الله بالناس أن جعل لهم مواهب وميولا ومهارات واهتمامات مختلفة ومتعددة، لأن حركة المجتمع تحتاج إلى هذا التنوع والاختلاف في الاهتمامات والمهارات والقدرات حتى تتكامل الحركة فيه، فحركة الأجزاء في المجتمع الواحد، كحركة الأعضاء في الجسد الواحد، فلكل فرد مهمة، كما أن لكل عضو مهمة، وبتكامل عمل الأعضاء يصح الإنسان ويقوى، وكذلك الحال في المجتمع.
أما فيما يتصل بحركة كل فرد ونوعيتها، وعلاقتها بغيرها داخل المجتمع، فيصورها القرآن تصويرا دقيقا في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] .
[ ١٩٢ ]
وهنا لا يجب أن نفهم أن أساس الرفعة هو المال فقط، فالصحيح أن كل فرد في المجتمع مرفوع مرة، ومرفوع عليه مرة أخرى، فالفرد في المجتمع مرفوع فيما يجيد وفيما يحسن، ومرفوع عليه غيره فيما لا يجيده ولا يحسنه، إذن فكل فرد فاضل في جهة ومفضول عليه في جهة أخرى، والمفضول عليه يسخر الفاضل لخدمته. إذن فكل فرد في الكون مسخر لكل فرد، وعلى هذا فلا يجب تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: ٣٢] على أساس أن الطبقة الأعلى تسخر الطبقة الأدنى.
إن المجتمع الإسلامي مجتمع غير طبقي، والقرآن دقيق في تعبيره، فقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] جعلك لا تستطيع أن تحدد البعض المرفوع، ولا البعض المرفوع عليه، لأن كلمة "بعض" مبهمة، فكل بعض مرفوع وكل بعض مرفوع عليه، والاختلاف والتفاوت إنما هو في قدر الدرجات في كل زاوية وفي كل علم وفي كل فن، وفي كل مهارة، فالفاضل مرفوع بقدر مهارته في العلم ودرجة إتقانه له.
وبذلك ينسجم المجتمع ولا يتصارع، وإنما يتعاون ويتعاضد، فلو تساوى الناس في علم واحد أو فن واحد أو مهارة واحدة لتدافعوا وتصارعوا. ولكن كلا منهم يحتاج إلى الآخر، وعجز هذا تكمله قدرة ذاك، وخير الناس أنفعهم للناس، وهذه واحدة من أجل معاني العدالة.
[ ١٩٣ ]