إن مناهج التربية عموما، ومناهج العلوم الشرعية فيها على وجه الخصوص، تستطيع -بعد تحقيق أهداف الإيمان بالله والأخوة في الله، وفهم حقيقة الألوهية، وحقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وعن طريقها- إيصال المربي إلى درجة كماله التي تقدره على المساهمة بإيجابية وفاعلية في تحقيق وسطية الأمة وشهادتها على الناس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] .
والأمة الوسط، هي الأمة الأعلى والأشرف بين الأمم، لأنها تقوم على طريق الحق والعدل، ولها صفة "الوسط"؛ لأن لها صفة "الرئاسة" بين شعوب العالم، وعلاقتها مع الجميع علاقة حق وصدق بدرجة واحدة، وليس بينها وبين غيرها صلة تخالف الحق والصدق والشرعية١.
فأمة الإسلام "أمة وسطا". لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي.. تعمل لترقية الحياة ورفعتها.
"أمة وسطا".. في التفكير والشعور.. لا تجمد على ما عملت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة.. ولا تتبع كذلك كل ناعق، وتقلد تقليد القردة المضحك.. إنما تتمسك بما لديها من تصورات ومناهج وأصول، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجريب، وشعارها الدائم: الحكمة ضالة المؤمن أني وجدها أخذها، في تثبت ويقين.
"أمة وسطا".. في الارتباطات والعلاقات.. لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا تلاشي شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة.
"أمة وسطا".. في المكان.. في سرة الأرض، وفي أوسط بقاعها.
"أمة وسطا".. في الزمان.. تنهي عهد طفولة البشرية من قبلها، وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها، وتستمر به في طريق النماء والرقي٢.
إن ما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، هو أنها قد تخلت في كثير من أمور حياتها عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة ليست هي التي اختارها الله لها، واصطبغت بصبغات شتى ليست صبغة الله واحدة منها! والله يريد لها أن تصطبغ بصبغته وحدها.
والآن كيف نربي المسلم المعاصر كي يسهم في تحقيق وسطية الأمة وشهادتها على الناس، وهو مقتضى من أهم مقتضيات الخلافة في الأرض؟
_________________
(١) ١ أبو الأعلى المودودي: الحكومة الإسلامية، جدة، الدار السعودية للنشر والتوزيع، ١٤٠٤هـ، ١٩٨٤م، ص١٦١. ٢ انظر: مفهوم الوسطية في سيد قطب: في ظلال القرآن، مرجع سابق، المجلد الأول، الجزء الثاني، ص١٣٠-١٣٢.
[ ١٤٤ ]
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٥٣] . من الضروري أن يكون من أهداف مناهج التربية بناء الإنسان المؤمن بالله، والتابع لرسوله، الشاهد على ذلك، والشهيد في سبيل ذلك، لا بد من تربية الإنسان على أنه مطلوب منه أن يؤدي شهادة لهذا الدين، شهادة تؤيد حق هذا الدين في البقاء، لخير الجماعة ولخير البشرية كلها.
وهو لا يستطيع أن يؤدي هذه الشهادة إلا إذا جعل من نفسه ومن خلقه، ومن سلوكه ومن حياته صورة حية لهذا الدين. صورة يراها الناس فيرون فيها مثلا رفيعا يشهد لهذا الدين بالأحقية في الوجود، وبالخيرية والأفضلية على سائر ما في الأرض من أنظمة وأوضاع ومؤسسات.
لابد من تربية الإنسان الذي يفهم أنه لا يستطيع أن يؤدي هذه "الشهادة" حتى يجعل من هذا الدين قاعدة حياته، ونظام مجتمعه وشريعة نفسه وقومه، وأن يجاهد في سبيل ذلك، ويؤثر الموت في سبيله على الحياة في ظل مجتمع آخر لا يحقق منهج الله في حياة الجماعة البشرية.. إن هذا الإيثار، وهذا الجهاد في سبيل منهج الدين هو شهادة من المسلم بأن هذا الدين خير من الحياة ذاتها، وأنه أعز ما يحرص عليه في حياته، ومن ثم يدعى "شهيدا" إذا عاش مجاهدا في سبيل تحقيق ذلك، أو مات مجاهدا في سبيل تحقيقه سواء.
[ ١٤٥ ]