فيا أيها المتفقه:
تأدب قبل أن تتعلم، فإنك لن تنال من العلم طرفًا إذا لم تنل من الأدب أطرافه.
واعلم - أعزك الله - أنَّ تهذيب النفس، وإصلاح خللها ليس بالأمر اليسير إلا من وفقه الله تعالى، فاصلح ما بينك وبين الله يستقم حالك، وهذه بعض الآداب عليك أن تسعى لتتحلى بها فهي زادك الحقيقي في طريق الطلب.
أولا: طهارة القلب من الأدناس؛ ليصلح لقبول العلم واستثماره
ففي الصحيحين عن رسول الله ﷺ قال: " إنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب " (١)
قالوا: تطييب القلب للعلم كتطييب الأرض للزراعة.
وعن ابن عمر ﵁ قال: وعد رسولَ الله ﷺ جبريلُ أن يأتيه، فراث عليه حتى اشتد على رسول الله صلى اله عليه وسلم فخرج فلقيه جبريل،
_________________
(١) فضل العلم وآداب طلبته وطرق تحصيله وجمعه للشيخ/محمد سعيد رسلان ص ١١٩ ط مؤسسة الزهراء.
[ ٢٧٠ ]
فشكا إليه فقال: " إنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة " (١)
فإذا كانت الملائكة لا يدخلون بيتًا فيه كلب فكيف ينزلون قلبًا مليئًا بالأنجاس والخبائث ومذموم الصفات مثل: الغضب والشهوة والحقد والحسد والكبر والعجب ونحوها، وهذه الصفات كالكلاب النابحات في الباطن فكيف يمكن أن تتفق هذه مع ملائكة الرحمة؟ (٢)
قال ابن جماعة: " القلب المظلم المشحون بالذنوب لا يستطيع استقبال الملائكة، ولا يبقى فيه مكان للعلم الذي هو نور يقذفه الله في قلوب من أراد.
قال الإمام الشافعي ﵀:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يُهدى لعاصٍ
فعلى طالب العلم أن يطهر ظاهره بمجانبة البدعة والتحلي بسنن رسول الله ﷺ في أحواله كلها، والمحافظة على الوضوء ونظافة الجسم من غير تكلف وعلى قدر المستطاع.
[ ٢٧١ ]
وعليه أن يطهر قلبه من كل غش ودنس وغل وحسد وسوء عقيدة وخلق ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه والاطلاع على دقائق معانيه وحقائق غوامضه، فإنه العلم.
كما قال بعضهم: صلاة السر وعبادة القلب وقربة الباطن وكما لا تصح الصلاة التي هي عبادة الجوارح الظاهرة غلا بطهارة الظاهر من الحدث والخبث فكذلك لا يصح العلم الذي هو عبادة القلب غلا بطهارته عن خبث الصفات وحدث مساويء الأخلاق ورديئها " (١)
قال سهل: حرام على قلب ان يدخله النور زفيه شيء مما يكره الله ﷿.