وحذار ثمَّ حذار من معوقات تشل هذه الملكة، فتنقض غزلك من بعد قوم أنكاثًا، وهي تنقسم إلى:
- آفات خلقية ونفسية.
- وآفات منهجية.
[ ٣٣٨ ]
فأما الآفاتُ الخلقيةُ والنفسيةُ، فمن ذلك:
أولًا: الكبرُ والعجبُ:
فإنه داءٌ يصيبُ كلَّ متعلمٍ لم يخلصْ وجهَه للهِ من باديءِ أمرِه، وقد قال - ﷺ -: "الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ الناسِ" (١)، ولا يزول ذلك إلا إذا عَرَف المرءُ حقارةَ نفسهِ، ولعله يحتاجُ هنا إلى المربي ليقوِّمَ اعوجاجَه، ومن ثمَّ قلنا بالصبرِ على ذُلِّ التعلمِ لأنه أكثرُ شيءٍ فائدة للمتعلمِ لو كان يدري.
فلتحذرْ من رؤيةِ النفسِ، كأنْ تناظرَ للغلبةِ لا لمعرفةِ الحقِّ، وكتحصيلِ علومٍ تتجملُ بها في المحافلِ والتعالي على الأقرانِ، ونحوه مِمَّا يضيعُ العلمَ ويثيرُ الأحقادَ.
ثانيًا: الغرورُ:
وهو أنْ تَسْكُنَ النفسُ إلى ما يوافقُ هواها وتميلُ إليه بطبعِها. والمغرورُ يتحدثُ عن نفسِه دائمًا، بل ربما يُظْهِرُ نفسَه بإلحاقِ التهم بأقرانِه، والغرورُ يحجبُ طالبَ العلمِ عن الزيادةِ في الطلبِ، فيظنُّ أنه قد انتهى إلى ما لنْ يَصِلَ إليه غيرُه، ويمنعُه من سماعِ النصيحةِ.
والمغرورُ يثيرُ حولَه من العداواتِ ما يُتْلِفُ قلبَه، فاللَّهم إنا نعوذُ بك من الغرورِ وأهلِه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في "صحيحه" (١٤٧) ك الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه.
[ ٣٣٩ ]
ثالثًا: الحسدُ:
الذي هو تمني زوالِ النعمةِ عن الغيرِ، وهو خلقٌ ذميمٌ، يُفْسِدُ الجَنَانَ ويردي الإيمانَ.
والحسدُ يَدِبُّ بين خِلَّانِ الدنيا الذين يطمعون في حطامِها الزائلِ، أما أهلُ الآخرةِ فبمعزلٍ عن ذلك.
والحسودُ -عادةً- لا يسودُ، وينشغلُ بحاسدِه عن العلمِ فتضعفُ ملكتُه، وتَسَخُّطُه يزيلُ عنه العلمَ، وينفرُ الناسَ منه.
فإياك والحسَد فإنه يحلقُ الدينَ كما يحلقُ الموسى الشعرَ.
أما المعوقاتُ المنهجيةُ، فمنها:
أولًا: الغفلةُ عن النصوصِ الشرعيةِ الثابتةِ، والتفسيرُ الخاطىءُ للنصِّ الشرعيِّ:
وعادةً ما يكونُ ذلك بسببِ ما حذرتُك منه من التصدرِ قبلَ التأهلِ، والتزببِ قبلَ التحصرمِ.
ثانيًا: التقليدُ والتعصبُ والجمودُ:
وكلٌّ منها يؤدي إلى الآخَرِ، والتقليدُ هو اتباعُ الإنسانِ غيرَه فيما يقولُ أو يفعلُ، معتقدًا الحقيقةَ فيه من غيرِ نظرٍ وتأملٍ في الدليلِ، أي أنه يتبعُ قولَ غيرِه بدونِ حجةٍ أو دليلٍ.
والتعصبُ مذمومٌ، والجمودُ يُشِلُّ ملكاتِ الإنسانِ، ويجعلُه في بوتقةٍ لا يتجاوزُها فتضعفُ قدراتُه.
[ ٣٤٠ ]
ثالثًا: الالتزامُ بحرفيةِ النصوصِ، وعدمُ النظرِ إلى مقاصدِ الشريعةِ:
ولذلك فإنَّ الفقه الظاهريَّ عاداه أهلُ العلمِ ورأوا فيه انحرافًا عن الجادةِ، رغم أنَ الناظرَ في كتابٍ كـ "المحلى" لابنِ حزمٍ لا يَرَى سوى نصوصٍ من كتابِ رَبِّنا وسنةِ نبيِّنا - ﷺ - وقولِ صحابيٍّ أو تابعيٍّ، وهذا كلُّه جيدٌ، لكن للأسفِ عدمُ الأخذِ بأصولِ منهجِ السلفِ في الاستدلالِ جعلتْه يخرجُ علينا بأقوالٍ شاذةٍ معروفةٍ.
رابعًا: الغُلُوُّ:
والغلوُّ يعني؛ الانحرافَ عن الجادةِ، فالدينُ دينٌ سَمْحٌ لا إفراطَ فيه ولا تفريطَ، وكم من آراءٍ شَذَّتْ بسببِ موقفٍ متشددٍ وَقَفَه أحدُ أهلِ العلمِ فَهَجَره العلماءُ، كما فَعَل نجمُ الدينِ الطوفي الذي قَدَّم المصلحةَ المرسلةَ على النصِّ الشرعيِّ، وشهر بذلك بعضُ الرويبضةِ في هذا العصرِ حتى يتسنى لهم تبريرُ الواقعِ ومداهنةُ مَن يريدون.
فيا أيها المتفقه
هل لنا أنْ ننشدُ فيك بغيَتنا غدًا؟ لعلي أحتاجُ في نهايةِ المطافِ أنْ أذكِّرَك بأمرٍ يَعزُّ بين طلابِ العلمِ الجمعُ بينَه وبينَ العلمِ، مع أنه الثمرةُ المرجوةُ، وباعثُ الفتوةِ، والأصلُ الأصيلُ في رحلتِك إلى اللهِ، أعني "المنهجَ"، وتلك قاعدةُ انطلاقِك الأخيرةُ معي، أسأل اللهَ أن يختمَ لنا بخاتمةِ السعادةِ أجمعين.
[ ٣٤١ ]