وهذه الصفة تنمو بالاكتساب عن طريق الإحاطة بمبادئ العلوم والإلمام بقواعده، وهي تبدأ ضعيفة ثمَّ تقوى بالرعاية والتدرج، ولذلك فإنَّ حصول هذه الملكة يحتاج إلى نوع من الدربة والتدرج في التلقين والتعلم.
وعلى هذا فإنَّ صاحب الملكة الفقهية من يكون الفقه له سجية، وعنده قوة يقتدر بها على استنتاج الأحكام من مآخذها.
وهذه الملكة لها أنواع:
فمنها: فقه النفس وهو غريزة لا تتعلق بالاكتساب، وتورث صاحبها شدة الفهم لمقاصد الكلام.
ومنها: القدرة على استحضار الحكم الشرعي العملي في مظنته الفقهية.
ومنها: القدرة على استنباط هذا الحكم الشرعي، عن طريق التضلع بالعلوم الشرعية وعلوم اللغة مما هو ضروري للاجتهاد.
ومنها: القدرة على تخريج الفروع على الأصول والترجيح بين الآراء،.
وقد يعبر عن هذه الملكة بـ " البصيرة " أو " الحكمة " أو " الاجتهاد " وبينهم من التداخل والتباين ما بينهم، والفقيه المطلوب - والذي نرجوه - هو الذي تجتمع له كل هذه الأنواع من الملكات؛ لأنَّه بحاجة إلى مجموعها،
[ ٣٢٥ ]
ففقه النفس يعينه على القيام بأمر الله تعالى في نفسه وأهله، ومن حولهم، وفي فتاويه للنَّاس، فإنَّه يعلم بحاله حالهم، فتكون فتاويه ونصائحه موفقة لا ملفقة.
وملكة القدرة على الاستنباط لأنَّ نصوص الشرع تنحصر والنوازل لا تنحصر، فأحكام الدين تؤخذ بالاستنباط من الأدلة، وهذا هو الفقه الحقيقي، فليست القضية في حفظ النصوص واستحضارها، ولكن في تنزيل هذه الأحكام بفقه النفس وملكة الاستنباط في استخراج الحكم الذي يرضي الله ورسوله، فقد قالوا: أنَّ الفقيه هو الذي أحاط علمًا بالشريعة، فيستخرج الحكم من مجموعها.
وأيضًا ملكة الترجيح بين الآراء ملكة خطيرة، فهو لا يتعصب لمذهب ولا لشخص ولا يحكمه الهوى، فلا يتابع أحدًا في كل أقواله إلا رسول الله ﷺ، فلذلك هو مجتهد حقيقة، وهذا المجتهد له ملكة حقيقية، تبين له الصحيح من المزيف من الأقوال كالصيرفي الماهر، فهو حين ينظر في أقوال الناس يعرف مآخذ العلماء ويتبين له مشاربهم، فيتوجه الأمر لديه بالترجيح الصحيح بينهم، وقد مر بنا مرارًا قول رسول ﷺ " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين " (١)
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٧/ ٣٨)، قال في كنز العمال: قال الخطيب سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث وقيل له كأنه كلام موضوع قال لا هو صحيح سمعته من غير واحد.
[ ٣٢٦ ]