قال ابنُ عباسٍ -﵄- في تقرير هذه القاعدة: استمعوا علمَ العلماءِ، ولا تصدقوا بعضَهم على بعضٍ (٢).
_________________
(١) وردت هذه العبارة في عدة أحاديث منها ما رواه البخاري (٧٥٠) ك: الأذان، باب: رفع البصر إلى السماء في الصلاة بلفظ "ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة ".
(٢) "جامع بيان العلم" (٢/ ١٥١).
[ ٣٠٨ ]
وقال مالكُ بن دينارٍ: يؤخذُ بقولِ العلماءِ والقراءِ في كلِّ شيءٍ إلا قول بعضِهم في بعضٍ (١).
يقول الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ: السَّلَفُ -رضوانُ اللهِ عليهم- قد سَبَق من بعضِهم في بعضٍ كلامٌ كثيرٌ في حالِ الغضبِ، ومنه ما حَمَل عليه الحسدُ كما قال ابنُ عباسٍ ومالكُ بنُ دينارٍ وأبو حازمٍ، ومنه على جهةِ التأويلِ مِما لا يلزمُ القول فيه ما قاله القائلُ فيه، وقد حَمَل بعضُهم على بعضٍ السيفَ تأويلًا واجتهادًا، لا يلزمُ تقليدُهم في شيءٍ منه دونَ برهانٍ ولا حجةٍ توجبُه (٢).
يقول الإمامُ الذهبي -عليه رحمة الله-: كلامُ الأقرانِ إذا تبرهن أنه بهوى وعصبيةٍ لا يلتفتُ إليه، بل يُطوى ولا يُروى (٣).
وقال ﵀: وكلامُ الإقرانِ بعضِهم في بعضٍ لا يُعبأُ به، لا سيَّما إذا لاح لك أنه لعداوةٍ أو لمذهب أو لحسدٍ، وما ينجو منه إلا مَن عَصَمَه اللهُ، وما علمتُ أنَّ عصرًا من الأعصارِ سَلِم أهلُه من ذلك سوى الأنبياءِ والصدِّيقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريسَ (٤).
وقد وَضَعَ أئمةُ الجرحِ والتعديلِ أماراتٍ يُستشعرُ منها رَدُّ خبرِ المتكلِّمِ في قرينهِ؛ فمن ذلك:
١ - المنافسةُ في البلدِ أو التخصص العلميِّ:
_________________
(١) "جامع بيان العلم" (٢/ ١٥٢).
(٢) الموضع نفسه.
(٣) "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٩٢).
(٤) "ميزان الاعتدال" (١/ ١١١).
[ ٣٠٩ ]
فقد تكلم ابنُ أبي ذئب في مالكٍ لأنه بلغه أنَّ مالكًا -﵀-
لا يأخذُ بحديثِ "البيعانِ بالخيارِ " (١) فاشتدتْ مقالةُ ابنِ أبي ذئبٍ -﵀- في الإمامِ مالكٍ، ولم يعوِّلْ العلماءُ على ذلك، فبقيتْ إمامتهُما معتبرةً، ولكنهما كانا عالمي المدينةِ، فحدث بينهما ما يكونُ بين الأقرانِ في البلدِ الواحدِ (٢).
وتكلم سعيدُ بنُ المسيبِ -﵀- في عكرمةَ، وتكلم الثوريُّ -﵀- في الإمامِ أبي حنيفةَ، وطوى العلماءُ هذه المقالاتِ، وطَعَنوا أحيانًا في صحتِها، ووجَّهُوا بعضَها بأنَّ هذا شأنُ المعاصرةِ والمنافرةِ ونحوِهما.
فلم يقبلوا قولَ الإمامِ مالكٍ في محمدِ بن إِسحقَ صاحبِ المغازي؛ لما عَرَض لهما من المخالفةِ.
قال علماءُ الجرحِ والتعديلِ: لا يُقبلُ جَرحُ المعاصرِ على المعاصرِ، أي إذا كان بلا حجةٍ، لأنَّ المعاصرةَ تفضي غالبًا إلى المنافرةِ.
قال التاجُ السُّبكيُّ في طبقات الشافعيةِ: ينبغي لك -أيها المسترشدُ- أن تسلكَ سبيلَ الأدبِ مع الأئمةِ الماضين، وأن لا تنظرَ إلى كلامِ بعضِهم في بعضٍ، إلا إذا أتى ببرهانٍ واضحٍ، ثم إن قدرت على التأويلِ وتحسينِ الظنِّ فدونَك، وإلا فاضربْ صفحًا عمَّا جَرَى بينهم، فإنك لم
_________________
(١) متفق عليه. أخرجه البخاري (٢٠٧٩) ك البيوع، باب إذا بين البيعان، ولم يكتما، ونصحا، ومسلم (١٥٣١) ك البيوع، باب ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
(٢) انظر في توجيه هذه المسألة "الرفع والتكميل" (ص ٤٢٥ - ٤٢٨).
[ ٣١٠ ]
تُخلقْ لهذا، فاشتغلْ بما يَعنيك، ودع عنك ما لا يعنيك، ولا يزالُ طالبُ العلمِ نبيلًا حتى يخوضَ فيما جَرَى بين الماضينَ.
وبعدَ أن ذَكَر بعضَ كلامِ الأئمةِ في بعضٍ.
قال ﵀: فإنك إذا اشتغلت بذلك خِفْتُ عليك الهلاكَ، فالقومُ أئمةٌ أعلامٌ، ولأقوالهِم محاملُ، وربَّما لم نَفهمْ بعضَها، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوتُ عمَّا جَرَى بينهم، كما يُفعلُ فيما جرى بين الصحابةِ -﵃- (١).
ومن العلاماتِ أيضًا:
٢ - الاختلافُ المذهبيُّ: فإن اختلافَ الآراءِ نظرًا لاختلافِ الأصولِ والمنابعِ مُفْضٍ للخصوماتِ والعداواتِ، والتاريخُ شاهدٌ على ذلك، ومَن لا يدري ما صَنَعه "التعصبُ المذهبي" في الأمةِ من بلياتٍ، فَطَعَن هؤلاءِ في أولئك، وقَبِلوا كلَّ ضعيفٍ أو موضوعٍ لوجود الدَّافعِ ولقلةِ العلمِ، فأَرحْ نفسَك، وأنزلْ الأئمةَ منازلَهم.
ومنها أيضًا:
٣ - الغضبُ الشديدُ: فإنَّ الغضبَ ملاكُ كلِّ شَرٍّ، والعلماءُ بَشَرٌ يغضبون ويرضُون:
وعينُ الرضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ولكنَّ عينَ السُّخْطِ تُبْدِي المساويا
_________________
(١) "طبقات الشافعية" (١/ ١٨٨). وعنه "الرفع والتكميل" (ص ٤٢٥ - ٤٢٩).
[ ٣١١ ]
ومنها:
٤ - وجودُ المخاصماتِ والإحَنِ: وقد تفعلُ قالةُ السوءِ وحملةُ النميمةِ بأهلِ العلمِ ما قد تَرَى وتَدْرِي، فنسألُ اللهَ العافيةَ من الغِيبةِ والنميمةِ والسعايةِ بالسوءِ بينَ المسلمين، واللهُ المستعانُ.