فالعالمُ بَشَر غيرُ معصومٍ، والزللُ أمرٌ واردٌ وحاصلٌ -لا محالةَ- لكلِّ أحدٍ، وهذه الزلةُ لا تنقص من قدرِه، بل توهبُ سيئاته لحسناتِه -كما تقدم- ولكن هذا لا يعني الإقرارَ بالخطأِ أو اعتمادَه، بل يُبَيَّنُ حكمُ الشرعِ في هذه المسألةِ، ويُعتزرُ لمن أخطأ في اجتهادِه فهو مأجور على كلِّ حالٍ.
قال الحكماءُ: الفاضلُ مَنْ عُدَّتْ سقطاتُه.
وينبغي لطلبةِ العلمِ أن يُقيلوا ذَوِي الهيئاتِ عَثَراتِهم، فالواجبُ سترُ هذه الزلةِ وعدمُ إشاعتِها بينَ النَّاسِ.
- قال - ﷺ -: "أَقِيلوا ذَوِي الهيئاتِ عثراتِهم، إلا الحدود" (٢).
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٧٦ - ١٧٧).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده (٦/ ١٨١)، وأبو داود (٤٣٧٥) ك: الحدود، باب: في الحد يُشفع فيه، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٣٦٨٥).
[ ٣٠٦ ]
- وقال ﵊: "من أقال مسلمًا أقاله اللهُ عَثْرَتَه" (١).
ومِن حقِّ العالمِ أن يُنصحَ إذا زَلَّ؛ فقد قال - ﷺ -: "الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحةُ، الدينُ النصيحة" قالها ثلاثًا.
قلنا: لمن يا رسولَ اللهِ؟
قال: "للهِ ولكتابِه ولرسولِه ولأئمةِ المسلميَن وعامتِهم" (٢).
ومن أئمةِ المسلمينَ العلماءُ، ولهذه المناصحةِ ضوابطُ شرعيةٌ ينبغي أن تُراعَى، ويتأدبَ الناصحُ بها.
أولًا: أن يكونَ هدفُ النَّاصحِ الإصلاحَ، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
فيُحسنُ القصدَ ويحررُ نيتَه ويستعينُ باللهِ في إيصالِ هذا النُّصحِ لمُبَلَّغه.
ثانيًا: أن تبدوَ أماراتُ حُسنِ قصدِه في تصرفاتِه، فلا يجرحُ الذواتِ ولا يفتري عليهم.
ثالثًا: أن يتجنبَ ما يثيرُ عنادَ المنصوحِ ويجعلُه يتمادى على الباطلِ.
رابعًا: أن يكون لطيفًا في نصحِه، ولو نَصَح بالإشارةِ قُدِّمت على العبارةِ، ولو كانت الكنايةُ تَفِي بالغرضِ قدمت على الصريحِ
_________________
(١) رواه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ٢٥٢) وأبو داود (٣٤٦٠) ك: البيوع، باب: فضل الإقالة، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (٢٩٥٤).
(٢) رواه مسلم (٥٥) ك: الإيمان، باب بيان أن الدين النَّصيحة.
[ ٣٠٧ ]
من الأقوالِ، لقد كان النبي ينصحُ فيقول: "ما بالُ أقوام " (١).
خامسًا: أن يبتعد عن الألفاظِ المحتملةِ، ولا يتصيدَ الأخطاءَ بلوازمِ الأقوالِ، ولا يتعجلَ الحُكمَ، ويتقي اللهَ في أعراض المسلمين، فلا يُلقي بالتُّهمِ دونَ مبررٍ أو دليلٍ قاطع، بل إذا تعذر له كلُّ ذلك ولم يَجِدْ بُدًّا مِن حملِ هذه الزلةِ على أيِّ محملٍ كانت النصيحةُ حينئذٍ لا الفضيحةُ.
سادسًا: أن يبتعدَ عن التشهيرِ أو رمي التُّهمِ على ذاتِ الشخصِ، بل يكونُ قصارى جهدِه إبطال الرأي الفاسدِ بالأدلةِ الشرعيةِ.
سابعًا: أنْ يتحرى التَّخفي عن أعينِ النَّاسِ حين تجبُ المواجهةُ مع صاحبِ الزَّلةِ، ولو نفعت الرسائلُ كانت أوجهَ، ولو ذَهَب إليه حتى لا يراهما أحدٌ كان أفضلَ، ولا يُحدث بذلك إلا إذا وَجَب بيانُ الخطأَ، وشاع ضررُه بينَ النَّاسِ، واستفرغ الوسعَ في النَّصْحِ، فحينئذٍ يُبَيَّن الحقُ دونَ تعرضٍ للرجالِ ولا التشهيرِ بهم.